*مسعرة حرب*
30-04-2009, 12:26 AM
نواقض الاسلام ال(100)
اعتاد الناس عبارة ”نواقض الإسلام العشرة“، وتوهّم كثيرٌ من الناس أنَّ هذا العدد مأخوذٌ عن حصرٍ واستقراءٍ للنواقض، وأنَّه جامعٌ مانعٌ لكل ما ينقض الإسلام ..
والإمام محمد بن عبد الوهاب حين صنف رسالته ”نواقض الإسلام“ أراد أن يُنبِّه على عشرةِ نواقضَ مما كثر في زمانِه واشتهر ..، وإلاَّ فقد قال في بعض رسائله .. وفيهم من نواقض الإسلام أكثرُ من مائةِ ناقضٍ[1] (mk:@MSITStore:C:\DOCUME~1\PC01B9~1\LOCALS~1\Temp\ Rar$DI00.843\العدد%2001%20-%2028.chm::/sout06-06.htm#_ftn1)(وكأنَّه يتحدّث عن الحكومات المسمَّاة بالإسلاميَّة اليوم !).
وقد تحدّث أهل العلم عن النواقض في كتب الفقه، في أبواب ”حكم المرتدِّ“، وتحدّث كثيرٌ من أهل العلم عن النواقض متفرِّقةً في مواضعها، فالنواقض المتعلقة بالأسماء والصفات مفصَّلةٌ في كتب الاعتقاد لجماعة من السلف وأئمة أهل السنة ممن بعدهم، والنواقض المتعلقة بتوحيد الألوهيَّة والعبادةِ، موجودةٌ بتفصيلٍ في مظانِّها من كتب التفسير، وفي بعض كتب شيخ الإسلام ابن تيميَّة ككتاب الاستغاثة في الردِّ على البكريِّ وغيرِه.
ولمّا ابتُلي المسلمون في وقت الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن بعده من العلماء الأئمة بانتشار الشرك وعبادة القُبور ودعائها والنذر والذبح لها والاستغاثة بها، وبالمعظَّمين المعبودين من دون الله كان للإمام محمدِ بن عبد الوهاب ومن بعده كتب ورسائل كثيرةٌ في ذلك.
وكلُّ طبقةٍ من أهل العلم اعتنت بما عمَّت به الفتنة في زمنها، فتجدُ السلفَ عند ظهورِ بدعةِ خلقِ القرآنِ وجحود صفة الكلام لله، بيّنوا هذا الأمر وأوضحوا مناقضته للإسلام، وكان لهم في ذلك مصنفات كثيرةٌ، منها رد الدارمي محمد بن سعيد على بشرٍ المريسي العنيد، ومنها خلق أفعال العباد للبخاري، وغير ذلك، وعند انتشار فتنة المتكلمين وعمومها ديار المسلمين في القرن السادس انبرى لها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم وغيرهم وأحيوا مذهب السلف وما كان عليه الصحابة في هذه المسائل، وتكلم شيخ الإسلام في مسائل من توحيد الألوهية والنواقض المتعلّقةً به وكان لها شيءٌ من الانتشار في صفوف الجهلة والعوامِّ في الأعمِّ الأغلب، وكان له في ذلك كلام مفرّق، وكتاب الرد على البكري.
ولما عمت هذه الفتنة وانتشرت واستشرت بعد الألف خرج الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبين تلك النواقض في مصنفات عديدةٍ مختصرةٍ بيّنةٍ، لا تكاد تجد مثلها في الإيجاز والبيانِ والحجَّة والكفاية، وفصَّل تلاميذه من بعده وتلاميذهم تلك المسائل في مصنفات كثيرةٍ منشورةٍ.
وكان مما كتبه الإمام تلك الرسالة ”نواقض الإسلام“ التي ذكر فيها أمورًا عشرةً من النواقض المنتشرة في عصره، وسنعرض لها على الإيجاز في أعدادٍ قادمةٍ بإذن الله عزَّ وجلَّ.
الناقض الأول
الاشراك بالله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:
فقد خلق الله الخلق جميعًا لعبادته وحده لا شريك له، وجعل أساس الدين وقوامه كلمة لا إله إلا الله، ولشهادة التوحيد ركنان: الإثبات والنفي، فكل ما انخرم به إثبات الألوهية لله من فعل أو قولٍ أو اعتقادٍ مناقضٍ للإيمان بالله وعبادته، أو ترك لما لا يصح الإثبات إلا به كترك جميع العمل، وكذا كلُّ ما انخرم به نفي الألوهية عن غير الله من صرفها لمعبودٍ سواه، كل ما كان من ذلك سمّي ناقضًا من نواقض الإسلام.
وأول النواقض التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالة النواقض: الشرك في عبادة الله فقال رحمه الله: ”الأول: الشرك في عبادة الله: قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر“ والشرك في عبادة الله إخلال بركن النفي من شهادة أن لا إله إلا الله، فمن أشرك فقد جعل مع الله إلهًا آخر ولم ينفِ الشريك عن الله عزَّ وجلَّ.
وتوحيد الله ينقسم قسمين:
توحيد المعرفة والإثبات: أي في معرفة الله عزَّ وجلَّ وأن يثبت لله ما اختص به من الأسماء والصفات والأفعال، ويُنفى ذلك عن غير الله، وهو توحيد الربوبية ويدخل فيه توحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الطلب والقصد: وهو أفعال العبد بقلبه وجوارحه وأقواله من العبادات التي يصرفها لله عزَّ وجلَّ ويقصده بها، ولا يصرف شيئًا منها لغير الله.
ويكون الشرك تبعًا لذلك قسمين: شركاً في الربوبية، وشركاً في الألوهية، فمن نسب إلى غير الله ما لا يكون إلا لله، كمن نسب القدرة المطلقة، والخلق والرزق والإحياء والإماتة وعلم الغيب وتدبير الكون إلى غير الله فقد أشرك في الربوبية، واتخذ غير الله ربًّا.
ومن دعا غير الله، وسأل الغائب، أو طلب من الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله، أو استعاذ أو استعان أو استغاث بغير الله، وكذا من سجد أو ذبح أو نذر لغير الله، ومن صام أو حجَّ لغير الله ؛ فقد أشرك في الألوهيَّة.
وللشرك في الألوهيَّة صورٌ عديدةٌ موجودةُ اليوم، فمنها دعاء من يدعو النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم ويسأله الشفاعة، كمن إذا عثر قال: يا محمد شفعَك – أي شفاعتك -، وهذا من دعاء غير الله المخرج من الملَّة، إلاَّ من تلفّظ بها غير عارفٍ لمعناها، أو اعتادها فخرجت منه بلا قصد مع جهده في التخلص منها، معفوٌّ عنه، أمَّا من يقولها بعد أن يعرف معناها ويصرُّ عليها فهو مشركٌ كافرٌ بالله العظيم، وشفاعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حقيقةٌ ثابتةٌ، إلاَّ أنَّها تُطلب من الله، كما أنَّ الإعانة لا تُطلب من الملائكة الكرام، وإن كانت تحصل بأيدي الملائكة إذا أمرهم الله.
ومن صور الشرك في الألوهيَّة: ما يُفعل عند القبور والآثار التي تعبد من دون الله عزَّ وجلَّ، كالذي يقع في الأبواء عند قبر آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يقع عند معبد البدوي بمصر، وغيرها كثيرٌ جدًا في العالم كلِّه بما فيه بلاد الجزيرة: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ).
ومن صور الشرك في الدعاء ما فعله الرافضة هذا العام من دعاء علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ولعن الله من عبده من دون الله، والحسينِ سيد شباب أهل الجنة، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، من دون الله في النجف وفي البقيعِ عند قبور الصحابة، حتَّى بلغ بهم الأمر أن رفعوا أصواتهم بذلك بمكبرات الصوت، وبلغ بالحكومة السلولية الكفر أن حمتهم بجنودها، وساقت من أنكر عليهم بلسانه من الموحدين إلى السجون، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
ومن صور الشركِ في الربوبية ما يتحدث به غلاة الصوفية، ويدرسونه في المدارس المرخصة لهم، وينشرونه في كتبهم، ويجتمع الناس عليهم في بيوتهم كما يفعل المرتد المشرك: محمد بن علوي مالكي الذي يسكن بلد الله الحرام، وهو رأس من رؤوس الكفر، داعية من دعاة الشرك، أسأل الله أن يثيب من يغتاله ويطهر بيت الله الحرام منه أعظم مما يتمنَّى من خير الدنيا والآخرة.
وللشرك في عبادة الله صورٌ أخرى، تأتي بإذن الله في الكلام على بقيَّة النواقض.
نسأل الله أن يفقهنا في الدين، ويهدينا سبيل المؤمنين، ونسأله أن يشفِّع فينا محمدًا سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين
الناقض الثاني
اتخاذ وسائط
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين..
أما بعد:
فقد تقدم الحديث عن أول ناقض ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نواقض الإسلام، وهو الشرك في عبادة الله، وذكر من صور الشرك دعاء غير الله.
والناقض الثاني الذي ذكره الإمام رحمه الله متفرع على الناقض الأول وجزء منه، وهو: من اتخذ وسائط يدعوهم من دون الله ويستغيث بهم ويتوكل عليهم، وإنما أفرده الإمام لأنَّ البلوى به أكبر وأعم ولأن أكثر المشركين من المنتسبين إلى الإسلام يستدل به ويستند إليه.
فإنَّ من يدعو غير الله لا يخرج عن هذه الحالات الثلاث:
أن يعتقد أنَّ المدعوَّ قادر مستقل عن الله عز وجل، وأنَّه مستحق لأن يُدعى ويُطلب منه ما يكون من خصائص الرب جل وعلا، سواء اعتقد أنه هو الله، أو أنكر وجود الله واعتقد ربًّا غيره، مثل من يعبد النمرود وفرعون ونحوهم ممن ينكر وجود الله ويدعي أن معبوده هو المعبود الأحد الذي لا إله غيره ولا رب سواه.
أو أن يعتقد أنه قادر شريك لله عز وجل، ويستحق الدعاء مع الله، فيدعوه: كمن يدعو عيسى عليه السلام وأمه.
أو أن يعتقد أنه ليس شريكًا لله بل هو عبد من عباد الله، ولكن يتخذه وسيطًا بينه وبين الله، كما كان يفعله بعض المشركين الذين بُعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.
فالناقض الأول يشمل الصور الثلاثة، والناقض الثاني خصه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بالصورة الثالثة من هذه الصور.
وصاحب هذه الصورة الثالثة لا يكون مشركًا في الربوبية من هذا الوجه، بل شركه في الألوهية، أي في صرف العبادة إلى غير الله عز وجل.
ومن ذلك المشركون الذين حكى الله عنهم ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وأما المشركون المعاصرون الذين يعبدون النبي صلى الله عليه وسلم والأولياء والصلحاء ويدعونهم من دون الله، ويحتجّون بهذه الحجّة، فإنَّ أكثر ما يحتجون به أنَّ الآية فيمن دعا الأصنام التي هي أحجار لا تضر ولا تنفع، بخلاف من دعا الصالحين والأولياء والأتقياء.
وقد ردَّ الله على هذه الشبهة بعينها، وبيَّن أنها وقعت ممن قبلهم فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ).
فأوضح الله في خطابه للمشركين أنّ الذين يدعوهم المشركون كانوا موحدين يسألون الله يرجون رحمته ويخافون عذابه، وزكاهم الله عز وجل في هذا، فهؤلاء المعبودون من دون الله أولياء لله مخلصون وليسوا أصنامًا من حجرٍ أو تمرٍ، ومع ذلك فقد جعل الله من دعاهم مشركًا كالذي يدعو الحجر والشجر.
والمشركون في حجتهم في اتخاذ الوسائط احتجوا بأنَّهم لا يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى الله، فتضمن هذا أمرين:
أن المدعوِّين ذوو جاهٍ عند الله ومكانةٍ ليست لغيرهم.
وأنَّ الداعين يحتاجون إلى ما يقربهم إلى الله ممن هو أقرب منهم إليهم.
وكذلك من يدعو الأولياء والصالحين من دون الله في المشركين المعاصرين، يحتج فيقول: هؤلاء أناس صالحون لا يرد الله لهم طلبًا، وأنا رجل كثير الذنوب لست بأهل لإجابة الدعوة، فدعوت هذا الوليَّ لتُجاب دعوتي بجاهه هو حين يطلب من الله أن يقضي حاجتي، فيتضمّن الأمرين بعينهما: أن المدعو ذو جاه عند الله، وأن الداعي يحتاج إلى هذا المدعو بسبب قربه من الله.
ويكون الداعي للوسيط مشركًا إذا طلب من الغائبِ أي طلب ولو صغُر، كما لو طلب من الغائب أن يعينه على صعود جبل ونحوه.
وكذلك إن طلب من الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يطلب منه المغفرة لذنوبه، أو أن يصرف عنه الموت ونحو ذلك.
أما من طلب من الحاضر ما يقدر عليه الحاضر: مثل أن يطلب من الطبيب العلاج الذي هو سبب الشفاء، ومثل قوله لمن عنده ناولني الكأس، وأعطني كذا وكذا، فهذا مباح بلا شك.
والدليل على التفريق: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء والمشركون يطلبون من الأصنام أو من الصالحين أشياء لا يقدر عليها إلا الله كالنصر على الأعداء، وكذلك يطلبون منها وهم غائبون عنها، فبين أن هذا شرك وكفر، وحكم الله عز وجل في كتابه بأنَّه شرك.
وقد كان المشركون يطلب بعضهم من بعض الأشياء الدنيوية التي جعلها الله أسبابًا طبيعية، كمن يطلب الإعانة على أمر ونحوه، فلم ينههم عن هذا، بل فعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.
فكانت الصورة الأولى شركًا بالنص من الكتاب والسنة، وبالإجماع، وكانت الصورة الثانية جائزة بالنص من الكتاب والسنة، وبالإجماع.
ومن صور الشرك في الوسائط التي ذكرها الشيخ في هذا الناقض: من يتوكل على الوسطاء، فهذا من الشرك أيضًا، ويقع من أكثر المشركين قديمًا وحديثًا، وخاصة من تقرب إلى المعبود من دون الله بقربان، فإنَّه يطمئن بعده من الخوف والخطر ويرى أن معبوده يحفظه من هذه الأمور ولا يخذله بعد أن قرب له ذلك القربان.
وجميع ما يقع من الصور المعاصرة للشرك في الناقض الأول، يقع في هذا الناقض وإنما هذا الناقض كما تقدم حجة من حجج من يقع في بعض صور الناقض الأول
الناقض الثالث
من لم يكفر الكافرين أو شك في كفره أو صحح مذهبهم.
هذا الناقض هو ثالث النواقض التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام، وقد أجمع عليه أهل العلم في الجملة.
ومرجع هذا الضابط إلى التصديق بالنصوص، والقبول لأحكام الله عز وجل، فمن لم يكفر من كفرهم الله فقد ردَّ على الله حكمه، وامتنع عن العمل به، وكذَّب خبره وعاند أمره.
وقد ذكر أهل العلم هذه القاعدة في مسائل عدَّة:كمن لم يكفّر من يدعو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن لم يكفِّر النصيرية، ومن لم يكفِّر اليهود والنصارى، ونحو ذلك.
ومن لم يفقه ضوابط هذا الناقض أدَّى به إلى التسلسل في التكفير، وهذا ما وقع لجماعات من الغلاة أبرزها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر بعد انحراف مسيرتها، والتي هادنت الطواغيت لتتفرغ لقتال المجاهدين في سبيل الله.
ومن لم يكفِّر الكافر فقد يكون لا يعرف حاله، كمن لم يعلم أنَّ المدعوّ تركيًّا الحمد تلفَّظ بما تلفَّظ به من الكفر، فهذا معذورٌ وليس داخلاً في القاعدة.
وأمَّا إذا كان يعرف حاله، فيُنظر فيه بحسب الكافر الذي لم يكفِّره أو شك في كفره أو صحح مذهبه، وهذا على أقسام:
الأوَّل: أن يكون كفر هذا الكافر من المعلوم بالدين بالضرورة، ومن لم يعرفه فليس من أهل الإسلام، كمن شك في كفر عباد الأوثان والبوذيين واليهود والنصارى على العموم، فمن شك في كفر بعض هؤلاء الكفار فهو كافر مثلهم.
الثاني: أن يكون كفره ليس من المعلوم من الدين بالضرورة، ولكن النصوص تدل عليه دلالة قطعية، فمن شك في كفره بُيِّنت له النصوص فإن لم يقبلها كفر، ومثال ذلك: عباد القبور الذين يدعونها وينذرون لها ويحجون إليها من المنتسبين إلى الإسلام، فمن شك في كفرهم بُيِّنت له الأدلَّة على ذلك فإن لم يكفرهم كفر.
الثالث: أن يكون تكفيره محتملاً للشبهة، كالحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله ونحوهم، فهؤلاء وإن كان كفرهم قطعيًّا عند من حقق المسألة، فإنَّ ورود الشبهة محتمل فلا يكفَّر من لم يكفِّرهم، إلاَّ إن أُقيمت عليه الحجة، وكٌشفت عنه الشبهة وأزيلت، وعرف أنَّ حكم الله فيهم هو تكفيرهم.
الرابع: أن يكون تكفيره مسألةً اجتهاديَّةً فيها خلاف بين المسلمين.
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا الناقض ثلاث صور:
الصورة الأولى: من لم يكفِّر الكفَّار، وهو ما تقدَّم.
الصورة الثانية: من شكَّ في كفرهم، وهو عائد إلى ما تقدم، مقيد بالضوابط نفسها، فإنَّ من لم يكفِّر الكافرَ يكفر لتكذيبه خبر الله ورده له، ومن شك في كفر الكافر يكفر لشكه في خبر الله وعدم قبوله له.
والصورة الثالثة: من صحح مذهبهم، وهذه الصورة في الحقيقة داخلة في الناقض الرابع التالي لهذا الناقض، وإنَّما ذكرها الإمام هنا لمشابهتها المسألة لا باعتبارها صورةً من صورها، وسيأتي الحديث عنها بإذن الله.
الناقض الرابع
((من اعتقد أنغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم اكمل من هديه))
هذا الناقض هو رابع النواقض التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهو ناقض اعتقادي، بمعنى أنَّ الكفر فيه يكون بالاعتقاد، وإن كان هذا الاعتقاد قد يعرف بالقول وبالفعل، إلاَّ أنَّ المكفِّر فيه هو الاعتقاد الكفري.
وتتمة كلام الشيخ في هذا الناقض: ”أو حكم غيره أحسن من حكمه؛ كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه صلى الله عليه وسلم“.
ولا بد من التنبه إلى مسألة: وهي أن هدي النبي المراد هو هديه التشريعي، أما ما كان من أمور الدنيا التي لا تشريع فيها، فقد يكون الهدي الذي يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مناسبًا لزمانه دون الأزمان التي بعده، أو لمكانه دون الأمكنة المختلفة عنه.
أما هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو من وحي الله عز وجل وشرعه كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، فمن اعتقد أن غيره أكمل منه، فقد اعتقد أنَّ غير شرع الله أكمل من شرعه، وأن غير حكم الله أكمل من حكمه، وهذا الناقض يناقض شهادة الإسلام بشقيها: التوحيد والرسالة.
فأما التوحيد فلأنَّه طعن في الله عز وجل وفي شرعه وكمال دينه، وهذا طعن في الربوبية لأن التشريع من خصائص الربوبية، فهو من نسبة النقص إلى الله في شرعه، كما لو نسب النقص إلى الله عز وجل في خلقه، أو نسب النقص إليه عزَّ وجلَّ في قدرته ونحو ذلك.
وأما الرسالة فلأنه طعن في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكمالها وصحتها، فإنَّ الذي يعتقد غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، إمَّا أن يعتقد أنه هدي من عند الله ولكنَّه ناقص، وإمَّا أن يعتقد أنه من عند غير الله، وعليه فإما أن تكون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ناقصة باعتبار أنها جاءت بالنقص، وإما أن تكون باطلة باعتبار أنها من عند غير الله.
وكل ما تقدم من الكفر الأكبر المخرج من الملة، وقد قال الله عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ؟.
وأما من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه ولكنَّه عنى بذلك الرسالات السابقة، فظنَّ أنَّ ما أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء أكمل ولو من بعض الوجوه مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا يبيّن له الدليل، من مثل قول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)، وقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) والكمال ما لا يقبل الزيادة.
فإن أصرَّ بعد أن عُرِّف الدليل ووُضِّحَ له كَفَرَ وخَرَجَ من الملة، بتكذيبه لخبر الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الناقض يشمل من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه على جهة العموم، كما يشمل من اعتقد أن غير هدي النبي في مسألةٍ من المسائل أو حالٍ من الأحوال أكمل من هديه، كمن اعتقد أن هدي الغرب الكافر في مسألةٍ أكمل مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو اعتقد أن ما ينتهي إليه عقله وهواه في أمر من الأمور أكمل مما يجده في هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك أيضًا في بقية هذا الناقض: أو حكم غيره أحسن من حكمه، فمن اعتقد أن تحكيم قانونٍ من القوانين الوضعية، أو ملة من الملل المنسوخة أحسن من تحكيم شرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقد خرج من الملة، ومن اعتقد أن حكم القانون في مسألةٍ من المسائل كمسائل الحدود والقطع والرجم وغيرها أكمل من حكم الله ورسوله فقد كفر.
وتفضيل غير حكم الله على حكم الله يكون على ثلاث حالات:
<LI dir=rtl>الأولى: أن يعتقد أن غير حكم الله أكمل من حكمه على العموم.
<LI dir=rtl>الثانية: أن يعتقد أن غير حكم الله في مسألةٍ معينةٍ أكمل من حكمه.
الثالثة: أن يعتقد أن حكم الله أكمل من حكم غيره في كل مسألة، ولكن ليس في كل العصور، بل في بعض العصور يكون حكم غير الله أكمل من حكمه سواء في مسألةٍ معينة أو في جميع الشريعة.
وهذه الحالات الثلاث كلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة الناقض لعرى التوحيد، وإنما هي ألوانٌ للكفرِ، وكلها ترجع إلى نسبة النقص في شرع الله وحكمه: إما النقص في بعض التشريعات، وإما الجمود في بعض الأزمان، وعدم المناسبة للعصر الحديث، وكأن الله جل وعلا جهل العصر الحديث أو عزب عن علمه منه مثقال ذرةٍ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ومن صور تفضيل غير حكم الله على حكمه: ما يعتقده بعض من زاغ قلبه وعميت بصيرته، أن تشريعات القانون الفرنسي في نظام العمل والعمَّال المحكوم به في بلاد الحرمين، أكمل من شرع الله عز وجل، لأنها تحفظ حقوق العامل، وتحميه من ظلم أرباب العمل ونحو ذلك، مما لو كان خيرًا وحقًّا وكمالاً وعدلاً، لما خلا منه شرع الله عز وجل، وإنما هو زبالة أفكار الصليبيين، فعجبًا لمن يقدمها على شرع الله العزيز الحكيم!
ومن صور تفضيل غير حكم الله على حكمه، من يعلم أن حكم الله في الحكام المرتدين وجوب منابذتهم بالسيف عند القدرة، وقتالهم حتى يكون الدين كله لله، ثم يعتقد أنَّ غير القتال الذي هو حكم الله أنفع من القتال، وأنَّ القتال فيه مفاسد أرجح من مصلحته، مع علمه أنَّ حكم الله هو القتال.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
اعتاد الناس عبارة ”نواقض الإسلام العشرة“، وتوهّم كثيرٌ من الناس أنَّ هذا العدد مأخوذٌ عن حصرٍ واستقراءٍ للنواقض، وأنَّه جامعٌ مانعٌ لكل ما ينقض الإسلام ..
والإمام محمد بن عبد الوهاب حين صنف رسالته ”نواقض الإسلام“ أراد أن يُنبِّه على عشرةِ نواقضَ مما كثر في زمانِه واشتهر ..، وإلاَّ فقد قال في بعض رسائله .. وفيهم من نواقض الإسلام أكثرُ من مائةِ ناقضٍ[1] (mk:@MSITStore:C:\DOCUME~1\PC01B9~1\LOCALS~1\Temp\ Rar$DI00.843\العدد%2001%20-%2028.chm::/sout06-06.htm#_ftn1)(وكأنَّه يتحدّث عن الحكومات المسمَّاة بالإسلاميَّة اليوم !).
وقد تحدّث أهل العلم عن النواقض في كتب الفقه، في أبواب ”حكم المرتدِّ“، وتحدّث كثيرٌ من أهل العلم عن النواقض متفرِّقةً في مواضعها، فالنواقض المتعلقة بالأسماء والصفات مفصَّلةٌ في كتب الاعتقاد لجماعة من السلف وأئمة أهل السنة ممن بعدهم، والنواقض المتعلقة بتوحيد الألوهيَّة والعبادةِ، موجودةٌ بتفصيلٍ في مظانِّها من كتب التفسير، وفي بعض كتب شيخ الإسلام ابن تيميَّة ككتاب الاستغاثة في الردِّ على البكريِّ وغيرِه.
ولمّا ابتُلي المسلمون في وقت الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن بعده من العلماء الأئمة بانتشار الشرك وعبادة القُبور ودعائها والنذر والذبح لها والاستغاثة بها، وبالمعظَّمين المعبودين من دون الله كان للإمام محمدِ بن عبد الوهاب ومن بعده كتب ورسائل كثيرةٌ في ذلك.
وكلُّ طبقةٍ من أهل العلم اعتنت بما عمَّت به الفتنة في زمنها، فتجدُ السلفَ عند ظهورِ بدعةِ خلقِ القرآنِ وجحود صفة الكلام لله، بيّنوا هذا الأمر وأوضحوا مناقضته للإسلام، وكان لهم في ذلك مصنفات كثيرةٌ، منها رد الدارمي محمد بن سعيد على بشرٍ المريسي العنيد، ومنها خلق أفعال العباد للبخاري، وغير ذلك، وعند انتشار فتنة المتكلمين وعمومها ديار المسلمين في القرن السادس انبرى لها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم وغيرهم وأحيوا مذهب السلف وما كان عليه الصحابة في هذه المسائل، وتكلم شيخ الإسلام في مسائل من توحيد الألوهية والنواقض المتعلّقةً به وكان لها شيءٌ من الانتشار في صفوف الجهلة والعوامِّ في الأعمِّ الأغلب، وكان له في ذلك كلام مفرّق، وكتاب الرد على البكري.
ولما عمت هذه الفتنة وانتشرت واستشرت بعد الألف خرج الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبين تلك النواقض في مصنفات عديدةٍ مختصرةٍ بيّنةٍ، لا تكاد تجد مثلها في الإيجاز والبيانِ والحجَّة والكفاية، وفصَّل تلاميذه من بعده وتلاميذهم تلك المسائل في مصنفات كثيرةٍ منشورةٍ.
وكان مما كتبه الإمام تلك الرسالة ”نواقض الإسلام“ التي ذكر فيها أمورًا عشرةً من النواقض المنتشرة في عصره، وسنعرض لها على الإيجاز في أعدادٍ قادمةٍ بإذن الله عزَّ وجلَّ.
الناقض الأول
الاشراك بالله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:
فقد خلق الله الخلق جميعًا لعبادته وحده لا شريك له، وجعل أساس الدين وقوامه كلمة لا إله إلا الله، ولشهادة التوحيد ركنان: الإثبات والنفي، فكل ما انخرم به إثبات الألوهية لله من فعل أو قولٍ أو اعتقادٍ مناقضٍ للإيمان بالله وعبادته، أو ترك لما لا يصح الإثبات إلا به كترك جميع العمل، وكذا كلُّ ما انخرم به نفي الألوهية عن غير الله من صرفها لمعبودٍ سواه، كل ما كان من ذلك سمّي ناقضًا من نواقض الإسلام.
وأول النواقض التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالة النواقض: الشرك في عبادة الله فقال رحمه الله: ”الأول: الشرك في عبادة الله: قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر“ والشرك في عبادة الله إخلال بركن النفي من شهادة أن لا إله إلا الله، فمن أشرك فقد جعل مع الله إلهًا آخر ولم ينفِ الشريك عن الله عزَّ وجلَّ.
وتوحيد الله ينقسم قسمين:
توحيد المعرفة والإثبات: أي في معرفة الله عزَّ وجلَّ وأن يثبت لله ما اختص به من الأسماء والصفات والأفعال، ويُنفى ذلك عن غير الله، وهو توحيد الربوبية ويدخل فيه توحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الطلب والقصد: وهو أفعال العبد بقلبه وجوارحه وأقواله من العبادات التي يصرفها لله عزَّ وجلَّ ويقصده بها، ولا يصرف شيئًا منها لغير الله.
ويكون الشرك تبعًا لذلك قسمين: شركاً في الربوبية، وشركاً في الألوهية، فمن نسب إلى غير الله ما لا يكون إلا لله، كمن نسب القدرة المطلقة، والخلق والرزق والإحياء والإماتة وعلم الغيب وتدبير الكون إلى غير الله فقد أشرك في الربوبية، واتخذ غير الله ربًّا.
ومن دعا غير الله، وسأل الغائب، أو طلب من الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله، أو استعاذ أو استعان أو استغاث بغير الله، وكذا من سجد أو ذبح أو نذر لغير الله، ومن صام أو حجَّ لغير الله ؛ فقد أشرك في الألوهيَّة.
وللشرك في الألوهيَّة صورٌ عديدةٌ موجودةُ اليوم، فمنها دعاء من يدعو النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم ويسأله الشفاعة، كمن إذا عثر قال: يا محمد شفعَك – أي شفاعتك -، وهذا من دعاء غير الله المخرج من الملَّة، إلاَّ من تلفّظ بها غير عارفٍ لمعناها، أو اعتادها فخرجت منه بلا قصد مع جهده في التخلص منها، معفوٌّ عنه، أمَّا من يقولها بعد أن يعرف معناها ويصرُّ عليها فهو مشركٌ كافرٌ بالله العظيم، وشفاعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حقيقةٌ ثابتةٌ، إلاَّ أنَّها تُطلب من الله، كما أنَّ الإعانة لا تُطلب من الملائكة الكرام، وإن كانت تحصل بأيدي الملائكة إذا أمرهم الله.
ومن صور الشرك في الألوهيَّة: ما يُفعل عند القبور والآثار التي تعبد من دون الله عزَّ وجلَّ، كالذي يقع في الأبواء عند قبر آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يقع عند معبد البدوي بمصر، وغيرها كثيرٌ جدًا في العالم كلِّه بما فيه بلاد الجزيرة: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ).
ومن صور الشرك في الدعاء ما فعله الرافضة هذا العام من دعاء علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ولعن الله من عبده من دون الله، والحسينِ سيد شباب أهل الجنة، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، من دون الله في النجف وفي البقيعِ عند قبور الصحابة، حتَّى بلغ بهم الأمر أن رفعوا أصواتهم بذلك بمكبرات الصوت، وبلغ بالحكومة السلولية الكفر أن حمتهم بجنودها، وساقت من أنكر عليهم بلسانه من الموحدين إلى السجون، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
ومن صور الشركِ في الربوبية ما يتحدث به غلاة الصوفية، ويدرسونه في المدارس المرخصة لهم، وينشرونه في كتبهم، ويجتمع الناس عليهم في بيوتهم كما يفعل المرتد المشرك: محمد بن علوي مالكي الذي يسكن بلد الله الحرام، وهو رأس من رؤوس الكفر، داعية من دعاة الشرك، أسأل الله أن يثيب من يغتاله ويطهر بيت الله الحرام منه أعظم مما يتمنَّى من خير الدنيا والآخرة.
وللشرك في عبادة الله صورٌ أخرى، تأتي بإذن الله في الكلام على بقيَّة النواقض.
نسأل الله أن يفقهنا في الدين، ويهدينا سبيل المؤمنين، ونسأله أن يشفِّع فينا محمدًا سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين
الناقض الثاني
اتخاذ وسائط
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين..
أما بعد:
فقد تقدم الحديث عن أول ناقض ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نواقض الإسلام، وهو الشرك في عبادة الله، وذكر من صور الشرك دعاء غير الله.
والناقض الثاني الذي ذكره الإمام رحمه الله متفرع على الناقض الأول وجزء منه، وهو: من اتخذ وسائط يدعوهم من دون الله ويستغيث بهم ويتوكل عليهم، وإنما أفرده الإمام لأنَّ البلوى به أكبر وأعم ولأن أكثر المشركين من المنتسبين إلى الإسلام يستدل به ويستند إليه.
فإنَّ من يدعو غير الله لا يخرج عن هذه الحالات الثلاث:
أن يعتقد أنَّ المدعوَّ قادر مستقل عن الله عز وجل، وأنَّه مستحق لأن يُدعى ويُطلب منه ما يكون من خصائص الرب جل وعلا، سواء اعتقد أنه هو الله، أو أنكر وجود الله واعتقد ربًّا غيره، مثل من يعبد النمرود وفرعون ونحوهم ممن ينكر وجود الله ويدعي أن معبوده هو المعبود الأحد الذي لا إله غيره ولا رب سواه.
أو أن يعتقد أنه قادر شريك لله عز وجل، ويستحق الدعاء مع الله، فيدعوه: كمن يدعو عيسى عليه السلام وأمه.
أو أن يعتقد أنه ليس شريكًا لله بل هو عبد من عباد الله، ولكن يتخذه وسيطًا بينه وبين الله، كما كان يفعله بعض المشركين الذين بُعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.
فالناقض الأول يشمل الصور الثلاثة، والناقض الثاني خصه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بالصورة الثالثة من هذه الصور.
وصاحب هذه الصورة الثالثة لا يكون مشركًا في الربوبية من هذا الوجه، بل شركه في الألوهية، أي في صرف العبادة إلى غير الله عز وجل.
ومن ذلك المشركون الذين حكى الله عنهم ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وأما المشركون المعاصرون الذين يعبدون النبي صلى الله عليه وسلم والأولياء والصلحاء ويدعونهم من دون الله، ويحتجّون بهذه الحجّة، فإنَّ أكثر ما يحتجون به أنَّ الآية فيمن دعا الأصنام التي هي أحجار لا تضر ولا تنفع، بخلاف من دعا الصالحين والأولياء والأتقياء.
وقد ردَّ الله على هذه الشبهة بعينها، وبيَّن أنها وقعت ممن قبلهم فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ).
فأوضح الله في خطابه للمشركين أنّ الذين يدعوهم المشركون كانوا موحدين يسألون الله يرجون رحمته ويخافون عذابه، وزكاهم الله عز وجل في هذا، فهؤلاء المعبودون من دون الله أولياء لله مخلصون وليسوا أصنامًا من حجرٍ أو تمرٍ، ومع ذلك فقد جعل الله من دعاهم مشركًا كالذي يدعو الحجر والشجر.
والمشركون في حجتهم في اتخاذ الوسائط احتجوا بأنَّهم لا يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى الله، فتضمن هذا أمرين:
أن المدعوِّين ذوو جاهٍ عند الله ومكانةٍ ليست لغيرهم.
وأنَّ الداعين يحتاجون إلى ما يقربهم إلى الله ممن هو أقرب منهم إليهم.
وكذلك من يدعو الأولياء والصالحين من دون الله في المشركين المعاصرين، يحتج فيقول: هؤلاء أناس صالحون لا يرد الله لهم طلبًا، وأنا رجل كثير الذنوب لست بأهل لإجابة الدعوة، فدعوت هذا الوليَّ لتُجاب دعوتي بجاهه هو حين يطلب من الله أن يقضي حاجتي، فيتضمّن الأمرين بعينهما: أن المدعو ذو جاه عند الله، وأن الداعي يحتاج إلى هذا المدعو بسبب قربه من الله.
ويكون الداعي للوسيط مشركًا إذا طلب من الغائبِ أي طلب ولو صغُر، كما لو طلب من الغائب أن يعينه على صعود جبل ونحوه.
وكذلك إن طلب من الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يطلب منه المغفرة لذنوبه، أو أن يصرف عنه الموت ونحو ذلك.
أما من طلب من الحاضر ما يقدر عليه الحاضر: مثل أن يطلب من الطبيب العلاج الذي هو سبب الشفاء، ومثل قوله لمن عنده ناولني الكأس، وأعطني كذا وكذا، فهذا مباح بلا شك.
والدليل على التفريق: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء والمشركون يطلبون من الأصنام أو من الصالحين أشياء لا يقدر عليها إلا الله كالنصر على الأعداء، وكذلك يطلبون منها وهم غائبون عنها، فبين أن هذا شرك وكفر، وحكم الله عز وجل في كتابه بأنَّه شرك.
وقد كان المشركون يطلب بعضهم من بعض الأشياء الدنيوية التي جعلها الله أسبابًا طبيعية، كمن يطلب الإعانة على أمر ونحوه، فلم ينههم عن هذا، بل فعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.
فكانت الصورة الأولى شركًا بالنص من الكتاب والسنة، وبالإجماع، وكانت الصورة الثانية جائزة بالنص من الكتاب والسنة، وبالإجماع.
ومن صور الشرك في الوسائط التي ذكرها الشيخ في هذا الناقض: من يتوكل على الوسطاء، فهذا من الشرك أيضًا، ويقع من أكثر المشركين قديمًا وحديثًا، وخاصة من تقرب إلى المعبود من دون الله بقربان، فإنَّه يطمئن بعده من الخوف والخطر ويرى أن معبوده يحفظه من هذه الأمور ولا يخذله بعد أن قرب له ذلك القربان.
وجميع ما يقع من الصور المعاصرة للشرك في الناقض الأول، يقع في هذا الناقض وإنما هذا الناقض كما تقدم حجة من حجج من يقع في بعض صور الناقض الأول
الناقض الثالث
من لم يكفر الكافرين أو شك في كفره أو صحح مذهبهم.
هذا الناقض هو ثالث النواقض التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام، وقد أجمع عليه أهل العلم في الجملة.
ومرجع هذا الضابط إلى التصديق بالنصوص، والقبول لأحكام الله عز وجل، فمن لم يكفر من كفرهم الله فقد ردَّ على الله حكمه، وامتنع عن العمل به، وكذَّب خبره وعاند أمره.
وقد ذكر أهل العلم هذه القاعدة في مسائل عدَّة:كمن لم يكفّر من يدعو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن لم يكفِّر النصيرية، ومن لم يكفِّر اليهود والنصارى، ونحو ذلك.
ومن لم يفقه ضوابط هذا الناقض أدَّى به إلى التسلسل في التكفير، وهذا ما وقع لجماعات من الغلاة أبرزها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر بعد انحراف مسيرتها، والتي هادنت الطواغيت لتتفرغ لقتال المجاهدين في سبيل الله.
ومن لم يكفِّر الكافر فقد يكون لا يعرف حاله، كمن لم يعلم أنَّ المدعوّ تركيًّا الحمد تلفَّظ بما تلفَّظ به من الكفر، فهذا معذورٌ وليس داخلاً في القاعدة.
وأمَّا إذا كان يعرف حاله، فيُنظر فيه بحسب الكافر الذي لم يكفِّره أو شك في كفره أو صحح مذهبه، وهذا على أقسام:
الأوَّل: أن يكون كفر هذا الكافر من المعلوم بالدين بالضرورة، ومن لم يعرفه فليس من أهل الإسلام، كمن شك في كفر عباد الأوثان والبوذيين واليهود والنصارى على العموم، فمن شك في كفر بعض هؤلاء الكفار فهو كافر مثلهم.
الثاني: أن يكون كفره ليس من المعلوم من الدين بالضرورة، ولكن النصوص تدل عليه دلالة قطعية، فمن شك في كفره بُيِّنت له النصوص فإن لم يقبلها كفر، ومثال ذلك: عباد القبور الذين يدعونها وينذرون لها ويحجون إليها من المنتسبين إلى الإسلام، فمن شك في كفرهم بُيِّنت له الأدلَّة على ذلك فإن لم يكفرهم كفر.
الثالث: أن يكون تكفيره محتملاً للشبهة، كالحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله ونحوهم، فهؤلاء وإن كان كفرهم قطعيًّا عند من حقق المسألة، فإنَّ ورود الشبهة محتمل فلا يكفَّر من لم يكفِّرهم، إلاَّ إن أُقيمت عليه الحجة، وكٌشفت عنه الشبهة وأزيلت، وعرف أنَّ حكم الله فيهم هو تكفيرهم.
الرابع: أن يكون تكفيره مسألةً اجتهاديَّةً فيها خلاف بين المسلمين.
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا الناقض ثلاث صور:
الصورة الأولى: من لم يكفِّر الكفَّار، وهو ما تقدَّم.
الصورة الثانية: من شكَّ في كفرهم، وهو عائد إلى ما تقدم، مقيد بالضوابط نفسها، فإنَّ من لم يكفِّر الكافرَ يكفر لتكذيبه خبر الله ورده له، ومن شك في كفر الكافر يكفر لشكه في خبر الله وعدم قبوله له.
والصورة الثالثة: من صحح مذهبهم، وهذه الصورة في الحقيقة داخلة في الناقض الرابع التالي لهذا الناقض، وإنَّما ذكرها الإمام هنا لمشابهتها المسألة لا باعتبارها صورةً من صورها، وسيأتي الحديث عنها بإذن الله.
الناقض الرابع
((من اعتقد أنغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم اكمل من هديه))
هذا الناقض هو رابع النواقض التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهو ناقض اعتقادي، بمعنى أنَّ الكفر فيه يكون بالاعتقاد، وإن كان هذا الاعتقاد قد يعرف بالقول وبالفعل، إلاَّ أنَّ المكفِّر فيه هو الاعتقاد الكفري.
وتتمة كلام الشيخ في هذا الناقض: ”أو حكم غيره أحسن من حكمه؛ كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه صلى الله عليه وسلم“.
ولا بد من التنبه إلى مسألة: وهي أن هدي النبي المراد هو هديه التشريعي، أما ما كان من أمور الدنيا التي لا تشريع فيها، فقد يكون الهدي الذي يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مناسبًا لزمانه دون الأزمان التي بعده، أو لمكانه دون الأمكنة المختلفة عنه.
أما هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو من وحي الله عز وجل وشرعه كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، فمن اعتقد أن غيره أكمل منه، فقد اعتقد أنَّ غير شرع الله أكمل من شرعه، وأن غير حكم الله أكمل من حكمه، وهذا الناقض يناقض شهادة الإسلام بشقيها: التوحيد والرسالة.
فأما التوحيد فلأنَّه طعن في الله عز وجل وفي شرعه وكمال دينه، وهذا طعن في الربوبية لأن التشريع من خصائص الربوبية، فهو من نسبة النقص إلى الله في شرعه، كما لو نسب النقص إلى الله عز وجل في خلقه، أو نسب النقص إليه عزَّ وجلَّ في قدرته ونحو ذلك.
وأما الرسالة فلأنه طعن في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكمالها وصحتها، فإنَّ الذي يعتقد غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، إمَّا أن يعتقد أنه هدي من عند الله ولكنَّه ناقص، وإمَّا أن يعتقد أنه من عند غير الله، وعليه فإما أن تكون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ناقصة باعتبار أنها جاءت بالنقص، وإما أن تكون باطلة باعتبار أنها من عند غير الله.
وكل ما تقدم من الكفر الأكبر المخرج من الملة، وقد قال الله عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ؟.
وأما من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه ولكنَّه عنى بذلك الرسالات السابقة، فظنَّ أنَّ ما أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء أكمل ولو من بعض الوجوه مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا يبيّن له الدليل، من مثل قول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)، وقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) والكمال ما لا يقبل الزيادة.
فإن أصرَّ بعد أن عُرِّف الدليل ووُضِّحَ له كَفَرَ وخَرَجَ من الملة، بتكذيبه لخبر الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الناقض يشمل من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه على جهة العموم، كما يشمل من اعتقد أن غير هدي النبي في مسألةٍ من المسائل أو حالٍ من الأحوال أكمل من هديه، كمن اعتقد أن هدي الغرب الكافر في مسألةٍ أكمل مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو اعتقد أن ما ينتهي إليه عقله وهواه في أمر من الأمور أكمل مما يجده في هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك أيضًا في بقية هذا الناقض: أو حكم غيره أحسن من حكمه، فمن اعتقد أن تحكيم قانونٍ من القوانين الوضعية، أو ملة من الملل المنسوخة أحسن من تحكيم شرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقد خرج من الملة، ومن اعتقد أن حكم القانون في مسألةٍ من المسائل كمسائل الحدود والقطع والرجم وغيرها أكمل من حكم الله ورسوله فقد كفر.
وتفضيل غير حكم الله على حكم الله يكون على ثلاث حالات:
<LI dir=rtl>الأولى: أن يعتقد أن غير حكم الله أكمل من حكمه على العموم.
<LI dir=rtl>الثانية: أن يعتقد أن غير حكم الله في مسألةٍ معينةٍ أكمل من حكمه.
الثالثة: أن يعتقد أن حكم الله أكمل من حكم غيره في كل مسألة، ولكن ليس في كل العصور، بل في بعض العصور يكون حكم غير الله أكمل من حكمه سواء في مسألةٍ معينة أو في جميع الشريعة.
وهذه الحالات الثلاث كلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة الناقض لعرى التوحيد، وإنما هي ألوانٌ للكفرِ، وكلها ترجع إلى نسبة النقص في شرع الله وحكمه: إما النقص في بعض التشريعات، وإما الجمود في بعض الأزمان، وعدم المناسبة للعصر الحديث، وكأن الله جل وعلا جهل العصر الحديث أو عزب عن علمه منه مثقال ذرةٍ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ومن صور تفضيل غير حكم الله على حكمه: ما يعتقده بعض من زاغ قلبه وعميت بصيرته، أن تشريعات القانون الفرنسي في نظام العمل والعمَّال المحكوم به في بلاد الحرمين، أكمل من شرع الله عز وجل، لأنها تحفظ حقوق العامل، وتحميه من ظلم أرباب العمل ونحو ذلك، مما لو كان خيرًا وحقًّا وكمالاً وعدلاً، لما خلا منه شرع الله عز وجل، وإنما هو زبالة أفكار الصليبيين، فعجبًا لمن يقدمها على شرع الله العزيز الحكيم!
ومن صور تفضيل غير حكم الله على حكمه، من يعلم أن حكم الله في الحكام المرتدين وجوب منابذتهم بالسيف عند القدرة، وقتالهم حتى يكون الدين كله لله، ثم يعتقد أنَّ غير القتال الذي هو حكم الله أنفع من القتال، وأنَّ القتال فيه مفاسد أرجح من مصلحته، مع علمه أنَّ حكم الله هو القتال.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين