أســامة
09-05-2009, 01:30 PM
هذا جهاد لا أقره ولا أرضى به ولا أدعوا إليه
أبو يونس العباسي
الحمد لله معز الإسلام بنصره , ومذل الشرك بقهره , ومصرف الأمور بأمره , ومستدرج الكافرين بمكره ، الذي قدر الأيام دولا بعدله , وجعل العاقبة للمتقين بفضله , والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه , وعلى من سار على دربه واقتفى أثره , واهتدى بهديه واستن بسنته , إلى يوم الدين .
سبب المقال
حضر عندي أحد الأخوة الأفاضل , درسا في الفقه , فلما انتهيت , تقدم إلي وقال لي :إنهم يقولون عنك , بأنك تحرم الجهاد ولا تجيزه في واقعنا الفلسطيني , فقلت له : وأي جهاد تقصد ؟وهل كل الجهاد جهاد ؟ وهل كل القتال قتال محمود ؟ فكان هذا دافعا لي أن اكتب هذا المقال , والذي عنونته بـ" هذا جهاد لا أقره ولا أرضى به ولا أدعوا إليه" .
الجهاد المشروع هو ما كان لله وفي الله وحسب
الجهاد الذي يكون في سبيل الله , وفي سبيل الله وحده , هو الجهاد ذو الدوافع والدوافع الإسلامية البحتة , ذو الأهداف والأهداف الإسلامية الخالصة , هذا جهاد أقره , وأرضى به , وأدعو إليه , وأسأل الله أن أكون من أهله , أما الجهاد في سبيل من سوى الله - تبارك وتعالى- فهو جهاد لا أقره ولا أرضى به ولا أدعوا إليه , بل أحاربه وأنابذه وأصد الناس عنه , قال الله تعالى :"الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا " , أم تريد مني يا أخي أن أقر وأرضى وأدعو إلى جهاد في سبيل الطاغوت ؟!!!
الجهاد وسيلة وليس غاية
لا بد أن تعلم أن الجهاد وسيلة وليس غاية , والغاية من الجهاد تختلف من إنسان إلى إنسان , أما غاية الموحد من الجهاد , فهي الغاية التي شرعها الله , ألا وهي :حفظ مقاصد الشريعة الخمسة , أو ما يطلق عليه العلماء بالضروريات الخمسة , وهي : الدين والنفس والعقل والعرض والنسل والمال , ولعل أحدكم يقول : فإذا تعارضت مقاصد الشريعة بعضها مع بعض فماذا نفعل ؟ فقلت : نوفق ما استطعنا إلى ذلك سبيلا , وإلا فإننا نقدم الأعلى رتبة على ما دونه من المقاصد , فمثلا : يقدم مقصد الدين على بقية المقاصد جميعا , لأنه أهمها, قال الله تعالى :"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)"(الذاريات) , وليس كما يفعل الكثيرون من المتحزبين - هداهم الله تعالى - , فتراهم يقدمون ما ليس بمقصد أصلا , على مقصد الدين والتوحيد , ويزعمون أنهم إنما يوافقون المصلحة ولا يخالفونها , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
الغاية التي شرع من أجلها الجهاد
ولا بد أن تعلم أن الجهاد ما شرع إلا لحفظ الدين , وحماية كل ما يتعلق ببقاء بالدين واستمراريته , من طاقات بشرية وأحجار وأشجار وخيرات وأطيان ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا , وعندما يتعارض الجهاد الحامي والمحافظ والداعم لمقصد الدين مع غيره من المقاصد إن كان نفسا أو عقلا أو نسلا وعرضا أو مالا , فلا بد من تقديم الجهاد على ذلك كله , لما يعود به الجهاد على الأمة من خيرات وخيرات , أخرج أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال :" جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُنَجِّي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ مِنْ الْهَمِّ وَالْغَمِّ" , قال أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – "وما ترك قوم الجهاد في سبيل إلا ذلوا" , وما أصاب المسلمين اليوم من الذل وتبعاته ولوازمه , إلا لأنهم تركوا الجهاد كخيار أممي لهم في وجه أعدائهم من طواغيت العرب والعجم .
هو جهاد ليس في سبيل الأرض
والجهاد الذي أقره , وأرضى به , وأدعو إليه , ليس جهادا في سبيل الأرض , وإنما هو جهاد في سبيل الله , فالجهاد عبادة من أجل العبادات , والعبادة لا تصرف إلا لله , فمن جعل جهاده من أجل الأرض , فقد عبد مع الله آلهة أخرى , إذ لابد من توحيد الله في القصد والطلب , ومن توحيده في القصد , أن نقصد بجهادنا وجهه الكريم لا وجه غيره من المخلوقات , سواء أكانت أرضًا أم غيرها , قال الله تعالى :" وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)" (البينة) , فنحن لا نجاهد من أجل الأرض لأنها أرض , بل من أجل أن الله هو الذي أمرنا أن نحرر الأرض , فالله تعالى هو المراد لذاته من جهادنا , والأرض مرادة لغيرها لا لذاتها , وإلا ساويناها بالله الواحد القهار وهيهات هيهات أن يكون هذا .
نجاهدهم لأنهم مشركون وبالله كافرون
إن ما يحملنا على جهاد اليهود بالإضافة لتعديهم على حقوقنا , كفرهم وشركهم بالله العلي العظيم , وإن من أعظم الغايات التي شرع من أجلها الجهاد هي: " القضاء على الشرك " , قال الله تعالى :"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ"(البقرة)
زعم باطل ورد فاصل
إن ما يقوله البعض : بأن عداءنا مع اليهود من أجل الأرض , ومن أجل الأرض فقط , وهو مساوٍِِ لعدائنا لأي إنسان يحتل أرضنا , حتى ولو كان مسلما , هو قول مناف لبدهيات العقيدة وأصولها ... هو قول مناقض للولاء والبراء ... حقا : إنني أعجب من هؤلاء , كيف يقولون هذا ؟!!! , أولم يقرؤوا قوله تعالى :" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " , أوما سمعوا بقول رب العالمين في سورة المجادلة إذ يقول :"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" , اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان , واعصمنا من الجهل والجاهلين , اللهم آميين.
من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعو إليه : هو جهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا , وكلمة الذين كفروا هي السفلى , لأن هذا هو الجهاد في سبيل الله , أما غيره فلا , فقد أخرج ابن ماجه عن أبي موسى قال : " سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " , أما الجهاد من أجل دوافع دنيوية , أو لمصالح شخصية , أو لغايات ومفاخر ومكاسب حزبية , وما يسمى بـ"الجهاد السياسي" الذي يقصد منه الوصول إلى الكرسي , فما إن يحصل المجاهد على الكرسي , فإنك ما تلبث إلا أن تراه قد كفر بالجهاد , ولاحق أهله , وصار يسميه عبثا , ويسمي أهله بالعملاء , الذين يعملون ضد المصلحة الوطنية العليا , وقد كان ترك الجهاد في السابق ولأي سبب خيانة عظمى , وتفريط رهيب ... فهذا جهاد لا أرضى به ولا أقره ولا أدعوا إليه ... ألا فتبًا للدنيا , وتبا لعبيدها , وويلا لهم عند الله , قال الله تعالى :" قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ"
تدمير الجهاد باللعبة السياسية
وأنا أنصح المجاهدين من هنا , أن يواصلوا جهادهم , ويكفروا باللعبة السياسية الكافرة القذرة , حتى يمن الله عليهم بالتمكين والنصر , ثم ليكونوا هم من يرسم الملامح والأسس والخطوط العريضة للسياسة , وفق ضوابط كتاب الله وسنة رسوله وبفهم السلف الصالح - رضي الله عنهم وأرضاهم - ,كما وأنصحهم أن يزهدوا في الدنيا ومتاعها الزائل , وليكونوا كالصحابة الذين كانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم , وأما قلوبهم فكانت عامرة بالإيمان , والإيمان وحده , والذي كان بدوره يدفعهم إلى أن يسلطوا ما في أيديهم لخدمة ما في قلوبهم .
هو جهاد الدفع والطلب
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه : هو جهاد الهجوم والدفاع أيضا , لاجهاد الدفاع فقط , فقد قال أحدهم عن مقاومة حركته , بأنها مقاومة قائمة على الرد والرد فحسب , وأما الهجوم فليس من منهجها , وذلك حتى ينفيَ الإرهاب عن حركته , أمام العالم الكافر , ألا فأنعم به من إرهاب ... إذا قصد به أعداء الرسل والرسالات , وما يضيرنا قولهم ونظرتهم لنا , إذا كان مولانا يرضى عنا .
جهاد العلم والبصيرة والدراية
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه, هو ذلكم الجهاد المبني على علم وبصيرة ودراية , وإلا إذا كان المجاهد جاهلا وخاصة في زمن التأسيس , لا يعرف شيئا عن دينه , لا يعرف لماذا يجاهد ... ومع من يجاهد ... , وماذا يرجوا من جهاده ... , لا يعرف ما لا يسع المسلم جهله من التوحيد والعقيدة والفقه وعلوم القرآن , وغيرها من العلوم الضرورية لكل مسلم , فسيكون جهاده بلا ثمرة تذكر , قال الله تعالى :" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ " , والجهاد أيها الإخوة إنما شرع لحماية هذا الدين , فكيف تدافع عن دين أنت لا تعلم أسسه وأركانه , وإلا فإنني إخوة الإسلام والإيمان , مر بي مجاهدون مريضون بداء الرياء والعجب ... مر بي بعضهم وكان لا يجيد قراءة الفاتحة ... مر بي بعضهم وكان لا يستطيع التفريق بين أركان الإسلام والإيمان ... فهل هذا جهاد يرضى عنه الله ؟ إذن : فلا بأس قبل أن ننزل المجاهد إلى الميدان , من إعداده إعدادا علميا إيمانيا ليكون كما الصحابة : "راهبا باليل فارسا بالنهار" , إلا في حالة داهمنا العدو , فعندها نقول ما قال علماؤنا :"الضرورات تبيح المحظورات" مع قولهم كذلك :"الضرورة تقدر بقدرها" .
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه , هو ذلكم الجهاد الذي يتم فيه إعداد المجاهد إيمانيا ثم جسديا , ومن جهة العدة والعتاد كذلك , ومن جهة التخطيط المتقن للعملية التي سيشارك فيها , وإلا فقد كان عندي تلميذ لا يتجاوز عمره السادسة عشر عاما , وإذا بفصيل مقاتل يضمه إلى صفوفه , وينزله إلى أرض الميدان , ويعطيه بندقية , وهو لا يجيد استعمال هذه البندقية , وما أُعِدَّ يوما ما ليكون محاربا , فهل جهاد مثل هؤلاء , واستغفالهم للشباب , واستغلال ما يحملون من عاطفة جياشة , من الجهاد الذي يرضي الله ؟!!! ... فهل جهاد مثل هؤلاء , واستغفالهم للشباب , واستغلال ما يحملون من عاطفة جياشة , من الجهاد الذي يرضي أي مسلم غيور على دينه ووطنه وأمته ؟!!! , وأذكر أن فصيلا مسلحا , زود ثلاثة شباب من أتباعه بالبنادق , وأمرهم بالتوجه إلى معسكر الأعداء , الذي كان يوجد أمامه من جهة دخول المجاهدين 1000م فارغة أو محروقة بالتعبير العسكري , فتوجهوا إلى المعسكر , وما إن وصلوا إلى بداية الأرض الفارغة أمام معسكر الأعداء , حتى سقطوا جميعا بعد أن أطلق عليهم جنود الاحتلال النار , مع العلم بأن هذه القصص ليست استثنائية , بل تتكرر وتتكرر , وما يغيظك أكثر , أن الإعلام التابع لهذه الجماعات , يأتيك ويصور لك بأن تلكم العملية الفاشلة بكل المقاييس , نجحت نجاحا يفوق نجاح النبي في معركة بدر , من كثرة ما يضخمون لك في نتائج هذه العملية ... فحسبنا الله ونعم الوكيل .
لا للجهاد تحت الرايات العمية الجاهلية
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه : هو جهاد تحت راية الإسلام الحقيقي , جهاد يخدم المنهج الرباني الإلهي , الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- أما أن يكون هذا الجهاد تحت راية عمية , أو تحت راية جماعة ذات أهداف دنيوية , أو أهداف ردية غير مرضية , فالجهاد تحت مثل هذه الرايات ... لا أرضى به ولا أقره ولا أدعوا إليه , لأنني أقاتل لا من أجل القتال وحسب , بل لأسقي بدمي شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء , لأنني لا أبذل نفسي يأسًا من الحياة , بل إنني أفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى , ومن أجل أن تكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى , فهل القتال تحت رايات يدعوا قادتها إلى الديمقراطية , ويحترمون الشرعية ورئيس الشرعية الجاهلية الطاغوتية , أو يوالون الروافض ويمررون مشروعهم وينشرونه بين أهل السنة ... هو قتال يسقي فيه صاحبه شجرة التوحيد الذي جاء به محمد ؟!!! , أيها الإخوة : إن ترك القتال مطلقا , هو خير من الجهاد تحت هذه الرايات العمية الجاهلية , إلى أن ييسر الله الراية الصافية المخلصة الموحدة المتبعة لما كان عليه النبي وأصحابه .
نفس واحدة وشجرات متعددة فأين السبيل؟
دمك سيهراق , وأنت تعلم أن شجرة الإسلام لا تسقى بالماء , وإنما تسقى بالدماء , فهل ستسقى بدمك شجرة الإسلام أم شجرة أخرى ؟ فكر جيدا في هذا السؤال ... فإنك لا تملك إلا نفسا واحدة ... ولست تمتلك إلا حياة واحدة ... فلا تفرط فيها ولا تقدمها إلا في سبيل الله ... , أخرج ابن ماجه في سننه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قاتل تحت راية عميه يدعو إلى عصبية أو يغضب لعصبية فقتلته جاهلية" .
جهاد المظهر والمخبر
الجهاد الذي أدعوا إليه وأرضى به وأقره : هو جهاد المؤمنين , الذين إذا رأيتهم ذكرتَ الله ... أولئك الذين يحببون إليك الجهاد بأخلاقهم وسمتهم وعبادتهم وصيامهم وقياهم , لا كحال الكثيرين من المنتسبين إلى الجهاد والاستشهاد , من الذين ينفرون الناس من الجهاد والمجاهدين , ويسيئون إلى الجهاد بسوء أخلاقهم , وبتقصيرهم في حق ربهم , وتجاوزهم وتفريطهم منقطع النظير في منهج نبيهم , فجهاد هؤلاء يفسد أكثر مما يصلح , فنحن أمة دعوة في كل شيء , حتى في جهادنا وقتالنا , وإلا فمن علم الناس أخلاق الحروب ؟ فنحن أمةٌ صاحبة مشروع , حتى في جهادها , فجهادنا نريد منه القضاء على الشرك , وعلى الظلم , وعلى الظالمين , وعلى الطواغيت , وعلى المنافقين , ونريد منه نشر التوحيد , ونشر العدل والعدالة , والدعوة إلى الله , وحفظ الدين ومؤسساته , والرد على اعتداءات أعداء الرسل والرسالات , اللهم أعنا على ذلك , فالمعان من أعنته , اللهم آميين .
الجهاد بمفهومه الشامل
الجهاد الذي أدعوا إليه وأرضى به وأقره : هو ذلكم الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام , وهو أربعة عشر نوعا وهي كما قال ابن القيم رحمه الله :
فالجهادُ أربع مراتب :
جهادُ النفس و جهادُ الشيطان و جهادُ الكفار و جهادُ المنافقين .
فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضاً :
إحداها : أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى ، ودين الحق الذي لا فلاح لها ، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ، ومتى فاتها عِلمُه ، شقيت في الدَّارين .
الثانية : أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل : إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.
الثالثة : أن يُجاهدها على الدعوة إليه ، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات ، ولا ينفعُهُ علمُهُ ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله .
الرابعة:أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله ، وأذى الخلق ، ويتحمَّل ذلك كله لله .
وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان :
إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقي إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.
الثانية : جهادهُ على دفع ما يُلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ.
وأما جهادُ الكفار والمنافقين فأربع مراتب :
بالقلب ، واللِّسان ، والمالِ ، والنفسِ .. وجهادُ الكفار أخصُّ باليد ، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان."أ.ه
أما الاقتصار على نوع دون نوع , فهو من التقصير في هذه الفريضة العظيمة , هذا التقصير لا نقره ولا نرضى به ولا ندعوا إليه , بل نناصح أهله , وإذا لم يستجيبوا بيَّنا عوارهم , وحذرنا الناس من شرورهم.
التذبذب في مفهوم الجهاد
إن من المصائب التي ابتلينا بها من بعض المجاهدين , أنه جاهد اليهود , وجاهد من والاهم , وكانت معركته مع من والاهم معركة إسلام وردة , ثم أصبحت بعد ذلك معركة غير مقصودة , وخطأ لم يخطط له , ولكن الواقع الشيطاني فرضه , والله المستعان , ويا ليته اقتصر على هذا الفعل ... بل إنه وللأسف: داهن أو سكت أو أعان من تجب مجاهدته من أهل البدع والمنافقين والمارقين , ووالاهم بدل أن يجاهدهم , ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الموازنة الشرعية بين المصالح والمفاسد
الجهاد الذي أدعوا إليه وأرضى به وأقره : هو جهاد تربوا مصالحه على مفاسده , وأقصد بالمصلحة والمفسدة ما كان شرعيا منها , لا ما كان معتمدا على الهوى أو على الشهوات والنزوات , ومن يوازن بين المصالح والمفاسد هم العلماء , وفق ضوابط الكتاب السنة " بفهم سلف الأمة " , وهذا : لأن الجهاد يدخل في باب تغيير المنكر , والمنكر لا يغير بمنكر مثله , ولا بمنكر أكبر منه , قال الله تعالى :" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ "
نصيحة ختامية
وفي الختام إننا ندعو المجاهدين إن كان جهادهم لله ولله وحده أن يتحدوا على منهج محمد -صلى الله عليه وسلم - وأن يضبطوا جهادهم ويزنوه بالميزان الأكبر "كتاب الله وسنة رسوله بفهم السلف" , وإلا فإن هذا الجهاد المبعثر المفرق , لا يرضي ربا ولا يحرر أرضاً , قال الله تعالى :" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ"
هذا الجهاد الذي أقررته , لأن الله يقره , ورضيت به لأن الله يرضى به , ودعوت إليه لأن الله امر بالدعوة إليه .
إخواني الموحدين : هذه كلمات آمنت بها , واعتقدت أن الحق في قولها ونشرها, ولا أدعي العصمة , فهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وللمنهج الذي جاء به من عند ربه حال حياته ومن بعد موته , ما كان في هذا المقال من صواب فمن الله وحده , وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان , وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء , إلا ما رحم ربي , وأستغفر الله إنه كان غفارا , وأما الخطأ فأرجع عنه ولا أتعصب له , إذا دل الدليل الساطع عليه , وأسأله تعالى أن يلهمني رشدي والمسلمين , وأن يثبتني على الحق إلى أن ألقاه , إنه ولي ذلك والقادر عليه , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكم :أبو يونس العباسي
مدينة العزة غزة
أبو يونس العباسي
الحمد لله معز الإسلام بنصره , ومذل الشرك بقهره , ومصرف الأمور بأمره , ومستدرج الكافرين بمكره ، الذي قدر الأيام دولا بعدله , وجعل العاقبة للمتقين بفضله , والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه , وعلى من سار على دربه واقتفى أثره , واهتدى بهديه واستن بسنته , إلى يوم الدين .
سبب المقال
حضر عندي أحد الأخوة الأفاضل , درسا في الفقه , فلما انتهيت , تقدم إلي وقال لي :إنهم يقولون عنك , بأنك تحرم الجهاد ولا تجيزه في واقعنا الفلسطيني , فقلت له : وأي جهاد تقصد ؟وهل كل الجهاد جهاد ؟ وهل كل القتال قتال محمود ؟ فكان هذا دافعا لي أن اكتب هذا المقال , والذي عنونته بـ" هذا جهاد لا أقره ولا أرضى به ولا أدعوا إليه" .
الجهاد المشروع هو ما كان لله وفي الله وحسب
الجهاد الذي يكون في سبيل الله , وفي سبيل الله وحده , هو الجهاد ذو الدوافع والدوافع الإسلامية البحتة , ذو الأهداف والأهداف الإسلامية الخالصة , هذا جهاد أقره , وأرضى به , وأدعو إليه , وأسأل الله أن أكون من أهله , أما الجهاد في سبيل من سوى الله - تبارك وتعالى- فهو جهاد لا أقره ولا أرضى به ولا أدعوا إليه , بل أحاربه وأنابذه وأصد الناس عنه , قال الله تعالى :"الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا " , أم تريد مني يا أخي أن أقر وأرضى وأدعو إلى جهاد في سبيل الطاغوت ؟!!!
الجهاد وسيلة وليس غاية
لا بد أن تعلم أن الجهاد وسيلة وليس غاية , والغاية من الجهاد تختلف من إنسان إلى إنسان , أما غاية الموحد من الجهاد , فهي الغاية التي شرعها الله , ألا وهي :حفظ مقاصد الشريعة الخمسة , أو ما يطلق عليه العلماء بالضروريات الخمسة , وهي : الدين والنفس والعقل والعرض والنسل والمال , ولعل أحدكم يقول : فإذا تعارضت مقاصد الشريعة بعضها مع بعض فماذا نفعل ؟ فقلت : نوفق ما استطعنا إلى ذلك سبيلا , وإلا فإننا نقدم الأعلى رتبة على ما دونه من المقاصد , فمثلا : يقدم مقصد الدين على بقية المقاصد جميعا , لأنه أهمها, قال الله تعالى :"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)"(الذاريات) , وليس كما يفعل الكثيرون من المتحزبين - هداهم الله تعالى - , فتراهم يقدمون ما ليس بمقصد أصلا , على مقصد الدين والتوحيد , ويزعمون أنهم إنما يوافقون المصلحة ولا يخالفونها , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
الغاية التي شرع من أجلها الجهاد
ولا بد أن تعلم أن الجهاد ما شرع إلا لحفظ الدين , وحماية كل ما يتعلق ببقاء بالدين واستمراريته , من طاقات بشرية وأحجار وأشجار وخيرات وأطيان ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا , وعندما يتعارض الجهاد الحامي والمحافظ والداعم لمقصد الدين مع غيره من المقاصد إن كان نفسا أو عقلا أو نسلا وعرضا أو مالا , فلا بد من تقديم الجهاد على ذلك كله , لما يعود به الجهاد على الأمة من خيرات وخيرات , أخرج أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال :" جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُنَجِّي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ مِنْ الْهَمِّ وَالْغَمِّ" , قال أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – "وما ترك قوم الجهاد في سبيل إلا ذلوا" , وما أصاب المسلمين اليوم من الذل وتبعاته ولوازمه , إلا لأنهم تركوا الجهاد كخيار أممي لهم في وجه أعدائهم من طواغيت العرب والعجم .
هو جهاد ليس في سبيل الأرض
والجهاد الذي أقره , وأرضى به , وأدعو إليه , ليس جهادا في سبيل الأرض , وإنما هو جهاد في سبيل الله , فالجهاد عبادة من أجل العبادات , والعبادة لا تصرف إلا لله , فمن جعل جهاده من أجل الأرض , فقد عبد مع الله آلهة أخرى , إذ لابد من توحيد الله في القصد والطلب , ومن توحيده في القصد , أن نقصد بجهادنا وجهه الكريم لا وجه غيره من المخلوقات , سواء أكانت أرضًا أم غيرها , قال الله تعالى :" وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)" (البينة) , فنحن لا نجاهد من أجل الأرض لأنها أرض , بل من أجل أن الله هو الذي أمرنا أن نحرر الأرض , فالله تعالى هو المراد لذاته من جهادنا , والأرض مرادة لغيرها لا لذاتها , وإلا ساويناها بالله الواحد القهار وهيهات هيهات أن يكون هذا .
نجاهدهم لأنهم مشركون وبالله كافرون
إن ما يحملنا على جهاد اليهود بالإضافة لتعديهم على حقوقنا , كفرهم وشركهم بالله العلي العظيم , وإن من أعظم الغايات التي شرع من أجلها الجهاد هي: " القضاء على الشرك " , قال الله تعالى :"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ"(البقرة)
زعم باطل ورد فاصل
إن ما يقوله البعض : بأن عداءنا مع اليهود من أجل الأرض , ومن أجل الأرض فقط , وهو مساوٍِِ لعدائنا لأي إنسان يحتل أرضنا , حتى ولو كان مسلما , هو قول مناف لبدهيات العقيدة وأصولها ... هو قول مناقض للولاء والبراء ... حقا : إنني أعجب من هؤلاء , كيف يقولون هذا ؟!!! , أولم يقرؤوا قوله تعالى :" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " , أوما سمعوا بقول رب العالمين في سورة المجادلة إذ يقول :"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" , اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان , واعصمنا من الجهل والجاهلين , اللهم آميين.
من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعو إليه : هو جهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا , وكلمة الذين كفروا هي السفلى , لأن هذا هو الجهاد في سبيل الله , أما غيره فلا , فقد أخرج ابن ماجه عن أبي موسى قال : " سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " , أما الجهاد من أجل دوافع دنيوية , أو لمصالح شخصية , أو لغايات ومفاخر ومكاسب حزبية , وما يسمى بـ"الجهاد السياسي" الذي يقصد منه الوصول إلى الكرسي , فما إن يحصل المجاهد على الكرسي , فإنك ما تلبث إلا أن تراه قد كفر بالجهاد , ولاحق أهله , وصار يسميه عبثا , ويسمي أهله بالعملاء , الذين يعملون ضد المصلحة الوطنية العليا , وقد كان ترك الجهاد في السابق ولأي سبب خيانة عظمى , وتفريط رهيب ... فهذا جهاد لا أرضى به ولا أقره ولا أدعوا إليه ... ألا فتبًا للدنيا , وتبا لعبيدها , وويلا لهم عند الله , قال الله تعالى :" قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ"
تدمير الجهاد باللعبة السياسية
وأنا أنصح المجاهدين من هنا , أن يواصلوا جهادهم , ويكفروا باللعبة السياسية الكافرة القذرة , حتى يمن الله عليهم بالتمكين والنصر , ثم ليكونوا هم من يرسم الملامح والأسس والخطوط العريضة للسياسة , وفق ضوابط كتاب الله وسنة رسوله وبفهم السلف الصالح - رضي الله عنهم وأرضاهم - ,كما وأنصحهم أن يزهدوا في الدنيا ومتاعها الزائل , وليكونوا كالصحابة الذين كانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم , وأما قلوبهم فكانت عامرة بالإيمان , والإيمان وحده , والذي كان بدوره يدفعهم إلى أن يسلطوا ما في أيديهم لخدمة ما في قلوبهم .
هو جهاد الدفع والطلب
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه : هو جهاد الهجوم والدفاع أيضا , لاجهاد الدفاع فقط , فقد قال أحدهم عن مقاومة حركته , بأنها مقاومة قائمة على الرد والرد فحسب , وأما الهجوم فليس من منهجها , وذلك حتى ينفيَ الإرهاب عن حركته , أمام العالم الكافر , ألا فأنعم به من إرهاب ... إذا قصد به أعداء الرسل والرسالات , وما يضيرنا قولهم ونظرتهم لنا , إذا كان مولانا يرضى عنا .
جهاد العلم والبصيرة والدراية
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه, هو ذلكم الجهاد المبني على علم وبصيرة ودراية , وإلا إذا كان المجاهد جاهلا وخاصة في زمن التأسيس , لا يعرف شيئا عن دينه , لا يعرف لماذا يجاهد ... ومع من يجاهد ... , وماذا يرجوا من جهاده ... , لا يعرف ما لا يسع المسلم جهله من التوحيد والعقيدة والفقه وعلوم القرآن , وغيرها من العلوم الضرورية لكل مسلم , فسيكون جهاده بلا ثمرة تذكر , قال الله تعالى :" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ " , والجهاد أيها الإخوة إنما شرع لحماية هذا الدين , فكيف تدافع عن دين أنت لا تعلم أسسه وأركانه , وإلا فإنني إخوة الإسلام والإيمان , مر بي مجاهدون مريضون بداء الرياء والعجب ... مر بي بعضهم وكان لا يجيد قراءة الفاتحة ... مر بي بعضهم وكان لا يستطيع التفريق بين أركان الإسلام والإيمان ... فهل هذا جهاد يرضى عنه الله ؟ إذن : فلا بأس قبل أن ننزل المجاهد إلى الميدان , من إعداده إعدادا علميا إيمانيا ليكون كما الصحابة : "راهبا باليل فارسا بالنهار" , إلا في حالة داهمنا العدو , فعندها نقول ما قال علماؤنا :"الضرورات تبيح المحظورات" مع قولهم كذلك :"الضرورة تقدر بقدرها" .
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه , هو ذلكم الجهاد الذي يتم فيه إعداد المجاهد إيمانيا ثم جسديا , ومن جهة العدة والعتاد كذلك , ومن جهة التخطيط المتقن للعملية التي سيشارك فيها , وإلا فقد كان عندي تلميذ لا يتجاوز عمره السادسة عشر عاما , وإذا بفصيل مقاتل يضمه إلى صفوفه , وينزله إلى أرض الميدان , ويعطيه بندقية , وهو لا يجيد استعمال هذه البندقية , وما أُعِدَّ يوما ما ليكون محاربا , فهل جهاد مثل هؤلاء , واستغفالهم للشباب , واستغلال ما يحملون من عاطفة جياشة , من الجهاد الذي يرضي الله ؟!!! ... فهل جهاد مثل هؤلاء , واستغفالهم للشباب , واستغلال ما يحملون من عاطفة جياشة , من الجهاد الذي يرضي أي مسلم غيور على دينه ووطنه وأمته ؟!!! , وأذكر أن فصيلا مسلحا , زود ثلاثة شباب من أتباعه بالبنادق , وأمرهم بالتوجه إلى معسكر الأعداء , الذي كان يوجد أمامه من جهة دخول المجاهدين 1000م فارغة أو محروقة بالتعبير العسكري , فتوجهوا إلى المعسكر , وما إن وصلوا إلى بداية الأرض الفارغة أمام معسكر الأعداء , حتى سقطوا جميعا بعد أن أطلق عليهم جنود الاحتلال النار , مع العلم بأن هذه القصص ليست استثنائية , بل تتكرر وتتكرر , وما يغيظك أكثر , أن الإعلام التابع لهذه الجماعات , يأتيك ويصور لك بأن تلكم العملية الفاشلة بكل المقاييس , نجحت نجاحا يفوق نجاح النبي في معركة بدر , من كثرة ما يضخمون لك في نتائج هذه العملية ... فحسبنا الله ونعم الوكيل .
لا للجهاد تحت الرايات العمية الجاهلية
الجهاد الذي أقره وأرضى به وأدعوا إليه : هو جهاد تحت راية الإسلام الحقيقي , جهاد يخدم المنهج الرباني الإلهي , الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- أما أن يكون هذا الجهاد تحت راية عمية , أو تحت راية جماعة ذات أهداف دنيوية , أو أهداف ردية غير مرضية , فالجهاد تحت مثل هذه الرايات ... لا أرضى به ولا أقره ولا أدعوا إليه , لأنني أقاتل لا من أجل القتال وحسب , بل لأسقي بدمي شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء , لأنني لا أبذل نفسي يأسًا من الحياة , بل إنني أفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى , ومن أجل أن تكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى , فهل القتال تحت رايات يدعوا قادتها إلى الديمقراطية , ويحترمون الشرعية ورئيس الشرعية الجاهلية الطاغوتية , أو يوالون الروافض ويمررون مشروعهم وينشرونه بين أهل السنة ... هو قتال يسقي فيه صاحبه شجرة التوحيد الذي جاء به محمد ؟!!! , أيها الإخوة : إن ترك القتال مطلقا , هو خير من الجهاد تحت هذه الرايات العمية الجاهلية , إلى أن ييسر الله الراية الصافية المخلصة الموحدة المتبعة لما كان عليه النبي وأصحابه .
نفس واحدة وشجرات متعددة فأين السبيل؟
دمك سيهراق , وأنت تعلم أن شجرة الإسلام لا تسقى بالماء , وإنما تسقى بالدماء , فهل ستسقى بدمك شجرة الإسلام أم شجرة أخرى ؟ فكر جيدا في هذا السؤال ... فإنك لا تملك إلا نفسا واحدة ... ولست تمتلك إلا حياة واحدة ... فلا تفرط فيها ولا تقدمها إلا في سبيل الله ... , أخرج ابن ماجه في سننه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قاتل تحت راية عميه يدعو إلى عصبية أو يغضب لعصبية فقتلته جاهلية" .
جهاد المظهر والمخبر
الجهاد الذي أدعوا إليه وأرضى به وأقره : هو جهاد المؤمنين , الذين إذا رأيتهم ذكرتَ الله ... أولئك الذين يحببون إليك الجهاد بأخلاقهم وسمتهم وعبادتهم وصيامهم وقياهم , لا كحال الكثيرين من المنتسبين إلى الجهاد والاستشهاد , من الذين ينفرون الناس من الجهاد والمجاهدين , ويسيئون إلى الجهاد بسوء أخلاقهم , وبتقصيرهم في حق ربهم , وتجاوزهم وتفريطهم منقطع النظير في منهج نبيهم , فجهاد هؤلاء يفسد أكثر مما يصلح , فنحن أمة دعوة في كل شيء , حتى في جهادنا وقتالنا , وإلا فمن علم الناس أخلاق الحروب ؟ فنحن أمةٌ صاحبة مشروع , حتى في جهادها , فجهادنا نريد منه القضاء على الشرك , وعلى الظلم , وعلى الظالمين , وعلى الطواغيت , وعلى المنافقين , ونريد منه نشر التوحيد , ونشر العدل والعدالة , والدعوة إلى الله , وحفظ الدين ومؤسساته , والرد على اعتداءات أعداء الرسل والرسالات , اللهم أعنا على ذلك , فالمعان من أعنته , اللهم آميين .
الجهاد بمفهومه الشامل
الجهاد الذي أدعوا إليه وأرضى به وأقره : هو ذلكم الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام , وهو أربعة عشر نوعا وهي كما قال ابن القيم رحمه الله :
فالجهادُ أربع مراتب :
جهادُ النفس و جهادُ الشيطان و جهادُ الكفار و جهادُ المنافقين .
فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضاً :
إحداها : أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى ، ودين الحق الذي لا فلاح لها ، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ، ومتى فاتها عِلمُه ، شقيت في الدَّارين .
الثانية : أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل : إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.
الثالثة : أن يُجاهدها على الدعوة إليه ، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات ، ولا ينفعُهُ علمُهُ ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله .
الرابعة:أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله ، وأذى الخلق ، ويتحمَّل ذلك كله لله .
وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان :
إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقي إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.
الثانية : جهادهُ على دفع ما يُلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ.
وأما جهادُ الكفار والمنافقين فأربع مراتب :
بالقلب ، واللِّسان ، والمالِ ، والنفسِ .. وجهادُ الكفار أخصُّ باليد ، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان."أ.ه
أما الاقتصار على نوع دون نوع , فهو من التقصير في هذه الفريضة العظيمة , هذا التقصير لا نقره ولا نرضى به ولا ندعوا إليه , بل نناصح أهله , وإذا لم يستجيبوا بيَّنا عوارهم , وحذرنا الناس من شرورهم.
التذبذب في مفهوم الجهاد
إن من المصائب التي ابتلينا بها من بعض المجاهدين , أنه جاهد اليهود , وجاهد من والاهم , وكانت معركته مع من والاهم معركة إسلام وردة , ثم أصبحت بعد ذلك معركة غير مقصودة , وخطأ لم يخطط له , ولكن الواقع الشيطاني فرضه , والله المستعان , ويا ليته اقتصر على هذا الفعل ... بل إنه وللأسف: داهن أو سكت أو أعان من تجب مجاهدته من أهل البدع والمنافقين والمارقين , ووالاهم بدل أن يجاهدهم , ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الموازنة الشرعية بين المصالح والمفاسد
الجهاد الذي أدعوا إليه وأرضى به وأقره : هو جهاد تربوا مصالحه على مفاسده , وأقصد بالمصلحة والمفسدة ما كان شرعيا منها , لا ما كان معتمدا على الهوى أو على الشهوات والنزوات , ومن يوازن بين المصالح والمفاسد هم العلماء , وفق ضوابط الكتاب السنة " بفهم سلف الأمة " , وهذا : لأن الجهاد يدخل في باب تغيير المنكر , والمنكر لا يغير بمنكر مثله , ولا بمنكر أكبر منه , قال الله تعالى :" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ "
نصيحة ختامية
وفي الختام إننا ندعو المجاهدين إن كان جهادهم لله ولله وحده أن يتحدوا على منهج محمد -صلى الله عليه وسلم - وأن يضبطوا جهادهم ويزنوه بالميزان الأكبر "كتاب الله وسنة رسوله بفهم السلف" , وإلا فإن هذا الجهاد المبعثر المفرق , لا يرضي ربا ولا يحرر أرضاً , قال الله تعالى :" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ"
هذا الجهاد الذي أقررته , لأن الله يقره , ورضيت به لأن الله يرضى به , ودعوت إليه لأن الله امر بالدعوة إليه .
إخواني الموحدين : هذه كلمات آمنت بها , واعتقدت أن الحق في قولها ونشرها, ولا أدعي العصمة , فهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وللمنهج الذي جاء به من عند ربه حال حياته ومن بعد موته , ما كان في هذا المقال من صواب فمن الله وحده , وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان , وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء , إلا ما رحم ربي , وأستغفر الله إنه كان غفارا , وأما الخطأ فأرجع عنه ولا أتعصب له , إذا دل الدليل الساطع عليه , وأسأله تعالى أن يلهمني رشدي والمسلمين , وأن يثبتني على الحق إلى أن ألقاه , إنه ولي ذلك والقادر عليه , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكم :أبو يونس العباسي
مدينة العزة غزة