abu osama
20-11-2008, 02:37 AM
الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث
قال تعالى عن فرعون وجنوده:) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يُذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين . ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين . ونُمكن لهم في الأرض ونُريَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ( القصص :3 -6.
وقال تعالى:) إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ( القصص : 8. فشمل I الجنود مع فرعون، ووزيره هامان وعدهم جميعاً خاطئين مجرمين . وفال تعالى ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم ( الذاريات :40.
جمع وترتيب
تم تحميل هذه المادة من موقع
منبر التوحيد والجهاد www.tawhed.ws
حقوق النشر غير محفوظة
أبو جندل الأزدي
بسم الله الرحمن الرحيم
على الله توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل
ـ المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( آل عمران:102.
)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً( النساء:1.
) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ( الأحزاب:70-71.
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلّ مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
في صبيحة هذا اليوم الرمضاني تأملت حال الشباب المجاهد مع طواغيت الحكم في الجزيرة العربية ومع جندهم وأعوانهم من المباحث العامة ومكافحة الشغب والشرطة ووو..فوجدت أن المسألة واضحة بينة لمن بصره الله وهداه إلى منهج التوحيد الحق ولكنها مشكلة عويصة عند كثيرين يقول صاحب كتاب أعمال تخرج صاحبها من الملة (6ـ7): ولعل مما زاد الطين بلة، والخرق اتساعاً، والانحراف انحرافاً .. هذه الهجمة الإرجائية الضخمة الواسعة الانتشار، والمدعومة بإمكانيات وقدرات الأنظمة الطاغية الجاثمة على صدر الأمة .. التي يُروج لها ولدعاتها في كل مكان من العالم .. وتُقدم لهم كل التسهيلات المادية والمعنوية .. لأن الطواغيت الظالمين هم المستفيدون بالدرجة الأولى من هذه الدعوة الخبيثة الباطلة؛ يكفيهم منها أنها تصبغ عليهم وعلى أنظمتهم المهترئة العميلة الشرعية ـ مهما ظهر منهم من أعمال منافية لأصل الإيمان ـ التي يجب أن تُطاع من قبل الشعوب الضالة، وأن لا يُعصى أمرها في شيء!!
هذه الهجمة الإرجائية الضخمة التي صورت للناس أن الإيمان يكفي فيه التصديق، أو ما وقر في القلب وإن لم يصدقه العمل .. وأحسنهم حالاً الذي اشترط له الإقرار باللسان .. ومن أضاف منهم العمل فهو للكمال؛ فوجوده وعدمه لا يؤثر على الإيمان وجوداً أو انتفاء .. وبالتالي فالناس عندهم كلهم مؤمنون ومن أهل الجنة وإن لم يأتوا بشيءٍ من الأعمال أو الطاعات .. ومهما أتوا من الأعمال المكفرة المتفق على خروج صاحبها من الملة !!
لا تزال إلى الساعة كثير من الجماعات والجامعات التي تدرس الإيمان على أنه التصديق الجازم فقط .. فمن أتى بالتصديق الجازم فهو مؤمن، ومن أهل الجنة وإن لم يأت بشيء من الأعمال والطاعات .. ومهما كان ظاهره يدل على التمرد على أحكام وقيود الشريعة !!
فراج هذا المذهب الضال الخبيث على كثير من الناس .. فاستهوته أنفسهم الأمارة بالسوء .. ولامس بشاشة رغباتهم ونزواتهم وضعفهم، وحبهم للكسل وترك العمل .. وأوجد لهم المبررات والمسوغات الشرعية ـ بزعمهم ـ لما هم فيه من تقصير وتفلت من أحكام وقيود الشريعة ..!!
والشر لم يقتصر على جانب ترك العمل وحسب .. بل تعداه إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق والواجبات؛ فكم من فتاة مسلمة موحدة تُزوّج من رجل كافر مرتد، وتنجب منه الأطفال .. تحت ستار وغطاء أن العمل لا يدخل في الإيمان، ولا يُعتبر شرطاً لصحته .. وبالتالي لا حرج لو تزوجت من ذلك الخبيث المرتد، أو بقيت تحت ذمته وولايته ..!! ا.هـ
وقد استغربت كثيرا عند حدوث قصة الأخ عزيز العمري في مدينة جدة عندما واجه أولئك الأذناب فقتل منهم من قتل وجرح منهم من جرح ثم لاذ بالفرار وهو طليق الآن كما بلغني بالسند العالي أقول استغربت من كلام فئام من الناس يلقون جام غضبهم على هذا الأخ المظلوم المعتدى عليه وما القوا كلمة واحدة في ذم هؤلاء الأنجاس أعوان طواغيت آل سعود وهاهي القضية في ازدياد والمواجهة لاحت في الأفق للجميع والأمر يتطور يوما بعد يوم ووعي الشباب يزداد بالخطر الحالي من هؤلاء الأذناب الأنجاس إذ يريدون لمخططات نايف ومن خلفه أسياده الأمريكان أن تمر دون أي إزعاجات بل والشباب المجاهد والمشايخ الصادقين على قلتهم في الزنازين الانفرادية والجماعية وما علموا أن الشباب قد تسلحوا وتواصوا على ذلك وانتشرت هذه الظاهرة بينهم وهي في ازدياد وهاهي قضية الشباب في الرياض تبين حقيقة ما أقول وقد ذكرت الحركة الإسلامية للإصلاح في نشرتها رقم 341 الآتي :
ليست مجرد مواجهة
نقلت وسائل الإعلام عن الحركة مساء أمس خبر المعركة التي وقعت بين قوات الأمن السعودية وعدد من الشباب الجهادي الذين يصل عددهم إلى خمسين شخصا وذلك في حي الشفا جنوب الرياض أسفرت عن إصابة ثمانية من رجال الأمن واعتقال أحد الجهاديين وتمكن البقية من الاختفاء. والحادثة وحيثياتها وطريقة تناول الدولة لها ثم رد فعل الأمير نايف على إعلان الحركة لتفاصليها يستدعي مناقشتها بشكل مستفيض.
وصف الحادثة
حصلت الحادثة صباح السبت 16 نوفمبر حيث تبلغت قوات الأمن عن التجمع فحاصرت الموقع ودخلت مجموعة من قوات الأمن لاعتقال المجتمعين وإذا بعدد كبير منهم يحمل السلاح حيث بادروا بالإمساك بأحد رجال الأمن ووضع السلاح في رأسه واستخدامه رهينة من اجل مطالبة المباحث بالانصراف وتأمين عملية الهروب. وفعلا تراجعت قوات الأمن ورتب المجتمعون عملية الهروب ثم أطلقوا سراح الضابط الرهينة. وبعد إطلاق الرهينة عاد رجال الأمن وحاولوا ملاحقة الهاربين وحصلت معركة نارية كثيفة أصيب فيها ثمانية من رجال الأمن إصابات بعضهم بليغة واعتقل واحد فقط من المجتمعين إثر إصابته وعدم تمكنه من الهروب أما الباقون فتمكنوا من الفرار. وشنت قوات الأمن إثر ذلك حملة متابعة وتفتيش في المنطقة لمتابعة الفارين ولم يعرف إن ظفرت بأحد منهم. وعلمت الحركة أن اثنين من المصابين من المباحث ربما يكونوا قد توفوا ومصاب ثالث في حالة خطرة.
مقدمات الحادث وحيثياته
لم تكن هذه الحادثة معزولة أو استثنائية، بل إن القريبين من الجهاز الأمني يؤكدون أن الأشخاص المحسوبين على التيار الجهادي سرت بينهم ظاهرة مقاومة الاعتقال باستخدام السلاح، وسجلت حوادث من هذا القبيل في جدة ومكة ومدن أخرى في المملكة جرى فيها إطلاق نار على رجال المباحث وتمكن المطلوبون من الإفلات من الاعتقال. كما سجلت حالات انتقام من رجال المباحث الذين يزاولون مطاردة واعتقال وتعذيب الشخصيات الجهادية وانتشرت ظاهرة رفع السلاح في وجه رجال الأمن في الطرق الطويلة عند طلب الهويات أوالتفتيش. هذا فضلاً عن ظاهرة الحرص على اقتناء السلاح وتجارة السلاح في كل شرائح المجتمع وليس الجهاديين أو المتدينين. وتأتي هذه التطورات في نظرنا كنتيجة طبيعية لعدة عوامل منها:
الأول : تلاشي الشرعية الدينية للدولة التي كانت توفر الطاعة للنظام وتمنع الناس من رفع السلاح في وجه من يمثل الدولة وتؤمّن انصياع الجمهور لأي سلطة متفرعة عن الدولة. وربما كان من أقوى أسباب انحسار هذه الشرعية انكشاف المؤسسة الدينية انكشافا مزريا واقتناع الجمهور أن العلماء الرسميين مجرد موظفين في جهاز الخدمة المدنية ومواقفهم تجاه القضايا السياسية تلقن لهم تلقينا من قبل النظام نفسه.
الثاني : سقوط هيبة النظام بشكل عام -بغض النظر عن الشرعية الدينية- ودليل ذلك تنامي الجريمة بشكل صارخ واستخفاف المجرمين بقوات الأمن إلى درجة أن أصبح بعض المراهقين يتفاخر بضرب الشرطة في الأماكن العامة حيث سجلت عدة حالات من هذا القبيل. وتفيد معلومات الحركة من داخل الجهاز الأمني أن رجل الأمن لم يعد له قيمة أمام الجمهور حتى أصبحت مناكفة رجل الأمن أو تحديه أو رفع السلاح في وجهه أمرا طبيعيا حينما يطلب وثيقة تعريف.
الثالث : تبين بعد 11 سبتمبر أن حماس النظام السعودي لمطاردة عناصر الجهاد إنما يحصل تنفيذاً لأوامر أمريكية وليس توفيرا للأمن الداخلي وأنه بذلك ساد شعور لدى شباب الجهاد أن الإستئسار لقوات الأمن هو استئسار للإرادة الأمريكية. ومع موجة البغض العارمة لأمريكا والعداوة الصارخة لها لدى الناس عموما والرغبة في قتالها لدى شباب الجهاد فقد أصبح الموقف النفسي تلقائيا هو في رفض الإستئسار.
الرابع : صدور فتاوى من بعض المشايخ يتداولها شباب الجهاد سراً بعدم الإستئسار لقوات الأمن كان أهمها فتوى منسوبة للشيخ حمود العقلا الشعيبي() رحمه الله قبل أن يتوفى. ويدور حديث في الأوساط القريبة من شباب الجهاد أن توجيهات صدرت من القاعدة للمنتمين لها والمحسوبين عليها بعدم الاستئسار، ولكن في نفس الوقت تجنب مبادأة قوات الأمن بأي مواجهة منعا لاستعداء هذه القوات الذين يقال أن بينهم الكثير من المتعاطفين مع بن لادن.
الخامس : شعور الناس عموما وشباب الجهاد خصوصا -لما لديهم من معلومات عن خطط القاعدة- أن وضع البلد والمنطقة كلها سيرتبك، وأن النظام مشرف على التفكك والانهيار. ويتبع هذا الشعور قناعة بأنه ليس من حق نظام مهتريء أن يرمي هذا الشباب المتطلع لأدوار كبيرة في المستقبل أن يكون في غياهب السجون.
سياسة الوزارة إلى الوراء
الدولة من انحسار في هيبتها وتلاشي في شرعيتها ألا أن وزير الداخلية لا يزال يتصرف بتجاهل كامل لكل هذه التطورات. السياسة المتبعة حاليا من قبل الوزارة هي نفس السياسة المتبعة قبل عشر سنوات رغم ما ذكر أعلاه من تطورات حول جرأة شباب الجهاد على مواجهة الدولة ورغم ما تعانيه سواء في أهدافها أو أساليبها أو متابعاتها. ولا تزال الوزارة تفرغ معظم كادرها ومقدراتها للأمن السياسي ولا تزال تعتبر الشباب المتدين بشقيه الإصلاحي والجهادي المستهدف الأول من هذه الخطة الأمنية. وقد ولد هذا الإصرار من قبل الأمير نايف تململا في أوساط عدد كبير من رجال الأمن، إما لأسباب مبدئية كون رجال الأمن أصبحوا يشعرون أنهم عمليا في مواجهة الشعب نفسه وفي خدمة الأمريكان، أو لأسباب مصلحية حيث يخاف رجال الأمن على حياتهم كونهم يواجهون شبابا مستقتلا لا يعني عندهم الموت شيئا. وبرزت كذلك ظاهرة خطيرة عند رجال الأمن وهي زوال الحماس لخدمة النظام لأنهم من أكثر الناس قناعة بهشاشة النظام كونهم على إطلاع على مستوى الجريمة وقوة التحدي الأمني الذي يواجه الدولة وتكاثر الجبهات التي أصبحت الدولة تواجهها.
الأمير نايف يتحدث بنفسه هاتفيا!!
متى كان الأمير نايف ليقفز إلى الهاتف في منتصف الليل من أجل أن يجيب على أسئلة صحفيين لو لم يكن نشر الخبر قد أصاب من وزارة الداخلية مقتلا؟ لم تكن وزارة الداخلية تنوي نشر أي شيء مطلقا بل إن الضباط لديهم تعليمات صارمة بتكتم شديد وتهديد بعقوبات لم يسبق لها مثيل لمن يسرب المعلومات، ومع ذلك فقد كانت أجهزة الأمن أحد مصادر الحركة والحمد لله. الأمر المثير أن الأمير نايف يقول إنه لا توجد حوادث أخرى ولا إعتقالات ولو وجدت لأعلنتها الوزارة ونسي الأمير نايف أنه لم يتحدث إلا ردا على الحركة. بل إن سجل وزارة الداخلية في الاعتراف بالمواجهات أو الإعتقالات أو الحوادث معروف بأن الوزارة يستحيل أن تصدر تصريحا إلا بعد صدوره من طرف آخر. وينطبق ذلك على حوادث التفجيرات التي تتسرب إلى الإعلام عادة من السفارات كما ينطبق على حالات الاعتقال والحوادث والمحاولات المحبطة. بل إن حدثا كبيرا مثل أزمة بريدة سنة 1414 لم يكن لدى الوزارة نية لإعلانه لولا أنه نشر من طرف مكاتب اللجنة آنذاك. لكن مساء الحادث اضطر الأمير نايف لأن يتحدث هاتفيا وفي منتصف الليل مع قناةmbc في تكذيب خبر الحركة من أجل أن يعالج الموقف بعد نشر وكالة الأنباء الفرنسية للخبر.ا.هـ
ولذا أقدم هذا البحث المتواضع في هذا الوقت لأهميته للشباب حتى يقدموا دون وجل أو تردد في مواجهة هذا العدو الصائل المجمع على دفعه بين علماء السلف ولقلة الكاتبين في هذا الموضوع إما لأسباب أمنية أو سياسية أو للقمع الفكري الذي يمارسه شيوخ آل سعود () أو للتربية السقيمة التي تربى عليها الكثير منا حتى أصبح الشخص يكفر كل الأنظمة إلا آل سعود وكل الجيوش إلا جيوش آل سعود فتسأله ما حكم مباحث باكستان الذين يطاردون الشباب المجاهد هناك ؟ فيجيبك بكل سهولة أنهم كفار !! ثم تسأله عن حكم برويز مشرف ؟ فيجيبك أيضا بكل سهولة بأنه كافر !! فلما تسأله عن آل سعود ومباحث آل سعود الذين يقومون بنفس المهمة التي يقوم بها أولئك فلا وألف لا وما ذلك إلا لبعد الشباب عن التوحيد الصافي من الكتاب والسنة وإتباعهم للإسلام المسعود أو ما أسميه أنا بـ(سعودة الإسلام)() المنتشر باسم السلفية المزعومة يقول صاحب (مقالات بين منهجين )فك الله أسره : أسرّ لي بعض الأذكياء حديثاً نجيّاً سائلاً، وابتسامة تملأ شفتيه قائلاً: من هو السّلفيّ المزعوم الّذي تحدّثت عنه في مقاليك؟ وهل هناك سلفيّ مزعوم وآخر غير مزعوم؟ وما هي السّلفية الحقّة؟.
وهو سؤال يدلّ على مكر صاحبه في استخراج المراد من المقابل، ويكشف لك أن الابتسامة الّتي نشرها على صفحة وجهه وراءها الكثير من النّباهة والذكاء، وهذه الأسئلة تدفعك لترك العمومات الّتي ما عادت تشفي غليلاً، ولا تطبُّ عليلاً، ولا تفيد منهوماً ، ولمّا كان الأخ السّائل، قد أوهمني أن هذه الأسئلة لا بدّ أن تدور بين النّاس، بل هي قد دارت، فكان لزاماً علي أن أجيب، والإجابة بالتّصريح لا بالتّلميح، وأنا أحمد الله تعالى الّذي يسّر لي نشرة “الأنصار” الّتي لا تردّ لي مقالاً وخاصّةً تلك المقالات الّتي (تخزق الطّاقية). وهو مثل عامّي يعني أنّ قائل الحقّ لا يبقى له صاحب. وقبل أن أكشف ستر السّلفي المزعوم فإنّه من الواجب عليّ أن أمر على تعريف السّلفية، وماذا تعني كما هي في نفسها، دون رتوش تزور حقيقتها، أو زيادات تطمس صورتها، لأنّ السّلفية شعار، وهي ككلّ الشّعارات التي تحتاج بين الفينة والأخرى إلى التّوضيح والتّجلية، لما يدخل فيها من عوامل الحياة من الدخن التي تشوّه حقيقتها، وإذا كان الإسلام في وقت عزّته قد دخل فيه من أهل النّفاق والزندقة والبدع ما شوه وجه حقيقته، والإسلام اسم رضيه الله لعباده المؤمنين على مرّ الأزمان، فكيف باسم “السّلفية” فهو شعار ولا شكّ قد تلبّس به وتدثّر بدثاره قوم رأوا فيه تحقيق مكاسبهم الدّنيوية، وتحقيق أمراض أهوائهم وقلوبهم، وصاروا بهذا الشعار لهم الحقّ في ممارسة كلّ قبيح، والتّلبّس بكلّ رذيلة، والولوج في كلّ معصية، ثمّ الرّافع لهذا الشّعار يحصل له بركة أخرى وهي عظيمة، دونها تقطع الأعناق، ألا وهي هذه الجنود المجنّدة من الغوغاء، أتباع شعار السّلفية الّذين يدافعون عنه بحقّ أو بباطل تحت حجّة (هذا عقيدته صحيحة!!)، هذه الجنود، أصحاب النّوايا الطّيبة، والعقول الفارغة، عملهم دوما رفع متاريس الدفاع عن أيّ سلفي، مزعوم وغير مزعوم، يصدّون عن كلّ من حام حوله بنقدٍ أو تقويم، ويطعنون بكلِّ من لا يرضى إمامته بشتَّى التّهم وأشهر هذه التّهم: هذا رجل لا يحترم العلماء!!، هذا رجل من أهل الغلوّ!! هذا رجلٌ غير سلفيٍّ!!، وغيرها الكثير من القائمة السوداء التي اقتبسوها من إيحاء لمّة الشّيطان (عياذاً بالله)، وهذه التّهم لم ينج منها في زماننا هذا إلاّ القليل، ممّن رضي أن يربط عقله برباط التّقليد، والتّسليم لأصحاب صكوك الغفران، وقد يعجب بعض الشّباب من هذه الأقوال، ويروا فيها تهماً شنيعة، ولكن يكفي أن أذكّر القارئ المسلم بأمر يدلّه على ما وراءه، ممّا نذكره وممّا غاب عنّا، هذا الأمر هو:
في بلاد أتقنت استخدام شعار السّلفية (العقيدة الصّحيحة)، وستر كفرها بهذا الشعار، هذه الدولة الكافرة هي “السعودية”، ولا يجهل كفر هذه الدّولة وينكره إلاّ من طمس الله بصيرته وعقله، هذه الدّولة لمجرّد رفعها هذا الشِّعار، تجنِّد للدّفاع عنها، وتبرير أفعالها قطعاناً من البشر الجاهل، أكشف لك بعض أوصافهم أو أسمائهم:
1- في إحدى العواصم الأوروبيّة (بريطانيا) جمعيّة تسمّى "جمعيّة منهاج إحياء الكتاب والسّنة"، هذه جمعية سلفية!! فيما تزعم وتدّعي، وعامّة أفرادها من العجم، والكثير من قادتها تخرّجوا من الجامعات السّعودية، هذه الجماعة، لا يمكن أن تقبل حبيباً أو صديقا، يوجّه كلمة نقدٍ لدولة (التوحيد الوحيدة في العام)، وكلّ الذّنوب تغفر ولا يؤبه لها مقابل حبّ السعوديّة ومليكها (المحبوب)، نعم إنّها سلفيّة، لكنّها (سلفية+ رواتب)، ومثل هذه الجمعية الكثير من أخواتها المنتشرة في العالم الإسلامي، وخاصّة بلاد العجم كـ "جمعيّة أهل الحديث في باكستان" وفروعها المتعددة. وهي بحق جمعية أهل الحديث، ولكنّه الحديث الموضوع لا الحديث الصحيح.
2- في السّعودية قوم مهاجرون لطلب العلم من ليبيا، وهم من تلاميذ السّلفي المزعوم الدّكتور ربيع المدخلي الّذي تقدّم ذكره في مقال سابق، هؤلاء القوم أوفياء لتلك الدّولة أكثر من آل سعود أنفسهم، حتّى وصل هذا الوفاء القبيح أن يذهب هؤلاء التّلاميذ (السلفيّون) إلى دائرة الشّرطة هناك ليكشفوا للدّولة بعض الشّباب الّذين دخلوا إلى دولة (التوحيد) بطريق غير قانونيّ، أو مكثوا فيها من غير إقامة صدرت من دوائر (الإمام) المزعوم، فأخذ هؤلاء الشّباب وطردوا من (جنّة) السّلفيّين ودولتهم المزعومة، نعم إنها (سلفية) في خدمة السلفية، أو بتسمية صحيحة: سلفيّة + عمالة.
ثم ذكر قصة كتاب الكواشف الجلية السابقة الذكر ثم قال : هذه الصور وأمثالها الكثير في الجعبة تستدعي منّا أن نكشف لثام السَّلفية الحقّة كما هي عند أصحابها الأوفياء لها، الحامين لذمَّتها.
والآن ما هي السَّلفية؟:
السّلفية على مدار التّاريخ الإسلامي تتمثّل بأمرين:
أولاهما: منهج علمي في التّعامل مع الأصلين (الكتاب والسنة) حيث تقوم على اعتمادهما فقط ونبذ ما سواهما في الصُّدور عنهما بالحكم المراد للحركة والحياة.
ثانيهما: حركة حياة وسلوك طريق في تطبيق هذا المنهج.
فالسّلفيَّة هي ذلك المنهج الّذي اختطّه الأوائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً، هكذا هي السَّلفية وهكذا ينبغي أن تكون، ومن رحمة الله تعالى بهذا المنهج العلميّ العمليّ أن أقام له رجالاً تعاملوا معه بأسمى حالات الكمال حتّى صاروا هم المنهج، والمنهج هم، فحينئذٍ ارتبط اسم المنهج بشخوصهم وتقيّد بهم فأطلق اسم المنهج عليهم بكونهم السلف الّذين سبقوا الكلّ في تطبيق المنهج قدْراً وزماناً.
فالتَّابعون تعاملوا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم: (منهج + سلف)، ومن بَعدَهم تعامل مع التَّابعين على أنهم لهم: (منهج + سلف)، وهكذا، ولمّا كثرت البدع في نهاية القرن الثّاني وبداية القرن الثّالث، وخاصّةً بدع أهل الكلام، في تقديم منهج بدعيّ جديد في التَّعامل مع الأصلين، واختلطت الأمور، نشط أهل السنَّة في تمييز المنهج عن غيره، وكذلك في كشف رجال المنهج السَّلفي عن غيرهم من أصحاب المناهج الخلَفيّة الأخرى، وصار بعض أهل العلم هم أصحاب المنهج، ولهم ينسب، وصاروا هم المقياس في ردِّ الآخرين لهم، وقد ذكر الإمام الكرخي - رحمه الله تعالى - هؤلاء الرِّجال في كتاب سمّاه: “الفصول في الفصول عن الأئمَّة الإثنى عشر الفحول”، وهؤلاء الأئمة هم: مالك والشّافعي وسفيان الثَّوري وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعد واسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومحمّد بن إسماعيل البخاريّ وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان().
هؤلاء العلماء ليسوا هم فقط، ولكن غيرهم يرجع إليهم في توضيح هذا المنهج القويم. وبعد هذا نخلص إلى النّتائج التّاليــة:
1 - تحت كلِّ شعار زيوف ونقد- وكذلك السَّلفية - ففيها الزَّيف وفيها الحق، ولذلك ينبغي التَّعامل مع الحقائق لا مع الشِّعارات، مع أهميّة الشِّعار وضرورته.
2 - السّلفية منهج علميّ عمليّ، أئمّته هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم تبع لهم، فلهم وحدهم حقُّ التّقويم والرشد.
3 - علينا أن ندرك خطأ وانحراف من قرن السّلفية بشخص لا يؤمن عليه الفتنة في فهمه للحركة والحياة، وكذلك علينا أن ندرك ضلال وبدعية من جعلها تنظيما وحزباً وتجمعاً، وأشدّ من هؤلاء ضلالاً وانحرافاً هو جعل السَّلفية علاقة بين أفراد، فهذا سلفيّ لأنّه معروف لهذه الجهة، أو تتلمذ على يديها، وهذا غير سلفيّ لأنّه غير معروف لديها، أو لم يسلّم لهذه الجهة رقبته لتقوده كالدَّابّة، ثمّ علينا أن ندرك خطأ وانحراف من جعل السّلفية مذهبا فقهياً، يوالي ويعادي عليه.
كتبه للمجاهدين
أبو جندل الأزدي
12/9/1423هـ
حقيقة جيوش الدول والمباحث من باب أولى
قبل أن نتكلم عن الحكم على هذا القطاع بالذات نود التوصيف لحالهم ولماذا وضعوا وفي خدمة من يقدمون كل هذه التضحيات …..الخ وقد قرأت كلاما في توصيف الجيوش للدول المسَماة زورا وبهتانا بالإسلامية فأعجبني وكفاني موؤنة البحث والتنقيب وصوغ العبارة المناسبة للتوصيف ويحسن بي أن أنقله لكم هنا والمباحث في هذا الكلام من باب أولى .
يقول صاحب كتاب (مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة) (2ـ8) :قبل أن نبين حكم الشرع في هذه الجيوش، وحكم القائمين عليها من الطواغيت، وفيمن يلتحق بها من الجند والعسكر لا بد أولاً من توصيفها وبيان حالها ومهامها وغاياتها التي صُنعت وأسست لأجلها ..
فأقول: لم يخرج المستعمر الصليبي من بلاد المسلمين إلا بعد أن أوجد الحكام والأنظمة التي يرضى عنها وتحقق له مصالحه وأهدافه في المنطقة، وأي حاكم يأتي فيما بعد لا بد من مراعاته لمدى رضى أمريكا ودول الغرب عليه، فإن حظي على الموافقة منهم وعلى رضاهم عنه فقد اجتاز
المرحلة الأصعب نحو الوصول إلى سدة الحكم واعتلاء العرش، وناله من القوم كل دعم مادي وسياسي وإعلامي()..!!
ورضى أمريكا ودول الغرب الصليبي على أي حاكم مشروط بعدة شروط:
أولها: أن يتعهد لهم أن يقف بحزم وقوة ضد أي توجه أو عمل إسلامي راشد يستهدف استئناف حياة إسلامية على المستوى القطر أو الأمة .. وأن يُحيل بين الشعوب المقهورة وبين هدفهم هذا، وبأي طريقة من الطرق .. !!
ثانياً: أن يضمن مصالحهم الاستعمارية في المنطقة، ويعمل على حمايتها وحراستها .. وإن كان ذلك تحت عناوين براقة مستساغة للشعوب المقهورة، كشركات الاستثمار .. والحاجة إلى الخبرات والطاقات الأجنبية .. أو المصالح المشتركة .. أو ضرورة التنقيب عن البترول .. وغير ذلك من الإطلاقات التي تمرر مثل هذه المصالح الأجنبية في المنطقة !!
ثالثاً: أن يعترف بدولة إسرائيل، وبضرورة السلام مع المغتصبين المحتلين الصهاينة .. السلام الذي يُعطي أصحاب الحقوق الفُتات والعظام المجردة عن لحومها وعظامها مما اغتصب ونهب منهم .. لذلك نجد جميع حكام العرب وغيرهم يصرحون على الملأ بأن السلام مع الصهاينة المحتلين خيار استراتيجي لا محيد لهم عنه، مهما حادت عنه دولة إسرائيل واختارت الحرب والقتل والقتال، وارتكبت من المجازر بحق الشعب الفلسطيني المسلم ..!!
فهو خيار استراتيجي لهم لأنه لا بقاء لعروشهم ومصالحهم الذاتية الشخصية إلا بالموافقة على هذا الخيار .. وهؤلاء الحكام لو كانوا من دعاة السلام بحق لسالموا شعوبهم أولاً، ولأخرجوا شباب الأمة الأحرار من سجونهم الظالمة التي تكتظ بالآلاف من الشباب المسلم ..!!
رابعاً: أن ينهج الطريق الديمقراطي ـ دين الغرب ـ لما تحقق لهم الديمقراطية في المنطقة من مآرب ومصالح عديدة .. لكن إذا جاءت هذه الديمقراطية معارضة للنقاط الثلاثة الآنفة الذكر أو لشيءٍ منها، فهم يسمحون له أن يتحول إلى ديكتاتوري، وإلى وحش كاسر ضد شعبه وأمته، ولا حرج عليه في ذلك البتة().. !!
هذه أهم الشروط التي يجب على الحاكم أن يوافق عليها لكي ترضى عنه أمريكا ودول الغرب، ولكي يحظى على موافقتهم وتأييدهم ..!
ولما كان الأمر كذلك فإن طواغيت الحكم منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى يومنا هذا يعملون بكل همة ونشاط على تشكيل المؤسسات الحكومية التي تعينهم على تنفيذ تلك السياسات والمصالح المشار إليها آنفاً، ومن أهم هذه المؤسسات التي عنيت باهتمامهم المؤسسة العسكرية؛ حيث عملوا جاهدين ـ ومنذ زمن ـ على تطهيرها من العناصر النظيفة المؤمنة، وعلى تشكيل الجيوش التي تعينهم على السير في تلك السياسة المرسومة لهم من قبل أعداء الأمة من دون مواجهة أي عقبة أو مشاكل ..!
الجيوش() التي تسهر على أمن وسلامة الطاغوت الحاكم، وأمن وسلامة سياساته الجائرة الداخلية والخارجية ..!!
الجيوش التي لا تعرف غاية ولاهماً.. سوى خدمة الطاغوت، وخدمة مآربه وأهوائه وقوانينه ..!!
لذا نجد أن العناصر الفاعلة لهذه الجيوش منتقاة انتقاء غريباً جداً وفق معايير ومواصفات عديدة منها: أن تكون هذه العناصر غير متدينة .. ليس عليها سمات التدين والالتزام، ولم يُعرف عنها التدين من قبل !!
ومنها: أن تكون غير أخلاقية ومن ذوي الاهتمامات الوضيعة التافهة؛ لا هم لهم إلا كيف يُشبعوا غرائزهم ونزواتهم وبأي طريقة كانت .. ولا حديث لهم إلا ما يدور حول البطن والفرج والشهوات .. !!
ومنها: أن تكون هذه العناصر من ذوي الولاء المطلق، والطاعة العمياء للحاكم والفئة الحاكمة المتنفذة .. ينفذون الأوامر مهما كانت جائرة أو تصب في غير صالح الأمة ومن دون أدنى تلكؤ أو تردد ..!!
ينفذون الأوامر ولو كان مفادها سحق الشعوب وقتلها وإذلالها وسجنها .. فمرضاة الطاغوت عندهم أغلى وأسمى من الشعوب ومن الأمة برمتها ..!!
ومنها: أن لا يُعرف عنهم أنهم من ذوي الثقافات الواسعة التي تعرفهم على خفايا وحقيقة وغايات هذه الأنظمة الطاغية الحاكمة .. فكلما كان الضابط أو العسكري جاهل بدينه وعقيدته وبالسياسة الدولية وبما يدور حوله وما يُحاك من مؤامرات ضد الأمة كلما كان أكثر قرباً من الطواغيت وأسرع في الارتقاء إلى الرتب العالية ..!!
ومنها: أن لا يُعرف عنهم انتماؤهم لأي تجمع أو حزب لم يحظ على الرضى التام من النظام أو الطاغوت الحاكم ..!!
ومنها: أن لا يُعرف عنهم أنهم من ذوي الرجولة والحمية والغيرة، أو أنهم من ذوي الهمم والاهتمامات العالية .. التي قد تحملهم يوماً من الأيام على الذود عن حرمات الأمة ومقدساتها والغضب لأجلها، وعلى العصيان والتمرد على الطاعة .. والخروج عن السياسة العامة التي رُسمت لهم ولحكامهم ..!
وأي ضابط أو عسكري يُعرف عنه شيء خلاف ما تقدم فإنه يُعرض للمساءلة والمحاسبة، وإلى عقوبة تتراوح بين الطرد أو السجن أو الإعدام .. بحسب درجة المخالفة ونوعها، وهذا أمر معروف للجميع لا خفاء فيه، ولظهوره لا يحتاج منا إلى استدلالٍ أو برهان ..!
هذه أهم المقاييس والموازين المعتبرة عند القوم التي على أساسها يتم اختيار أو قبول الأفراد في جيوشهم أو رفضهم ..!
ـ صفات هذه الجيوش العامة .
بعد أن عرفنا طريقة القوم في انتقاء عناصر الجيش وبخاصة منها العناصر القيادية المؤثرة كالضباط وغيرهم، لا بد من أن نتعرف على أبرز صفات هذه الجيوش التي تتكون من تلك الفئة من الناس المنتقاة حسب الموازيين والمعايير التي وضعها وأرادها الطاغوت لهم .
فأقول: هذه الجيوش لا تحكم بما أنزل الله وإنما تحكم بشرائع الكفر والطغيان، كما أنها لا تلتزم بصوم ولا صلاة ولا حج، وإن وجد منهم بعض الأفراد من يؤدي هذه الفرائض فهو يؤديها بطريقة فردية .. وربما بعدها قد يخضع للمراقبة والمتابعة والمساءلة .
يكثر في هذه الجيوش من يشتم الله والدين والاستهزاء والطعن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من دون أن ينكر عليهم أحد، بينما لو تجرأ منهم من تكلم بكلمة نابية أو اعتراض على الطاغوت الحاكم أو من هو دونه رتبة من الفئة المتنفذة الحاكمة فإنه يسجن ويُضرب ضرباً شديداً، وربما في بعض الجيوش يكون ذلك مبرراً لقتله وإعدامه ..!!
لا يُعظمون شعائر الله ولا يعرفون لها الوقار ولا الاحترام .. بل هي مهانة ومُزدَرَاة وفي كثير من البلدان تحولت فيها المساجد إلى متاحف أثرية تستقبل السائحين العراة !!
يبكون الأقصى الأسير مسرى النبي صلى الله عليه وسلم بدموع التماسيح .. وبنفس الوقت هم أنفسهم ينتهكون حرمات بيوت الله تعالى لأتفه الأسباب .. ولا يتورعون لأدنى سببٍ أن يدخلوا المساجد بأحذيتهم النجسة ليروعوا من فيها من المصلين الآمنين() ..!
هذه الجيوش فيها الكافر الأصلي كالنصارى وغيرهم وكثير من الكفرة المرتدين والزنادقة الملحدين، والكثير الكثير من الفسقة المجرمين .. لا يُفرقون بين مؤمن وكافر أو مرتد، فكلهم يستوون في الولاء للحاكم ولأنظمة الجيوش الطاغية .. بل الكافر المجرم في نظرهم مقدم ومفضل على المؤمن التقي ولا مجال للمقارنة بينهما !!
يُعقد الولاء والبراء في شخص الحاكم .. فيوالون من يواليه، ويعادون من يُعاديه، ويُقاتلون ويُسالمون فيه وعليه ..!!
إن أمرهم أطاعوه وإن كان أمره فيه كفر ومعصية لله تعالى، وإن نهاهم انتهوا وإن كان في نهيه نهي عن طاعة وعبادة لله تعالى .
وإن أمرهم بقتل وسجن العباد امتثلوا لأمره لأنه صاحب الأمر والنهي الذي يجب أن يُطاع لذاته، بغض النظر هل هؤلاء الناس يستحقون القتل والسجن أم لا ..!!
عسكر هذه الجيوش كالوحوش الضارية على من يقترب بسوء من سياج الطاغوت الحاكم ومن حكمه ونظامه .. بينما تراهم على أعداء الأمة الخارجيين رحماء كلهم وداعة ولطف ورحمة ولكن بجبنٍ وذلةٍ وخسة..!!
على الشعوب المقهورة كالأسود .. بينما في الحروب مع أعداء الأمة، وعلى الجبهات كالنعاج والأرانب!
أين هذه الجيوش من قضايا الأمة المصيرية .. أين هي من قضية فلسطين المسلمة ..؟!!
هاهم الصهاينة اليهود في كل يوم يقومون بمجازر ضد أهالينا وأبنائنا في فلسطين .. ينتهكون الحرمات .. ويدنسون المقدسات .. ويعتدون على المسجد الأقصى .. ويفعلون كل ما يحلو لهم ويريدون، وما تملي عليهم وساوسهم الشيطانية المدونة في برتوكولاتهم وكتبهم الصهيونية، ومن دون أن يحسبوا لهذه الجيوش أدنى حساب ..!!
فما هي ردة فعل هذه الجيوش المغوارة .. فإنها محصورة بنستنكر ونشجب، ونأسف .. نحن لا نريد الحرب .. نحن خيارنا هو خيار العقلاء وهو السلام .. السلام مع المغتصبين الصهاينة خيار استراتيجي لا محيد عنه .. قضية فلسطين لا يُمكن أن تُحسم عن طريق القوة أو الحروب .. وغير ذلك من الاطلاقات الجبانة والذليلة والعميلة ؟!!
بل بعض هذه الجيوش كالجيش المصري، والجيش الأردني وغيرها من الجيوش قد أقامت علاقات ديبلوماسية على مستوى السفراء، وسلاماً صريحاً مع دولة الصهاينة اليهود وقبل أن تُسترد الحقوق لأهلها وأصحابها، أو يأخذ الحق طريقه إلى معاقبة الصهاينة المجرمين سفاكي دماء الأبرياء ..؟!
وإذا كان الأمر كما وصفنا فإنه يحق لنا ولغيرنا أن يسأل: لمن أعدت هذه الجيوش الجرارة .. ومن أجل من ولماذا تُشترى هذه الأسلحة الفتاكة ـ من مقدرات الأمة ـ بمليارات الدولارات لتكدس في مخازنها إلى أن تتعفن وتنتهي فعاليتها .. من المعني والمراد إرهابه من هذه الجيوش الجرارة .. ؟؟!!
الجواب واضح لكل ذي لبٍّ وفهم: هذه الجيوش لم تُعد من أجل أعداء الأمة .. وإنما من أجل قهر الشعوب وإذلالها .. من أجل إبادة أي حركة تمرد أو عصيان على سياسة الطواغيت الحاكمين .. !!
فهي عصاة الطاغوت الغليظة يؤدب بها من يشاء ممن يخرج عن طاعته وعبادته أو سياسته وطريقته ..!!
ولا نبتعد كثيراً عن الصواب لو قلنا أن هذه الجيوش أعدت لحماية وحراسة دولة اليهود .. فهم يعملون على مدار الساعة موظفين ككلاب حراسة أوفياء يحرسون حدود دولة إسرائيل من أي هجوم أو عمل فدائي يقوم به المجاهدون الأحرار ..!
والويل كل الويل لهذه الجيوش الجبانة لو استطاع مجاهد أن يتسلل من بينهم إلى دولـة
الصهاينة اليهود .. حيث ترى جميع القوى العميلة الخائنة تستنفر بكل قواها كالكلاب المسعورة، يتوعدون ويهددون من كان سبباً في هذه الخروقات الإرهابية .. ليؤكدوا من جديد للصهاينة المغتصبين أننا لا نزال نعمل بوفاء وإخلاص على ثغور دولتكم ككلاب حراسة وصيد على أكمل ما يكون العمل وتكون الحراسة!!
هذا بما يخص فلسطين .. أما ما يخص موقف هذه الجيوش من بقية قضايا الأمة؛ كقضية المسلمين في البوسنة والهرسك، وقضية كشمير، وقضية المسلمين في الفلبين ، وقضية أفغانستان، وقضية الشيشان وما يعانيه أهل هذا البلد المسلم من ظلم وجبروت وكفر المجرمين الروس ..!
فإذا أردت أن تتحدث عن المواقف المخزية لهذه الجيوش نحو هذه القضايا الهامة وغيرها فحدث ولا حرج .. فما يجري للمسلمين في تلك الديار لا يعنيهم في شيء، ولا يهمهم من قريب ولا من بعيد، بل كثير من الأنظمة العربية وجيوشها تقف في صف الدول الطاغية الكافرة المعتدية ضد الشعوب المسلمة المضطهدة والمحاربة ..!!
هذا كله يجعلنا نجزم أن هذه الجيوش لم تُعد لخدمة الأمة في شيء، ولا من أجل الدفاع عن الشعوب المقهورة المحرومة .. ولا من أجل رسالة أو هدف عظيم .. وإنما هي صُنعت فقط ـ كما تقدم ـ من أجل حماية الطواغيت ومكاسبهم الشخصية، وحراسة مصالح اليهود والغرب الصليبي في المنطقة ..!! ا.هـ
إن عمل المباحث المهين يتميز بالخسة الزائدة عن كل ما مضى بكونه يختص عمله بالصالحين من البشر من الدعاة والمجاهدين العاملين لنصرة دين الله فيقوم هؤلاء الأذناب بمطاردتهم واعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم والتحقيق معهم وكل واحد منكم أيها القراء يملك قصة عنهم واليك هذه النماذج يقول صاحب كتاب مقالات بين منهجين في المقال رقم(57 ) :
إنّ السّجن في العالم المعاصر وخاصّة في بلاد الردّة لم يعد هو حبس فقط، حيث يوضع المرء في جبّ يمنعه من ممارسة بشريّته في الحياة وحركتها؛ فيمنع من أهله وبيته وعمله، بل صارت السّجون آلاما لا تقوى لها النّفس البشريّة بحال، وعلينا على الدّوام أن نتذكّر صنائع المرتدّين مع المسلمين في كلّ وقت وحين، لتبقى قلوبنا ونفوسنا مليئة بالبغض لهم، وعدم التّفكير البتّة بالعفو عنهم أو مسامحتهم، وإن أقلّ ما يحكم فيهم إذا ظفر المسلم بهم هو حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في حلفائه من بني قريظة، حيث حكم أن تقتل مقاتلتهم، وكلّ من بلغ منهم الحلم، وتسبى نساؤهم، وتغنم أموالهم، وهو حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات، لأنّنا للأسف ما نراه من ضعف ذاكرة قادة الحركات الإسلاميّة مع خصوم الإسلام جدّ مؤلم، ولا تتلاءم مع طبيعة المعركة بيننا وبين هؤلاء المرتدّين.
- في تونس: عندما يسجن المرء بتهمة الانتماء للإسلام، وهي تهمة يكفي لإثباتها أن يصلّي الشّابّ في المسجد، أو أن تطلق لحيته، فيؤخذ بعد عذاب لا يعلم مداه إلاّ الله ثمّ يصار به إلى السّجن، وإلى هنا فالأمر يمكن تصوّره، لكن هل يمكن تصوّر ما يصنع بعائلته بعد ذلك؟ في هذا الظّرف تبدأ معاناة أهله في الخارج، حيث قال وزير الدّاخليّة التّونسيّ: سنتابع الإسلاميين وسنحاصرهم حتّى تضطّر نساؤهم إلى الأكل بأجسادهن. وعلى هذا فلو أنّ أختاً جاءت ودفعت فاتورة الماء والكهرباء، وكان زوجها سجيناً بتهمة (الإخونجيّة) كما يسمّونها هناك، فإنّها تكون عرضة للمساءلة: من أين أحضرت هذا المال؟ ولا يرتاح لهم بال حتّى تبيع الأخت نفسها تحت وطأة الحاجة وتكاليف الحياة. فهل هذا هو السّجن الذي يريدنا جودت سعيد وتلميذه خالص جلبي أن نسارع بالذّهاب إليه بأنفسنا حتّى نجعل السّجن مدرسة ترتقي فيها أفهام الإخوة، ومجالاً رحباً للدّعوة إلى الله؟. ثمّ يصبح ذنباً في هذا العصر إذا طالب المسلمون بإخراج المساجين؟ أهذه العقلانيّة التي يدعونا إليها؟.
- صورة من الأردن لما يمارسه أفراد المخابرات مع السّجين المسلم هناك: جرّدوا الأخ من ثيابه، ثمّ ألقي أرضاً، وقام ضابط من ضبّاط المخابرات الأردنيّة (ومن المهم التّنبيه أن أغلب، إن لم يكن كلّ ضبّاط المخابرات وأغلب أفرادهم حجّوا إلى بيت الله الحرام، وهم لا ينادون بعضهم البعض إلاّ بلقب الحاجّ فلان، بل أغلبهم يصلّي وبعض أفرادهم خرّيج كلّيّة الشّريعة!!) وبعد أن ألقي أرضاً وهو مجرّد من ثيابه، قام ضابط منهم (الحاجّ فلان) وخلع ثيابه من جهة عورته، ثمّ جعل يدير ذكره على لحية الشّاب ورأسه وهو يقول مستهزئاً: دعنا يا شيخنا نتبرّك منك. هذا هو الواقع ولتجرحنا الحقيقة بآلامها وقرفها.
فهل هذا هو السّجن- يا قوم - هو الذي يجب علينا أن نسارع بالذّهاب إليه، حسب وصيّة هذه المدرسة؟
- هل نتحدّث عن سوريّا وحكّامها البعثيين والقادة النّصيريين؟ فنتكلّم عن مآسي الأخوات المسلمات هناك؟ أو مآسي الشّباب المسلم في داخل السّجون؟ حيث يربط الأخ في غرفة كالقبر، لا يزيد ارتفاعها عن أربعين سم، وتكون بقدر جسم الإنسان طولاً، ويبقى فيها السّجين لا الأيّام والشّهور ولكن السّنين والأعوام (راجع شيئاً من الآلام في بحثنا في "جواز قتل الذّرّيّة والنّسوان درئاً لهتك الأعراض وقتل الإخوان").
- هل سمعتم الدّكتور محمّد المسعري النّاطق الرّسمي باسم لجنة الدّفاع عن الحقوق الشّرعيّة في الجزيرة العربيّة وعن معاناته في السّجن وعمّا رأى وذاق وسمع؟. (وأقول أنا ما ذاقه المجاهدون أكثر بكثير مما مر على المسعري مع تقديرنا وأسفنا على الجميع ولكن مشكلة المجاهدين أنهم لابواكي لهم والله المستعان)
- هل قرأتم ما كتب بعض المساجين المسلمين عمّا ذاقوه في سجون جمال عبد النّاصر، وكيف وصل الحال ببعض المساجين إلى الجنون؟.
- هل أصغيتم السّمع إلى ما يحكيه البعض عن بطش وظلم صدّام حسين وحزبه البعثيّ؟ وعن فنونه في ممارسة ساديّته ضدّ خصومه؟.
إنّ من يعلم هذا أو يعرف بعضه أو قريباً منه، ثمّ يجعل من منهجه في إحياء دين الله تعالى أن يطالب الشّباب المسلم بالذّهاب إلى السّجون باختيارهم، ثمّ يجرّب من يطالب بفكّ أسارى المسلمين، لهو جدير أن يدخل في عداد المجرمين وأعداء الدّين، لا أن يصبح مفكّراً وزعيـماً لتيّار يلتحق بركبه الشّباب، لكنّنا والله نعيش زمن العجائب .
حكمهم من الكتاب والسنة وإجماعات أهل العلم
بعد أن عرفت حقيقة هؤلاء على سبيل الاختصار فإليك حكمهم ()فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن عسكر التتار، وحكم جهادهم فأجاب: فهؤلاء القوم المسؤول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين، وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام ـ وهم جمهور العسكر ـ ينطقون بالشهادتين إذا طُلبت منهم، ويعظمون الرسول، وليس فيهم من يُصلي إلا قليل جداً، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره، وللصالحين من المسلمين عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه، وهم متفاوتون فيه، لكن الذي عليه عامتهم والذي يُقاتلون متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها فإنهم أولاً يوجبون الإسلام ولا يُقاتلون من تركه، بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافراً عدواً لله ورسوله، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين .
فلا يُجاهدون الكفار ولا يُلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار، ولا ينهون أحداً من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك، بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح، والكافر عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين ..!
وكذلك عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم؛ أي لا يلتزمون تركها، وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه سلطاناً لا بمجرد الدين، وعامتهم لا يلتزمون الواجبات، ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله، بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارةً وتخالف أخرى ..!
وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين، وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم، فإن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبداً ا-هـ.
قال صاحب (كتاب مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة) ( 9 ) :من يقارن أوصاف جند التتار الآنفة الذكر التي ذكرها عنهم شيخ الإسلام، وبين أوصاف جند وجيوش العرب وغيرها من جيوش الأمة في هذا الزمان يجد أن جند التتار فيهم من خصال الخير ما ليس في جند وعسكر العرب؛ فجند التتار يعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمسلم عندهم أعظم من غيره، وللصالحين عندهم قدر .. وهذا بخلاف ما عليه كثير من جيوش العرب في هذا الزمان، إن لم يكن كلها !!
ومع ذلك لصفاتهم الأخرى الآنفة الذكر يقول عنهم شيخ الإسلام: أن قتالهم واجب بإجماع المسلمين، وأن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبداً .
وهذا الحكم يلحق بكل من اتصف بصفاتهم أو فعل فعلهم ولا بد .. ولحوقه بجيوش الأمة في هذا الزمان من باب أولى لاتصافهم بصفاتٍ هي أغلظ وأشد من صفات جند وعسكر التتار الآنفة الذكر .. وقد تقدم ذكرها !!
وقال رحمه الله : من حالف شخصاً على أن يوالي من والاه ويُعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان ا-هـ .
أقول: أليس هكذا حال جيوش الأمة في هذا الزمان؛ حيث توالي وتعادي في شخص الطاغوت الحاكم .. يوالون من والاه، ويُعادون من عاداه، بغض النظر هل يستحق شرعاً تلك الموالاة أو المعاداة !!
تُنتهك حرمات الأمة، ويُعتدى على مقدساتها، وتُقتل الأطفال والنساء، ويُشتم الله ورسوله .. فكل هذا وغيره لا يستدعي موقفاً من هذه الجيوش ولا من حكامها، ولكن لو تجرأ أحد أو أي جهة على النيل من جناب الطاغوت الحاكم بعبارة انتقاص أو طعن فإن هذه الجيوش ومعها جميع مؤسسات الحكومة تعلن براءها وعداءها لتلك الجهة، وتسحب سفيرها من تلك الدولة أو الجهة، وربما تحركت الجيوش واستنفرت واستعدت للقتال() ..!!
فهذه الجيوش عندما ترضى لنفسها مثل هذه العبودية للطاغوت فهي تخرج مباشرة من كونها جيوش إسلامية تجاهد في سبيل الله إلى كونها جيوش كفرية باطلة تجاهد في سبيل الشيطان كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله . ا.هـ
يقول أبو محمد المقدسي في كتابه القيم (الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير) (127-130) :-
تنبيه : إلى أن قاعدة ( الأصل في جيوش الطواغيت وأنصارهم الكفر) لا غبار عليها : -
فإن القاعدة عندنا ( أن الأصل فيهم الكفر ) حتى يظهر لنا خلاف ذلك ، إذ أن هذا التأصيل قائم على النص ودلالة الظاهر لا على مجرد التبعية للدار ، فإن الظاهر في جيوش الطواغيت وشرطتهم ومخابراتهم وأمنهم أنهم من أولياء الشرك وأهله المشركين .
فهم العين الساهرة على القانون الوضعي الكفري ، الذين يحفظونه ويثبتونه وينفذونه بشوكتهم وقوتهم .
وهم أيضا الحماة والأوتاد المثبتين لعروش الطواغيت والذين يمتنع بهم الطواغيت عن التزام شرائع الإسلام وتحكيمها .
وهم شوكته وأنصاره الذين يعينونه وينصرونه على تحكيم شرائع الكفر وإباحة المحرمات من ردة وربا ، وخمر وخنا ، وغير ذلك .
وهم الذين يدفعون في نحر كل من خرج من عباد الله منكرا كفر الطواغيت وشركهم ، ساعيا لتحكيم شرع الله ونصرة دينه المعطل الممتهن ..
فهذه حقيقة وظيفتهم ومنصبهم وعملهم ؛ يتلخص في سببين من أسباب الكفر صريحين وهما :
نصرة الشرك (بتولي القانون والتشريع الكفري الطاغوتي)()
ونصرة أهله وتوليهم ومظاهرتهم على الموحدين .
والنصوص الدالة على أن هذان سببان من أسباب الكفر البواح ظاهرة متضافرة ، وقد فصلناها في غير هذا المقام ، وليس مقصودنا هاهنا تفصيل هذا ، وإنما التنبيه إلى الأصل المذكور .
فقد أصل الله سبحانه وتعالى لنا في أنصار الكفار وأوليائهم عموما ، أصلا محكما في قوله تبارك وتعالى : (( الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت )) ، وقوله سبحانه : (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم )) فالأصل في كل من أظهر تولي الكفار ونصرتهم أو قاتل في سبيل الطاغوت أو كان في عدوته وحدّه وأظهر نصرته باللسان أو السنان ؛ أنه من جملة الذين كفروا ..
ولذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته مع الكفار المحاربين وفي أنصارهم وأوليائهم وأحلافهم الذين ينصرونهم على المسلمين؛ على هذا الأصل .
أنظر على سبيل المثال معاملته صلى الله عليه وسلم للعباس معاملة الكفار رغم دعواه الإسلام لما أسر في صفوف المشركين يوم بدر ، وانظر مثل هذا أيضا ما رواه مسلم في كتاب النذور (1008) من المختصر من حديث عمران بن حصين في قصة الرجل من بني عقيل حلفاء ثقيف ، لما أسره المسلمون بجريرة حلفائه لما نقضت ثقيف عهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم .. ولم يطلقه النبي صلى الله عليه وسلم رغم ادعائه الإسلام بل عامله معاملة الكفار فغنم ناقته وفداه برجلين من المسلمين .
وعليه كانت سيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم من بعده في كل ذوي منعة وشوكة يخرجون عن شريعة الله تبارك وتعالى .
أنظر سيرتهم في خلافة أبي بكر في أنصار مسيلمة الكذاب ونحوهم من المرتدين كأنصار طليحة الأسدي فقد كفروهم جميعا وساروا فيهم سيرة واحدة ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة
ولذلك أطلق العلماء المحققين القول بإباحة دم ومال المحاربين وأنصارهم وجعلوا حكم الردء فيهم حكم المباشر منهم().. وفي المغني (كتاب الجهاد )() ( فصل من أسر فادعى أنه كان مسلما ، لم يقبل قوله إلا ببينة ، لأنه يدعي أمرا الظاهر خلافه ..) أهـ وذكر فيه قصة سهل بن بيضاء في غزوة بدر .
فتأمل كيف جعل الأصل فيمن أظهر الانحياز لجيش الكفار حتى أسر في صفهم ، الكفر ، بحيث لا تقبل الدعوى بخلافه – كما في قصة أسر العباس أيضا – حتى تقوم بينة تغير هذا الأصل الظاهر .
ولأجل ذلك كان الأصل عندنا في كل من انتسب إلى هذه الأجهزة والوظائف ، التي حقيقتها ، نصرة الشرك وأهله ؛ الكفر . فنحكم على كل واحد منهم بالكفر ونجري عليه أحكام الكفر بما أظهروه من أسباب الكفر ، ما لم يتبين لنا خلاف ذلك من قيام مانع معتبر من موانع التكفير في حق المنتسب للإسلام منهم فنستثنيه .. وقد قدمنا أن تبين الموانع في حق الممتنعين المحاربين ، غير واجب لامتناعهم ومحاربتهم ، لكن إن ظهر لنا شيء من ذلك في حق بعضهم لم نكفره ، وما لم يظهر ذلك فالأصل الظاهر عندنا منهم هوالكفر، وحقيقة أمر باطنهم إلى الله تبارك وتعالى ، وليس إلينا ، وقد أمرنا بالأخذ بالظاهر ، ولم نؤمر أن نشق عن صدور الناس ولا عن بطونهم ، ولأن أصل هذه الوظائف وظاهرها ما قد عرفت فنحن نعاملهم ونؤصل لهم على هذا الظاهر حتى يظهر لنا خلافه ، بخلاف غير ذلك من الوظائف والأعمال التي ليس أصل طبيعتها وحقيقتها نصرة الشرك أو أهله ؛ ولذلك فلا نقول أن الأصل في الأطباء مثلا الكفر ، حتى يتبين لنا خلاف ذلك ، ولا أن الأصل في المدرسين الكفر ، أو أن الأصل في تولي وظائف الدولة الكافرة كلها الكفر .. كلا فهذه الوظائف كما سيأتي لنا فيها تفصيل ، وليست حقيقة جميعها وطبيعتها نصرة الشرك وأهله ، نعم قد يوجد فيمن يتولى هذه الوظائف من هو من أنصار الشرك وأهله ولكن هذا ليس مختصا بحقيقة الوظيفة وماهيتها، كما قد يوجد من هو من أنصار الشرك وأهله من غير الموظفين ..
والخلاصة : أن هذا التأصيل إذا كان في وظيفة أو عمل حقيقته أنه سبب من أسباب الكفر الظاهرة ، كنصرة الشرك وأهله ، أو التشريع وفقا لنصوص الدستور الكفري ، ونحو ذلك من المكفرات الصريحة الظاهرة ، فلا حرج فيه عندنا ، ومعناه : إجراء حكم الظاهر على أصحاب هذه الوظيفة ، وإرجاء ما بطن من الأحكام إلى الله تبارك وتعالى .
يقول ابن تيمية رحمه الله عن الفئة الممتنعة عن واجب معلوم من الدين بالضرورة: فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعةٍ من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء .
عن ديلم الحميري t قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إنا بأرضٍ نعالج بها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا، فقال: هل يُسكر؟ قلت: نعم . قال: فاجتنبوه . قلت: إن الناس غير تاركيه، قال: فاقتلوهم .
وقال: وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق t وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة ..
فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يُقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين ..
فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والميسر، أو عن نكاح ذات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته ـ التي لا عذر لأحدٍ في جحودها وتركها ـ التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء ا-هـ .
قال صاحب كتاب مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة ( 9 ) : إذا كان قتال الطائفة الممتنعة عن أداء واجب من واجبات الدين الظاهرة واجب بأدلة الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة .. فإن قتال هذه الجيوش المحاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، والتي لا تلتزم بشيء من واجبات وأركان هذا الدين()، إضافة إلى خصال الكفر الأخرى التي تتصف بها والمشار إليها آنفاً .. لا شك أنه أولى وأوجب من قتال الفئة التي تمتنع عن أداء آحاد الواجبات الدينية .
فإن قتال المرتد أو الفئة المرتدة المارقة من الدين المحاربة لله ولرسوله وللمؤمنين أوجب بكثير من قتال الفئة الباغية التي تمتنع عن أداء بعض واجبات الدين، بل هو أوكد من قتال وجهاد الكافر الأصلي كما سيأتي بيانه معنا.
قال ابن حجر()رحمه الله : إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا-هـ .
وقال النووي() رحمه الله : قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وقال وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها ا-هـ .
وقال صاحب كتاب أعمال تخرج صاحبها من الملة (114) : اعلم أن من يتجسس على عورات المسلمين، وأحوالهم الخاصة ـ وبخاصة منهم المجاهدين! ـ لينقلها إلى أعدائهم من الكفرة المجرمين؛ سواء كان كفرهم كفراً أصلياً أم كان كفر ردة .. فهو كافر مثلهم، وموالٍ لهم الموالاة الكبرى التي تخرجه من دائرة الإسلام، يُقتل كفراً ولا بد.
قال تعالى:) ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (البقرة:8-9.
ومن خداعهم للمؤمنين أن يتظاهروا بالإسلام، وأن يقولوا عن أنفسهم بأنهم مؤمنون، ثم هم يتجسسون عليهم لصالح أعدائهم من الطواغيت وغيرهم من الكافرين المجرمين.
وقال تعالى:) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً (الحجرات:12.
والتجسس من حيث دوافعه نوعان: نوع خاص يكون الدافع عليه الفضول وحب الاطلاع على عورات الآخرين، ليتلذذ الجاسوس ـ في مجالسه الخاصة والعامة ـ بالخوض في الحديث عن أعراض الناس وعوراتهم ويتباهى بأنه يملك الدليل والبينة على صدق دعواه وقوله .. لذا جاء عقب النهي عن التجسس النهي عن الغيبة؛ لأن الغيبة نتيجة حتمية للتجسس، فكل من تجسس لا بد له من أن يقع في غيبة الآخرين.
ونوع عام يكون دافعه نقل المعلومات ورفع التقارير إلى الطواغيت الظالمين وغيرهم من الكفرة والمشركين .. وهذا من الموالاة .. وهو أشد أنواع التجسس جرماً، وهو من الكفر الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة ولا بد.
والنهي عن التجسس الوارد في الآية يشمل النوعين: الخاص والعام .. والعام أولى بالنهي من الخاص .. فتنبه لذلك.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا " البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم :" من أكل بمسلمٍ أكلةً فإن الله يُطعمه مثلها من جهنم، ومن كُسِي ثوباً برجل مسلم فإن الله U يكسوه من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام رياءٍ وسمعة فإن الله يقوم مقام رياء وسمعة يوم القيامة "رواه أبو داود.
فيه تحذير وترهيب لأولئك الذين يكتبون التقارير عن المسلمين الموحدين ليرفعوها إلى الطواغيت الظالمين، ويشون عليهم، وعلى أماكنهم، وتحركاتهم .. مقابل مبلغ زهيد ـ يتقوتون به أو يلبسون ـ يرميه الطاغوت إليهم على كل تقرير يكتبونه عن المسلمين .. وما أكثر أصحاب النفوس الضعيفة هؤلاء في بلادنا، الذين باعوا دينهم وآخرتهم بدنيا غيرهم!!
وقال صلى الله عليه وسلم :" من استمع إلى حديث قوم وهم يفرون منه، صُبَّ في أذنيه الآنك" أخرجه البخاري في الأدب المفرد والآنك هو الرصاص الأبيض المذاب .. وهذا فيمن يستمع على وجه الفضول والتطفل .. فكيف بمن يستمع على وجه التجسس لصالح أعداء المسلمين من الكافرين والمشركين ..؟!!
وقال صلى الله عليه وسلم :" يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتّبع اللهُ عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته " رواه أبو داود.
قلت: من تتبع عورات المسلمين وتجسس عليهم لصالح الطواغيت الكافرين .. هو أولى بالنفاق، وانتفاء الإيمان من قلبه.
فالتجسس على عورات المسلمين وخصوصياتهم لصالح أعدائهم من المشركين المجرمين لا يمكن أن يمتهنها إلا كل منافق خسيس عريق في النفاق والخداع ..!
وقال صلى الله عليه وسلم :" من حمى مؤمناً من منافقٍ بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلماً بشيءٍ يُريد شَينَه به حبسَه الله على جسر جهنم حتى يخرجَ مما قال "رواه أبو داود.
هذا فيمن يرمي مسلماً بشيء يريد شينه به .. فكيف بمن يرمي مسلماً بشيءٍ يريد به قتله أو سجنه في سجون الطواغيت الظالمين ..؟!
وعن سلمة بن الأكوع قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال صلى الله عليه وسلم :" اطلبوه فاقتلوه " قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفلني إياه. متفق عليه.
وكذلك فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المرأة التي حملت كتاب حاطب إلى كفار قريش عام الفتح، ومن دون أن تُستتاب.
كما في الحديث عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة، أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين رواه النسائي.
من هاتين المرأتين هذه المرأة التي حملت رسالة حاطب إلى كفار قريش، واسمها سارة.
قال الإمام سحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يُستتب، وماله لورثته.
وفي المستخرجة قال ابن القاسم في الجاسوس: يُقتل ولا تُعرف لهذا توبة، هو كالزنديق().
وقال ابن تيمية رحمه الله(): ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس ا- هـ.
قلت: وقتله يكون على الكفر والارتداد .. وليس على شيء آخر، والله تعالى أعلم ا.هـ بتصرف يسير.
وأخيرا إذا كان الله كفَر من استهزأ بالمجاهدين في أعظم غزوة وهي تبوك قال ابن عمر t: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ـ أي أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم ـ أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق، لأخبرنًّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن.
قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:) أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم (.
وفي رواية عن قتادة قالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : احبسوا عليَّ هؤلاء الركب، فأتاهم فقال: قلتم كذا، قلتم كذا .. قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تبارك وتعالى فيها ما تسمعون.
وفي قوله تعالى:) إن نعف عن طائفة نعذب طائفة ( ذُكر أنه عُني بالطائفة في هذا الموضع رجل واحد.
عن ابن اسحاق قال: كان الذي عني فيما بلغني مخشن بن حمير الأشجعي حليف بني سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع.
وعن معمر قال: قال بعضهم: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث، فيسير مجانباً لهم، فنزلت الآية فسمي طائفة وهو واحد().
قال القرطبي في التفسير: قيل كانوا ثلاثة نفر؛ هزئ اثنان وضحك واحد؛ فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. قال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه " مخاشن بن حُميِّر " .. وقيل إنه كان مسلماً إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم. وكان يقول: اللهم إني أسمع آيةً أنا أُعنى بها، تقشعر الجلود وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسَّلت أنا كفنت أنا دفنت. فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وجد غيره ا- هـ
وقال ابن تيمية رحمه الله() : قوله تعالى:) قد كفرتم بعد إيمانكم (، فقد أمره أن يقول لهم قد كفرتم بعد إيمانكم. وقول من يقول عن مثل هذه الآيات أنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولاً بقلوبهم، لا يصح لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يُقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم وهم مع خواصهم مازالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق وتكلموا بالاستهزاء، صاروا كافرين بعد إيمانهم، ولا يدل اللفظ على أنهم مازالوا منافقين ..ا- هـ.
وقال في الصارم: وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر .. فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً، سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول ا- هـ.
أقول إذا كان الله كفَر هؤلاء فكيف بمن يطارد المجاهدين ويسجنهم ويحقق معهم ويعذبهم بأنواع العذاب من تسهير إلى تجويع إلى تعطيش إلى ضرب إلى تهديد بانتهاك العرض إلى غير ذلك من فنون التعذيب المعاصرة والتي ألف فيها المؤلفات الكثيرة أفلا يكون ذلك كله كفرا بلى والله ولا نبالي بأحد كائنا من كان وليتحرك شيوخ آل سعود وليفتوا وليدافعوا وليلبسوا فإن النصر قادم والله المستعان ونبرأ إلى الله من سعودة الإسلام المعاصرة والمنتشرة انتشار النار في الهشيم وهي بإذن الله إلى أفول قريبا بإذن الله .
مسائل وتنبيهات مهمة
مسألة مداهمة المنازل من قبل أفراد وضباط المباحث :
إن مسألتنا هذه تسمى في الفقه الإسلامي بالعدو الصائل وهي مسألة مجمع عليها بين أهل العلم من سلف الأمة حتى لو كان المداهم للمنزل من المسلمين بل من خيارهم فإنه يقتل ولا يتردد في ذلك يقول الشيخ عبدالله عزام رحمه الله في رسالته (الدفاع عن أراضي المسمين) (6) :
إن كل دين نزل من عند الله جاء للحفاظ على الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال.
ولذا فيجب المحافظة على هذه الضرورات بأي وسيلة، ومن هنا شرع الإسلام دفع الصائل،() والصائل: هو الذي يسطو على غيره قهرا يريد نفسه أو ماله أو عرضه.
الصائل على العرض: ولو كان مسلما إذا صال على العرض وجب دفعه باتفاق الفقهاء ولو أدى إلى قتله، ولذا فقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز للمرأة أن تستسلم للأسر ولو قتلت إذا خافت على عرضها.
أما الصائل على المال أو النفس فيجب دفعه عند جمهور العلماء، ويتفق مع الرأي الراجح في مذهبي مالك والشافعي ولو أدى إلى قتل الصائل المسلم، ففي الحديث الصحيح: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد () قال الجصاص بعد هذا الحديث: (لا نعلم خلافا أن رجلا لو شهر سيفا على رجل ليقلته بغير حق أن على المسلمين قتله)() .
وفي هذه الحالة -الصيال- إذا قتل الصائل فهو في النار ولو كان مسلما ، وإذا قتل العادل فهو شهيد، هذا حكم الصائل المسلم، فكيف إذا صال الكفار على أرض المسلمين حيث يتعرض الدين والعرض والنفس والمال للذهاب والزوال؟ ألا يجب في هذه الحالة على المسلمين دفع الصائل الكافر والدولة الكافرة؟! ا.هـ
ويقول ابن تيمية رحمه الله (فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه () .
وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم عين الناظر من ثقب باب البيت إذا فقئها صاحب الدار وأمر الرجل الذي يصلي فأراد أحد أن يجتاز بين يديه أن يدفعه فإن أبى فليقاتله وهي مسألة أهون من مسألتنا بكثير فكيف بمن يعتدي على بيوت المسلمين وينتهك حرماتها ويروع أهاليها ويكشف عوراتها ويفجع أطفالها بفقد آبائها أليس أحق بالمقاتلة من هؤلاء يقول الشيخ الجربوع في معرض رده على جريدة الجزيرة() التي قالت عن فتوى الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي رحمه الله : وللشعيبي فتاوى خطيرة تناقلها تلاميذه وأتباعه كفتوى بجواز قتل رجال الأمن وقتالهم عن المداهمة أو القبض مبرراً ذلك بأنه من باب دفع الصائل والدفاع عن النفس، وكان الشعيبي قد أفتى بها بعض تلاميذه المقربين منه عام 1415هـ ، واليوم يتناقل أتباع الشعيبي الفتوى نفسها…
قال الشيخ عبد العزيز الجربوع فك الله أسره : أولاً : أثبتي العرش أيتها الجريرة ثم انقشي يا ناقضة غزلها أنكاثا من بعد قوة ..
ثانياً : إن الإسلام هو الذي أفتى بذلك ولم يفتي بذلك الشيخ رحمه الله تعالى فلو سأل سائل وقال ما حكم الإسلام في رجل يقتحم علي داري وأنا في مأمن ( نائم بين نسائي ) وإذا بالبيت يداهم علي وعلى عرضي ويكشف ستر نسائي ويهتك في بلد يدعي أصحابها تطبيق الإسلام يقومون بأفعال استنكرها أبو جهل عندما قيل له لماذا لا نتسور على محمد صلى الله عليه وسلم بيته فقال أبو جهل لا والله لا أفعل فتتحدث العرب عني أني أورع بنات محمد صلى الله عليه وسلم !!.
الجواب : لاشك في جواز قتله
قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع في حال أقل من هذه الحال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله , فإنما هو شيطان } رواه البخاري ومسلم , قال أصحابنا : " ويستحب للمصلي دفع من أراد المرور لحديث أبي سعيد المذكور "
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين } رواه مسلم . ويدفعه دفع الصائل بالأسهل ثم الأسهل ويزيد بحسب الحاجة وإن أدى إلى قتله , فإن مات منه فلا ضمان فيه كالصائل .
فهنا جواز قتل المار بين يدي المصلي فما بالكم بمن داهم البيوت في الظلام الدامس على المؤمنين غير رجال الحسبة فإنهم يداهمونها على الطواغيت الذين لا حرمة لهم ولا لمنازلهم إذ أنها منازل أعدت لحرب الله ورسوله والصد عن سبيله فلها حكم الحرابة ..ناهيك أن المداهم هنا هو الصالح والمدهوم هو المفسد الفاجر بينما الصورة الماضية على النقيض فالمداهم هو الفاجر العربيد والمدهوم هو العالم الصالح والمؤمن العابد .
ويقول الشوكاني رحمه الله تعالى في النيل : باب دفع الصائل وإن أدى إلى قتله وأن المصول عليه يقتل شهيدا فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : { جاء رجل فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي , قال : فلا تعطه مالك , قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد , قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار } رواه مسلم وأحمد , وفي لفظه : يا رسول الله أرأيت إن عدا على مالي ؟ قال : " أنشد الله " , قال : فإن أبوا علي قال : " أنشد الله " , قال : فإن أبوا علي ؟ قال : " قاتل , فإن قتلت ففي الجنة وإن قتل ففي النار " فيه من الفقه أنه يدفع بالأسهل فالأسهل ) . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من قتل دون ماله فهو شهيد } متفق عليه وفي لفظ { من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد } رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه ) وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { من قتل دون دينه فهو شهيد , ومن قتل دون دمه فهو شهيد , ومن قتل دون ماله فهو شهيد , ومن قتل دون أهله فهو شهيد } رواه أبو داود والترمذي وصححه )
قال الشوكاني بعد أن ذكر المسألة الفقهية التي دلت عليها الأحاديث المذكورة آنفاً وهي ( جواز قتل من صال عليك يريد مالك )
قال رحمه الله تعالى : كما تدل الأحاديث المذكورة على جواز المقاتلة لمن أراد أخذ المال تدل على جواز المقاتلة لمن أراد إراقة الدم والفتنة في الدين والأهل وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال : من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله المقاتلة , وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة قال ابن المنذر : والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل .....إلى أن قال .... وأحاديث الباب مصرحة بأن المقتول دون ماله ونفسه وأهله ودينه شهيد , ومقاتله إذا قتل في النار , لأن الأول محق والثاني مبطل.. أ.هـ
ولابد لعلماء المسلمين وشباب الإسلام أن يعلم أن هجمة هؤلاء هي كما قال أبو مصعب السوري في كتابه الرائع (مسؤولية أهل اليمن) (17) :
ليس الصائل مجرد باغ أو قاطع طرق، أو فئة محدودة، إنه نظام عالمي جديد، إنها هجمة اليهود المحتلين لبلاد الشام في فلسطين وما حولها، والساعين لاحتلال كامل العالم العربي والإسلامي من خلال برامج التطبيع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي بل والأمني والعسكري في كامل المنطقة.
إنها هجمة أمريكا وبريطانيا وفرنسا وحلفاءهم في حلف الناتو مع روسيا في وسط آسيا على كافة بلاد الإسلام ولا سيما في عقر دارهم ومكان مقدساتهم وثرواتهم النفطية وغيرها.
إنها هجمة الحكومات المرتدة وأجهزة أمنها وجيوشها وشرطتها ومخبريها وسجانيها وجلاديها وأجهزة إعلامها الكافرة على أنفس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، حكومات موالية للأعداء نائبة لهم في حكمنا بشرائع الكفر.
إنها هجمة المنافقين الضالين المضلين الذين يكفون أيدي الناس وقلوبهم وعقولهم عن جهاد هذا الصائل ويفتون بقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس.
فمتى يكون دفع الصائل فرض عين إن لم يكن في مثل ما نحن فيه. وكما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
إننا نؤمن ونعلن بكل صراحة مستعينين بالله: إن حكم الجهاد اليوم فرض عين على كل مسلم، جهاد اليهود والصليبيين حيث وجدوا في بلادنا أو بلادهم مدنيين وعسكريين محتلين واقتصاديين مبشرين ودعاة كفر ودعارة وضلالة، بالسيف والسلاح، وإن حكم قتال وجهاد الحكام المرتدين الموالين لهم المدافعين عنهم الحامين لقواعدهم وتواجدهم فرض عين لوحده وتبعاً لجهاد اليهود والنصارى، بالسيف والسلاح، وإن حكم مواجهة باطل المنافقين وحججهم بالحجة الحقة والكتاب والسنة وأدلة الدين واجب أيضاً ولا سيما على العلماء والدعاة المجاهدين، كما قال تعالى ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) هذا في عامة ديار أهل الإسلام، فما حكم هذا في بلاد المقدسات، الجزيرة واليمن والشام، بلاد الحرمين وقدس المسلمين، بلاد الجزيرة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج منها كل مشرك ولا يجتمع فيها دينان، لا شك أنه أوجب وآكد من باقي الديار وهو واجب مؤكد في كل ديار الإسلام، فهناك قبلتهم ومسجد نبيهم ومسراه، وهناك بيت مالهم ومحط ثرواتهم ومنبع أرزاقهم وهو النفط والغاز والثروات التي رزقها الله أهل الإسلام وجعلها في أكناف بيته ومسجد حبيبه ومسجد مسراه عليه الصلاة والسلام، وهي عقر دار الإسلام ومحل مقدساتهم ا.هـ.
فهل يعي هذا شباب الإسلام وينفضوا الغبار من على عيونهم ويتحركوا ويتحرروا ولا مانع من أن تموت منا ثلة وتحيا بعدهم أمة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون وإنما يجاهد المؤمن في الله جهاده، إن أخفق فإفادة أو أوذي فإرادة، أو نفي فريادة، أو سجن فعبادة، أو عاش فقيادة، أو مات فشهادة، فله الحسنى وزيادة.
مسألة تبين الموانع إنما يجب في المقدور عليه ، ولا يجب في الممتنع أو المحارب.
يقول صاحب كتاب (الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير) (66) : تبين الموانع إنما يجب في المقدور عليه ، ولا يجب في الممتنع أو المحارب :
واعلم بعد هذا أن تبين هذه الموانع إنما يجب في حق المقدور عليه دون الممتنع ..
والامتناع يرد على معنيين :
الأول : امتناع عن العمل بالشريعة جزئياً أو كلياً .
الثاني : امتناع عن القدرة ، أي قدرة المسلمين أن يوقفوه ويحاسبوه ويحاكموه لشرع الله .
ولا تلازم بين النوعين فقد يكون الممتنع عن العمل بالشريعة ؛ مقدوراً عليه في دار الإسلام كمن امتنع عن الزكاة وهو فرد مقدور عليه في دار الإسلام .
وقد يجتمعان ، فيمتنع الممتنع عن الشريعة بدار كفر أو بشوكة وطائفة وقانون وسلطان دولة ، بحيث لا يتمكن المسلمون من إنزاله على حكم الله تعالى وإقامة حد الله عليه ..
والممتنع عن القدرة ، قد يكون محارباً باليد ، وقد يكون محارباً باللسان فقط() .
وقد نص العلماء على أن الممتنع عن القدرة لا تجب استتابته ، فمن باب أولى المحارب الذي داهم ديار المسلمين واحتلها وتسلط على مقاليد الحكم فيها .
ويراد بالاستتابة معنيان أيضاً :
الأول : طلب التوبة ممن حكم عليه بالردة .
الثاني : تبين الشروط والموانع قبل الحكم عليه بالردة ، وهذا هو الذي نريد التنبيه عليه هنا .
فالممتنع عن شرائع الإسلام والممتنع عن النزول على حكم الله ، والمحارب للمسلمين الخارج عن قدرتهم وحكمهم ، سواء امتنع بدولة الكفر أو بقوانينها أو بجيوشها ومحاكمها ، هذا قد جمع بين نوعي الامتناع، فلا يجب تبين الشروط والموانع في حقه قبل التكفير والقتال .. إذ هو لم يسلم نفسه للمسلمين ، ولا سلم بشرعهم وحكمهم حتى ينظر له في ذلك .. فلا يقال قي حق من كانوا كذلك ، أنهم لم تقم عليهم الحجة ، كما يهذر به بعض من يهرف بما لا يعرف ، خصوصاً إذا كانوا محاربين مقاتلين لنا في الدين ، وقد تسلطوا على ديار الإسلام وامتنعوا بشوكتهم عن شرائعه ، وأقاموا وفرضوا شرائع الكفر والطاغوت ..
يقول محمد بن الحسن الشيباني : ( ولو أن قوماً من أهل الحرب الذين لم يبلغهم الإسلام ولا الدعوة أتوا المسلمين في دارهم ، يقاتلهم {المسلمون} بغير دعوة ليدفعوا عن أنفسهم ، فقتلوا منهم وسبوا وأخذوا أموالهم فهذا جائز … ) أهـ . من السير الكبير ، وما بين المعكوفين زيادة أثبتها السرخسي في شرحه ، ثم قال : ( لأن المسلم لو شهر سيفه على مسلم حل للمشهور عليه سيفه قتله للدفع عن نفسه ، فها هنا أولى ، والمعنى في ذلك أنهم لو اشتغلوا بالدعوة إلى الإسلام فربما يأتي السبي والقتل على حرم المسلمين وأموالهم وأنفسهم فلا يجب الدعاء ) أهـ.
ويقول ابن القيم : ( ومنها أن المسلمين يدعون الكفار –قبل قتالهم- إلى الإسلام هذا واجب إن كانت الدعوة لم تبلغهم ، ومستحب إن بلغتهم الدعوة ، هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم بغير دعوة لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم )() .
فهذا من تفريق العلماء بين جهاد الطلب وجهاد الدفع ..
وقد فرق شيخ الإسلام أيضاً في مواضع عديدة من كتبه بين (المرتد ردة مغلظة -وهو الذي يضيف إلى ردته الامتناع أو المحاربة والقتل أو القتال- فيقتل بلا استتابة وبين المرتد ردة مجردة فيقتل إلا أن يتوب().
وقال أيضا() : ( المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب ، أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام ، فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد ) أهـ .
وقال أيضا() : ( على أن الممتنع لا يستتاب وإنما يستتاب المقدور عليه ) أهـ .
تنبيه: بعض القطاعات العسكرية أشبه أن تكون بالقطاعات المدنية وذلك مثل الدفاع المدني ومكافحة المخدرات وما شابهها إذا كان العامل فيها ثابتا لا يمكن نقله إلى الأقسام العسكرية ذات الأوصاف المكفرة وله أن لا يقبل بذلك وأنبه إلى أن هذا القيد مهم أي إذا كانت هذه الأقسام مستقلة والعامل فيها يختارها ويثبت فيها كما هو في بعض البلدان فهذه يختلف حكمها عن ما مضى فهي ليس فيها نفس الوصف المنطبق على البقية من نصرة وحماية وتثبيت ولكنها لا تخلو من المنكرات التالية وهي كثيرة لو لم يوجد إلا واحد لكفى في تحريمها وهي كالآتي():
1-التشبه بالكفار في اللباس .
2-التشبه بأعداء الله في تعليمات الجُند .
3-التشبه بأعداء الله في لبس البرنيطة .
4-التشبه بأعداء الله في تدريب الجنود .
5-التشبه بأعداء الله في الإشارة بالأصابع عند السلام وكذلك الإشارة بالأكُف.
6-التشبه بأعداء الله بشد الوسط بما يُشبه الزنار .
7-المحكمة العسكرية() .
8-تعليق الصور والتصوير .
9-الخلطة الفاسدة .
10-تحية العلم والتحية العسكرية .
11- الطابور العسكري وضرب الطبول والموسيقى .
شبهات مثارة
يثير الكثير من هؤلاء العسكر شبهات() وهي مدحوضة مردودة وإليك هذه الحوار الذي دار بين أبي محمد المقدسي وأحد هؤلاء مع إحالتنا في الحاشية إلى المراجع التي تدحض هذه الشبهات وهي متوافرة بحمد الله()وإن كنا سنرد على بعضها يقول أبو محمد في رسالة (حوار بين عساكر الشرك وعساكر التوحيد) (1-3) :
لقيته في ممرات السجن، فأشحت بوجهي عنه ومضيت إلى حاجتي، ثم عدت فلقيته بالمكان نفسه فلما حاذيته قال: إيش... لا سلام ولا كلام...؟؟.
قلتُ: وهل بيننا سلام؟؟.
قال: علشان طواغيت ها...؟؟.
قلت: لا... لابد أن تكون دقيقاً نحن لا نقول عنكم أنتم طواغيت... لنكن واضحين، أنتم أعوان الطواغيت، أنتم جند الطواغيت، أنتم أنصار الطواغيت.
قال: والله يا شيخ إني بأحبك مهما قلت عني...
قلت: أما أنا فأغشك إن قلت لك أني أحبك، لا والله لا أحبك ما دمت تلبس هذا اللباس وما دمت من حراس القانون الوضعي.. لكن والله الذي لا إله إلا هو إني أحب لك الخير.. وأتمنى لك الهداية.
قال: يا شيخ والله أنا بصلي وبأقرأ القرآن ورايح هاليومين على العمرة.
قلت: أما صلاتك وقراءتك للقرآن وغير ذلك من العبادات فلا تقبل من غير توحيد قال تعالى عن أعمال المشركين وصلاتهم وصيامهم {وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءاً منثوراً} أليس طهارة الجسد من النجاسات والوضوء، شرط لصحة الصلاة؟؟.
قال: نعم.
قلت: فأعظم من هذا الشرط وقبله، شرط التوحيد"طهارة النفس من الشرك" فالله لا يقبل صلاةً ولا صياماً ولا حجاً ولا عمرة بدون هذا الشرط، لذلك فأنت ستذهب إلى العمرة حاملاً الشرك معك وسترجع بماء زمزم والمساويك والطواقي والشرك أيضاً، تذهب وترجع به لأن العمرة والحج وغيرها من أعمال البر قد تُسقط كثيراً من الذنوب إلا الشرك، فلابد من الإقلاع عنه والبراءة من كلّ ما يُعبد من دون الله، قبل الصلاة والصيام والحج.
قال: شرك يا شيخ؟ إنت شايفنا بنعبد غير الله وإلا بنصلي لغيره.. حرام عليك يا شيخ تقول عنا مشركين... الرسول يقول: "من كفّر مسلماً فقد كفر..".
قلت: نعم أنت ربما لا تصلي لغير الله ولا تصوم لغير الله ولا تحج لغير الله... لكنك تتلقى التشريع والأمر والنهي مطلقاً من غير الله، ولذلك فأنت عندما نجادلك بطاعة أسيادك بالمعصية تقول: أنا عبد مأمور. وقد قال تعالى: {ءأربابٌ متفرقون خيرٌ أمِ الله الواحد القهار؟} فأنت تحرس وتحمي وتحفظ القانون الوضعي المضاد لشرع الله، مع أنّ الله تعالى قد أمرك أن تكفر به وتجتنبه.. قال تعالى: {ولقد بعثنا في كلّ أمة رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به}.
والطاغوت: عام يشمل الأوثان المعبودة من دون الله، وكذلك كلّ من عُبد من دون الله من شياطين الإنس والجن بأي نوع من أنواع العبادة وهو راضٍ.
قال: نحن لا نعبد أحداً غير الله.
قلت: الطاعة بالتشريع عبادة قال تعالى عن أهل الكتاب {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} وذلك لأنهم أطاعوهم في التشريع... وقال تعالى في مسألة واحدة من مسائل التشريع وهي الذبح، وذلك عندما كان المشركون يُجادلون المسلمين في حكم الميتة، ويزعمون أنه لا فرق بينها وبين المذكاة.. قال سبحانه {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}.
قال: لا أحد منّا يقول أن الميتة كالمذبوحة.
قلت: نعم ربما ولكن أنتم أو أسيادكم تقولون {إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرّم الربا} ولذلك يُبيح أسيادكم الربا كإباحة البيع والتجارة ويُقيمون له المؤسسات والصروح الربوية الضخمة ويضعون له التشريعات المختلفة التي تبيحه وتحميه كما في قوانينكم التجارية.
أما قولك "من كفر مسلماً فقد كفر" فهذا ليس بحديث... وإنما الحديث "من قال لأخيه المسلم يا كافر فإن كان كذلك وإلا حار عليه" والفرق بين اللفظين؛ أن الأول معناه أن المسلم لا يمكن أن يكفر أبداً، وهذا غير صحيح، فإن المسلم إذا نطق أو فعل أو اعتقد الكفر كفر، ولذلك قال الله عن أُناس كانوا مسلمين في زمن النبي e وخرجوا معه في غزوة عظيمة للجهاد في سبيل الله قال عنهم لما صدر منهم بعض الإستهزاء بحفظة القرآن: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} وفي كتب الفقه تجد باباً مفرداً اسمه "باب حكم المرتد" وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه.
أما الحديث الصحيح فهو يُبيّن أنه إن كان المسلم الموصوف بالكفر كذلك، أي فيه الكفر.. فلا حرج على من كفّره وإنما الحرج والخوف على من كفّر مسلماً لم يقع منه شرك أو كفر.. ونحن لا نكفّر المسلمين وإنما نكفّر المشركين من عبيد الطاغوت وجنده وأنصاره الذين يحرسون القانون الوضعي ولا يتبرأون منه ويسجنون أنصار الشريعة والتوحيد ويُحاربونهم لتوحيدهم...
قال: طيّب يا شيخ منطق إذا عديناكم ترفضوا أن يلمسكم الشرطي أو الضابط يعني نحن نجسين.
قلت: قال الله {إنما المشركون نجس} ثم قال تطهيراً للبيت الحرام وحفظاً لجنابه من رجس المشركين {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} والمسلم الموحّد أكرم على الله من الكعبة، والذي أعتقده أن النجاسة هنا هي النجاسة المعنوية وليست الحسية خصوصاً في حقّ من يدّعي الإسلام ويؤدي بعض العبادات التي تستلزم الطهارة والوضوء، فأنتم ربما كانت أجسادكم نظيفة فيما يظهر للنّاس ولكن نفوسكم ليست كذلك ما دامت متلطخة بالشرك غير متبرئة منه.. ونحن لا نرفض مبدأ لمسكم لنا أثناء العدد لأجل النجاسة أو الطهارة، فأنتم عند التفتيش تلمسوننا، لكننا نرفض ذلك ما استطعنا إليه سبيلاً، لأن أكثركم أهل كبرٍ وتعجرف وقد رأيناكم تعدّون السجناء بطرق استفزازية كالغنم والدواب ونحن نأبى أن نعطي الدنية في ديننا.. ولو سكتنا عن ما ترونه الآن هيّناً فستطاولون علينا بأكثر منه كما هو الحال فإنكم تعدون كثيراً من النزلاء كما شاهدناه في سجون أخرى ضرباً بالكيابل والخراطيم، ونحن أصحاب دعوة عظيمة أعزنا الله بالتوحيد وإنما سجنا من أجله، فلا نرضى الذلة وإن كنا في الأسر، ونرفض أن نُعامل كمن جاء هنا على هتك عرض أخته أو غيرها...
قال: ولكن أسلوبكم فظ وغير جيد أما الجماعة الفلانية فهم أصحاب الأسلوب الجيّد يُصافحوننا ويبتسمون لنا ولذلك فهم الذين نخاف منهم أن يجنّدوا من يتأثر بهم وبأسلوبهم.. أما أنتم فتنفرون عن دعوتكم بأسلوبكم هذا وبعدم السلام علينا.
قلت: أولاً: أنا ليس هدفي عندما أتعامل معك بهذه الطريقة أو أدعوك إلى التوحيد أن أجنّدك لي أو أنظمك في جماعةٍ أو حزبٍ ما ـ كما هو ربّما هدف الآخرين الذين تحدثني عنهم ـ وإنما هدفي الأول: أن أُخرجك من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد وأدعوك أول ما أدعوك لا لأجندك لي أو لحزب معين بل أدعوك لتترك جيش الطاغوت والقانون الوضعي وتصير جندياً للتوحيد والشريعة والإسلام ومُرادي بهذا الأسلوب أيضاً أن أُظهر هذا التوحيد العظيم الذي يتضمن البراءة من الشرك وأهله ـ لعل الله أن يجعلني من الطائفة الظاهرة القائمة بدين الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله. فأنا اُعاملك بهذه المعاملة، فلا اُصافحك أو أسلّم عليك لأعرّفك بحكمك، ولأظهر لك أنك على الكفر والشرك ما دمت تنصر القانون الوضعي وتخذل شرع الله فأدعوك بذلك لترك ما أنت عليه من نصرة الشرك والمشركين لتنجو من نار وقودها النّاس والحجارة بخلاف من يُربّت على كتفك ويُداهنك ويُصافحك ويبتسم في وجهك فيُزيّن باطلك ويُقرّك على شركك، أترى مَن مِن الفريقين أحرص على مصلحتك؟؟.
والله إننا نحب لك الخير، ونحن أحرص على البلد ومصلحتها بل وعلى مصلحة حاكمك الذي تُطيعه وتحرسه أكثر منك يا من تحرس قانونه ونظامه.
قال: كيف..؟؟.
قلت: إن مثلي ومثلك ومثل واقع هذا البلد وملكها ـ كمثل قطار يستقله ملكك ونظامه ومن شايعه وآزره.. وينطلق فيهم على سكة بأقصى سرعة، وهذه السكة تؤدي إلى هاوية سحيقة في قعر جهنّم ـ والعياذ بالله ـ فأنا وأمثالي من دعاة التوحيد، نقف في وجه هذا القطار ونحاول منعه بمن فيه من السقوط في تلك الهاوية ونحجزه عنها وننادي بهم ابتعدوا عن التشريع مع الله، إياكم والشرك بالله اتركوا القانون الوضعي، حرّموا الربا، اجتنبوا الزنا، دينوا بدين الحق، وأنت وأمثالك من جنود الطاغوت والقانون ماذا تفعلون؟؟.
قال: نضع في القطار مزيداً من الوقود كي يفرمك ويدوسك أنت وأمثالك ممن يقفون في وجهه..!!.
قلت: نعم هذا واقعك، تدفعونه دفعاً ليفرمني ويُعرض عن دعوتي ويتناس تحذيراتي ومن ثمَّ يهوي في قعر تلك الهاوية السحيقة.. إذن فأنا أحرص منك على مصلحة البلد ومصلحة أهله الحقيقية، فأنا أبذل حياتي وعمري لأجل انقاذك من الشرك والنّار، وأنتم تُكافئوني وأمثالي من الدعاة على ذلك بالسجن والأذى والتعذيب...
ثم تأتي بعد ذلك لتعطيني محاضرات في أسلوب الدعوة إلى الله...
فتب إلى الله ودع عنك نصرة الشرك والقانون الوضعي، قبل أن تتكلم في الأسلوب وغيره من الفروع.
وإياك أن تموت على الحال التي أنت فيها، فوالله إن حصل لك هذا فلن تفلح إذاً أبداً..ا.هـ
الشبهة الأولى : العذر بالجهل
يقول البعض إن هؤلاء العسكر المباحث أو غيرهم جهَال بحاجة إلى من يعلمهم ويدعوهم ويبين لهم فهم لا يعرفون أن سادتهم طواغيت وأن طاعتهم لهم في التشريع عبادة وشرك وبناء على هذا فتوليهم لهم وحراستهم ونصرتهم ووو ليست كفرا .
وللرد على هذه الشبهة يقال :
لا خلاف في أهمية واستحباب دعوة هؤلاء العساكر وغيرهم وأنّ ذلك من أحسن الأعمال قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
لكن كُلٌّ مشرك بالله في العبادة قبل الدعوة وأثناءها وبعدها ما داموا غير ملتزمين بالتوحيد ولا كافرين بالطواغيت فهم مشركون.
والقول بأهمية دعوتهم لا يغير من حكمهم ولا يجعلهم موحدين أو يرفع مسمّى الشرك عنهم فالله عزّ وجلّ يقول {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } .
فقد سمّاهم الله بالمشركين قبل أن يسمعوا كلام الله ووصفهم بذلك مع أنّهم لا يعلمون ( أي جهّال ) .وأمره لنبيه صلى الله عليه وسلّم بدعوتهم وإسماعهم وتبليـغهم الدعـوة لم يغيِّـر من ذلك الوصـف شيـئاً لا قبل الدعوة ولا أثنــاءها ولا بعـدها ما دامـوا ملازمـين للشرك غير ملتزمـين للتوحيـد .
وذلك لأنّ الشرك الأكبر المناقض للحنيفية السمحة وهو صرف شيء من العبادة الظاهرة لغير الله عزّ وجلّ أمر لا يُعذر فاعله بالجهل أصلاً فقد أقام الله عزّ وجلّ عليه حجته البالغة من أبواب شتى ذكر العلماء منها:
1- الأدلّة الكونية الظاهرة الدالة على وحدانية الله، حيث يستدل بربوبيته على وحدانيته سبحانه فالذي خلق ورزق وصوّر ودبّر هو وحده الذي يجب أن يُعبد ويشرّع ولا يجوز شرعاً وعقلاً أن يُصرف شيء من ذلك لغيره سبحانه {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}.
2- ومنها أخذه سبحـانه الميثـاق على بني آدم في ذلك حيـث استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر قال تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ }. فلم يعذرهم الله تعالى بدعوى الغفلة والجهل وتقليد الآباء في الشرك الظاهر المستبين ، بعد أن أخذ ميثاقهم على أن لا يتخذوا رباً سواه.
3- ومنها فطرة الله التي فطر الناس عليها وغرسها في قلوب العباد على أنّ الخالق الرّازق هو وحده المعبود المشرِّع كما في الحديث الذي يرويه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" وفي رواية (ويشركانه) وهي في صحيح مسلم وفي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم أيضاً "إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرّمت عليهم ما أحللت لهم".
4- وإضافة إلى ذلك أرسل سبحانه الرسل جميعهم من أجل هذه الغاية العظيمة {* وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ} ، {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فمن لم تصله رسالة نبي سمع بغيره.
إذ جميعهم وإن تنوّعت شرائعهم إلاّ أنّ دعوتهم إلى تحقيق التوحيد وهدم الشرك والتنديد واحدة.
وقد قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وقد صدق الله وحده فبعث للناس كافة رسله ، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أوضح به المحجة وأقام به الحجة ، وليس بعده ثم رسول.
5- وأنزل سبحانه الكتب جميعها تدعوا إلى هذه الغاية العظيمة وختمها بكتاب لا يغسله الماء لا يبلى ولا يبيد فتكفّل بحفظه إلى يوم القيامة وعلّق النذارة ببلوغه في كثير من أبواب الدين.
فكيف بأعظم وأهم وأخطر باب من تلكم الأبواب (التوحيد) قال تعالى {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} وقال تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} .
ثم عرّف البيِّنة والحجّة سبحانه بقوله {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } .
فمن بلغه هذا القرآن العظيم فقد قامت عليه الحجّة والنذارة ، خصوصاً في أوضح أبواب الدين الذي بعث كافة الرسل من أجله.
أمّا أن يُراد بالحجة وقيامها أن يؤتى إلى كل واحد في مكانه فتقام عليه الحجة فهو ما أنكره الله تعالى في قوله تعالى عن المشركين {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } .
ومعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن شأنه في دعوة الطوائف الممتنعة، أنه كان يراسل رؤوس تلك الطوائف دون آحاد رعيتهم ، ولم يكن يشترط أو يأمر رسله وأمراءه بوجوب تتبع آحاد الناس لإقامة الحجة عليهم ، خصوصاً في المحاربين .وأن الحال عند العلماء بعد انتشار الإسلام وفشُوِّه في أرجاء المعمورة ليس كالحال في فجر الدعوة وأول الإسلام أو مع حديث العهد بالإسلام.
وهؤلاء الطواغيت وأنصارهم من عساكر القانون يقتفون آثار من قبلهم من المشركين في الإعراض عن القرآن المتضمن للتوحيد وإهماله وينفرون من سماع الحق كنفور وفرار الحمر الوحشية من الأسد، فهم مشركون جهال بجهل اكتسبوه بإعراضهم عن التذكرة المحفوظة والحجة القائمة بين أيديهم ..
لا لجهل سببه عدم بلوغ الرسالة ، أو لجهل سببه العته أو الجنون أو الصغر أو نحو ذلك من موانع الأهلية ..أضف إلى ذلك أنهم محاربون ممتنعون عن شرائع الإسلام بشوكة ، ومعلوم أن المحارب لا تجب إقامة الحجة عليه …ولذلك فرق العلماء في هذا الباب بين من كان قتاله قتال دفع وبين من كان قتاله قتال طلب،ثم يأتي أولئك المجادلون عن هؤلاء المحاربين لدين الله وأوليائه ليرقِّعوا باطلهم, فيزعمون أنّ الحجّة غير مقامة عليهم, ولازم هذا -مع مافيه من جهل- مناقض ومعارض لقوله تعالى {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} وقد علمتَ أنها مقامة في أصل التوحيد من وجوه وأبواب شتى.
ولذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم لرجل سأله عن أبيه: "إن أبي وأباك في النار" رواه مسلم مع أنّهم من القوم الذين قال الله فيهم {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} .
وما ذلك إلاّ لأنّ أصل التوحيد والتحذير من الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى، قد أقام الله عليها الحجة البالغة كما تقدّم من أبواب شتى وأرسل بها الرسل أجمعين .
ومع هذا يأتي بعض من لا يعرفون من الدين إلاّ الاسم ولا من معالمه إلاّ الرسم يطالبون بإقامة الحجة في باب الشرك الواضح المستبين والتوحيد الذي هو أحق حقوق الله على العبيد ، والذي بُعِث من أجله جميع الرسل وأُنزلت له كافة الكتب وتواترت عليه الحجج .
وربما أقاموا على ذلك شبهاً بآيات يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} يريدون: أنّه لا تكفير إلاّ بعد إقامة الحجّة في كل باب حتى في الشرك الأكبر الواضح المستبين.
وليس في هذه الآية وجه دلالة على قولهم الفاسد هذا فالله جلّ ذكره لم يقل "وما كنّا مكفرين حتى نبعث رسولاً"! .
وإنّما قال {معذِّبين} والمقصود بذلك عذاب الإستئصال الدنيوي وهي كقوله تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} , أو العذاب الأخروي كما قال تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى} .
أمّا التكفير خصوصاً في الشرك الأكبر وعبادة غير الله فليس هو المراد بذلك، إذ الكافر إمّا أن يكون كافراً معانداً كالمغضوب عليهم عرفوا الحق وكفروا به، أو يكون كافرا جاهلاً معرضاً أو مضلّلاً كالضالِّين الذي لبّس عليهم علماؤهم.
وليس كل كافر يكون كفره عن علم وجحود للحق بل أكثر الكفار جُهّال ضلاّل وإنما أوردهم النار كفرهم بتقليد ساداتهم وكبرائهم وآبائهم ويحسبون أنّهم يُحسنون صنعاً .
وباب الشرك الأكبر الصريح قد أقام الله عليه حججه البالغة فلا يُعذر الجاهل فيه لأنّ جهله والحالة كذلك إنما يكون إعراضاً عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله وليس جهل من لم تقم عليه الحجّة .
وفي قصة زيد بن عمرو بن نُفيل عبرة فقد حقّق التوحيد دون أن يبعث رسول خاص بزمانه وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم مباشرة فقد كان من القوم الذين قال الله تعالى فيهم {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} ومع ذلك فقد كان زيد حنيفاً على ملّة سيدنا إبراهيم اهتدى إلى التوحيد بفطرته فكان يبرأ من طواغيت قومه ويجتنب عبادتها ونصرتها، وكان ذلك كافياً لنجاته، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده، ورآه صلى الله عليه وسلم ، وقد قُدِّمت له سُفرة "مذبوحة على نصبهم" فأبى أن يأكلها وقال: (إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم) وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول :( الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله ، إنكاراً لذلك وإعظاماً له) رواه البخاري. .
فتأمّل كيف أنّ التوحيد مزروع في الفطرة وأنّ الشرك هو الطارئ الذي اخترعه الناس وانحرفوا إليه .
فهذا رجل لم يأته نبي خاص بزمانه، ومع هذا عرف التوحيد وحقّقه فنجا وعُذر بتفاصيل الشريعة والعبادات التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الحجّة الرسالية فقد كان يقول كما في رواية ابن إسحاق: " اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به ، ولكني لا أعلمه ، ثم يسجد على الأرض براحته ".
فعُذر بترك الصلاة والصيام ونحوه من الشرائع التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الرسل .
بينما لم يُعذر أهل زمانه ومنهم والديّ النبي صلى الله عليه وسلّم لأنّهم لم يحقِّقوا التوحيد ويبرأوا من الشرك والكفر والتنديد مع أنّـهم لم يأتهم نذير كما أخبر تعالى.
فتدبّر هذا المعنى جيداً واعلم أنّ هذا الباب (باب العذر بالجهل) قد تكلّم فيه العلماء وخاض فيه المتأخرون ولا يفهمه حق الفهم إلاّ من أحاط به من جوانبه أمّا من أخذ منه بنص واحد وبنى عليه المسائل الكبار فقد جانب الصواب وأبعد النجعة.
واعلم بعد هذا كله أنّ كفر هؤلاء الطواغيت وأنصارهم اليوم ليس هو من الجهل بمعنى عدم بلوغ الحجّة الرسالية فقد بُعِث خاتم الرسل وليس بعده ثَم رسول, وكتاب الله الذي عُلِّقت به النذارة محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو بين أيديهم
ولكن أكثر الناس استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فهم معرضون عن طلب الحق وعن اتباعه فكفرهم كفر إعراض وليس بسبب عدم بلوغ الحجّة الرسالية .
ثم اعلم أن الذين {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} كانوا يجهلون أنّ الطاعة في التشريع عبادة وشرك كما في حديث عُدي بن حاتم الصحيح بمجموع طرقه وفيه قوله "ما عبدوهم" فما كانوا يعرفون أن الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع عبادة ومع هذا كفروا بصرف ذلك لغير الله وصاروا به متخذين أرباباً من دون الله ولم يُعذروا بهذا الجهل.
لأنّ الأمر منافٍ للفطرة التي فطر الله الناس عليها, فالذي خلق ورزق وصوّر وبرأ هو الذي لا يجوز أن يشرِّع ويأمر ويحكم أحد سواه ، وقد بعث الله كافة رسله وأنزل جميع كتبه لأجل توحيد الله بالعبادة وإفراده بالحكم والتشريع واجتناب عبادة من سواه ، ثم الأمر بعد ذلك في زماننا أوضح من ذلك فهذا الضابط أو ذلك الشرطي وذلك المخابرات أو الأمن الوقائي، إذا ما سألته عن دينه زعم أنّه الإسلام وأنّ كتابه القرآن، وأنه يتلوه آناء الليل وأطراف النهار زيادة في إقامة الحجة!! ثم هو مع ذلك يخذل الإسلام والقرآن ويحاكم ويسجن ويتجسّس على من يسعى لتحكيمه ونصرته ويحارب كل من يدعوا إلى التوحيـد والـبراءة من الشرك والتنديد وينصر في المقابل شرع الطاغوت وقانونه الوضعي ودستوره الشركي الذي ألغى أحكام الشرع ويظاهر أولياءه من أعداء التوحيد ويتولاهم ويُعينهم على أهل الحق .
فهل مناقضة هذا لدين الله تخفى على من زعم الإسلام ؟ وهل هي من الغامضات والمشكلات الملتبسات حتى يقال "لم تقم عليهم الحجّة"؟.
إنّ الأمر والله أوضح من الشمس في رابعة النهار.
فها هنا صفّان وفريقان يختصمون: صف شرك وصف توحيد صف القانون الوضعي وصف الشريعة المطهّرة وهؤلاء القوم يختارون بمحض إرادتهم وبكامل عقلهم واختيارهم صف الطاغوت إمّا حبّاً له أو استحباباً للحياة الدنيا "الراتب والتقاعد" ونحوه على الآخرة يقاتلون في سبيله وينصرونه ويحاربون من ناوأه أو اجتنبه من أهل صف التوحيد{الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}.
ولذلك سيقول هؤلاء الجند يوم القيامة عندما يعاينون فوز أهل التوحيد وهزيمة وهلاك أهل الشرك والتنديد {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَا اتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } .
فتأمل قولهم {فأضلّونا السبيلا} هل عُذروا به؟! .
وقال عن كثير من الكفار بأنّهم كانوا {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} و{وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} وكل ذلك لم ينفعهم لأنّهم نقضوا أمراً بيناً ظاهراً أقام الله عليه حجّته البالغة وأرسل من أجله جميع رسله ولو كان خطأهم وانحرافهم حصل في أمر غامض ملتبس وكان عندهم أصل الإسلام لكان حالهم فيه على غير هذا ().
والكلام في هذا الباب يطول وقد فصّل فيه أهل العلم() وفي هذا القدر في هذا المحل كفاية لمن أراد الهداية.
الشبهة الثانية :الإكراه والاستضعاف والرزق
يقول الكثير من هؤلاء إنهم مكرهون على العمل وليس لديهم بديل إذا تركوا عملهم هذا ويقول البعضإنّ كثيراً من هؤلاء العساكر لا يحبّون الطاغوت بل منهم من يكفر به يبرأ من قانونه الوضعي وهم في قلوبهم يبغضون الطاغوت لكنّهم يعتذرون بالرزق والراتب وأنّه لم يبق لبعضهم إلا سنوات قليلة على التقاعد.
وللرد على هؤلاء المتعذرين بالإكراه نسأل سؤالا واحدا وهو هل الذي يذهب مختارا بنفسه لطلب هذه الوظيفة ويوافق على شروطها وبنودها ثم يستمر فيها عشرات السنوات وهو يذهب كل صباح ويعود في الظهر ويأخذ الرواتب والبدلات والأوسمة والنياشين والرتبة تلو الرتبة يسمى في دين الله مكرها ()
وأما الذين يقولون نحن لا نحبهم ونكرههم ونذمهم ونبرأ إلى الله منهم وغير ذلك من الشبه السابقة الخ فنقول لهم() : أن نقول إنّ الفرق بين أهل السنّة وغيرهم من أهل الزيغ والضلال: أنّ الإيمان عند أهل السنّة اعتقاد بالجنان وقول باللِّسان وعمل بالجوارح والأركان وليس هو فقط اعتقاد بالقلب باطنا.
فالكفر بالطاغوت لا بد أن يكون ظاهراً وباطناً ولذلك كنّا مطَالبين في شريعتنا بالأخذ بالظاهر وعدم البحث عن الغيب الذي في القلوب والذي لا يعلمه إلاّ الله .
فالمنافق إذا أبطن الكفر وبغض الشريعة لكنّه أظهر لنا الإيمان بالله والكفر بالطاغوت والتزام شعائر الإسلام الظاهرة ولو كان ذلك عنده خوفاً من سلطان الإسلام فإنّنا مطالَبون بمعاملته بالظاهر ولا دخل لنا بباطنه .
ولذلك فإنّه يُحسب على المسلمين ويُعصم دمه ومالـه وحسـابه في الآخـرة على الله حيث قال تعـالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} والعكـس بالعكـس.
فكـذلك من زعــم أنّه مؤمن بالله في باطنه كافر بالطاغوت في قلبه وكان ظاهره مخالفاً مناقضاً لزعمه بأن صار من عساكر الشرك وأنصار الطاغوت يكثِّر سوادهم وينصر ويحرس قانونهم "الطاغوت الذي أمره الله أن يكفر به" ويتولاهم ويظاهرهم على المسلمين فإنّنا نأخذه ونحكم عليه بظاهره هذا .
لأنّنا كما في الحديث "لم نؤمر أن نشقّ عن قلوب الناس ولا عن صدورهم" .
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري "إنّ ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدِّقه وإنْ قال أنّ سريرته حسنة" .
وفي حديث البخاري أيضاً في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف الله بأوله وآخره مع أنّ فيهم من ليس منهم والمجبور ونحوهم .
ففي ذلك دلالة واضحة على هذا الأمر، لأنّ أمّ المؤمنين حينما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن حكم هؤلاء الذين خرجوا مكثرين لسواد ذلك الجيش وليس بنيّتهم قتال المؤمنين قال: "يهلكون مهلكاً واحداً ويُبعثون على نيّاتهم يوم القيامة" .
وفي هذا يقول شيخ الإسلام()رحمه الله وهو يتكلم عن جيش عبيد الياسق "الدستور التّتري" وفيهم من كان يصلِّي ويزعم الإكراه ونحوه .
قال: "فالله تعالى قد أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته –المكره فيهم وغير المكره- مع قدرته على التمييز بينهم ، مع أنه يبعثهم على نياتهم ، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ذلك ؟! " أ.هـ
أقول: وأنّى لنا ذلك؟ وكيف؟! وهل لنا إلاّ أحكام الظاهر .
فهذا صفٌّ خرج محارباً لأهل الإسلام مكثرا لسواد أهل الشرك والأوثان فحكم من كان فيه وأظهر تولِّيه ونصرته في الدنيا حكمهم وليس لنا نحن بأحكام الآخرة الآن.
ويدل على ذلك معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلّم للعباس حين أُسِر في صف الكفار ببدر فزعم أنّه مسلم وأنه خرج مكرهاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم "أمّا سريرتك فإلى الله وأمّا ظاهرك فلنا" .رواه الإمام أحمد وفيه راو لم يسم لكن أصل القصة في صحيح البخاري وفيها أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم له أن يفدي نفسه كالمشركين ، فعامله معاملة الصف الذي خرج مكثِّراً لسواده وهذا هو ما نفعله تماماً مع عساكر الشرك وأنصار القانون .
أفلا يسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو أتقانا وأخوفنا لله وأورعنا في التكفير والحكم على الناس وفي غير ذلك.
ومن تأمّل حال هؤلاء القوم لم يجدهم مكرهين بحال بل هي أعمالهم ووظائفهم التي يفخرون بها ويتقاضون عليها الرُّتب والرواتب والأجور .
وأي إكراه هذا الذي يُدفع لصاحبه أجراً وينال عليه الامتيازات ويمكث فيه العشرة والعشرين سنة نصيراً للشرك بزعمهم مكرها؟؟!
فإن تعذّروا بالاستضعاف فقد تعذّر به قوم من قبلهم فما قُبل منهم وهم قوم أسلموا بمكة ولم يفارقوا صف المشركين إلى صف أهل التوحيد فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون في مقدمة الصفوف.
وتأمل كيف أنهم لم يخرجوا معهم متطوِّعين ولا دخلوا جيشهم راغبين يأخذون على ذلك الرتب والرواتب كحال هؤلاء ومع ذلك أنزل الله تعالى فيهم قرآناً يبّين أنّهم ليسوا بمعذوريـن في ذلك ولا هم بمستضعفين فقال سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟} .
أي: في أي صف كنتم ؟ أفي صف التوحيد والشريعة ؟ أم في صف الشرك والتنديد والدستور الوضعي والقانون الكفري ؟! .
والجواب الواضـح الصحيح أن يقولوا: كنا في صف المشركين ولكنهم لما عاينوا هلاك أهل هذا الصف ، حادوا عن هذا الجواب ، إلى التعذر بالاستضعاف ، ظانين أن هذا ينفعهم في البراءة من الشرك والمشركين.
فتأمل كيف يحاولون التبرؤ من صف الطاغوت وجيشه الذي هلكوا فيه منذ اللحظة الأولى من لحظات الدار الآخرة لأن هذا أهم أمرٍ فرّطوا فيه وأهملوه وهو الأمر الذي أوردهم المهالك .
ولكن هل ينفعهم ذلك وقد ماتوا في صفه ولم يفارقوه ويبرءوا منه في الدنيا؟! فتأمل كيف يجيبون على سؤال الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ } .
تلك حجتهم التي توارثوها عبر جيوش الكفر {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} وهكذا يجيبوننا دوماً عندما ندعوهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد .
وهكذا يجادل عنهم المجادلون عندما نبيّن حكمهم في دين الله وموقفهم من التوحيد يقولون: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} الراتب.. والبيت.. والرزق... فهل يُقبل منهم مثل هذا؟!
تأمل جواب الملائكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه {قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا ذلك الصف الشركي إلى غيره؟ .
ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار،هل تراه يعجز عن أن يرزق المتقين والأبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد وأهله؟ تعالى الله علواًّ كبيراً عما يصفون.
وتأمل تهديد الله ووعيده لهم بقوله {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} مع أنّهم لم يخرجوا في ذلك الجيش متطوعين ولا مختارين لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ الأمر فلمّا عزم الأمر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين .
ثم قال تعالى {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} فلم يعذر الله سبحانه وتعالى بعذر الاستضعاف إلا من لا يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى الله من صف الكفار كأن يكون جريحاً أو عاجزاً أو مقيداً أو مأسوراً أو لا يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى الصف المسلم كأن يكون امرأة أو صبياً أو شيخاً أو ضعيفاً .
ثم رغّب الله تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير الواسع فمن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه, وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية فقال {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرض مراغماً كثيراً وسعة } كما قال في مقام اخر من مقامات دعوته عباده المؤمنين إلى البراءة من الشرك وأهله: { و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم }.
وصايا للمجاهدين
التفريق بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعيّة والعمليّة:
حين يتحدّث النّاس عن الجهاد في سبيل الله تعالى، فهذه كلمة جميلة وجميلة جدّاً - الجهاد في سبيل الله تعالى - ولكنّ واقع الجهاد ليس جميلاً كلّه في كلّ أحداثه، فالجهاد ليس هو هذه الخطب الرّنّانة، وليس هو تلك الكلمات الجميلة، وليس كلّه غنائم وسبايا، وليس كلّه نصرٌ مؤزّر، وليس كلّه خطبٌ ناريّة، بل فيه موت الحبيب، وفيه جرح الصّديق، وفيه تطاير الأشلاء وفقد المال، وفقد المُعيْن، وبمعنى آخر فيه جانب من المشقّة، بل المشقّة العظيمة، ثمّ فيه اختلاط الجنود وحصول الخصومات بين النّاس، فهذا ضرب هذا، وهذا خاصم هذا، وهذا شطّ على هذا، فهو حركة بشريّة، وفيه أخطاء واجتهادات، وتأويلات بعضها يستساغ وبعضها ليس كذلك، فهناك حدٌّ فاصل بين جمال الفكرة وسموِّها وبين واقعيّتها.
لو أخذنا تصوّر النّاس وخيالهم لِواقع الدّولة الإسلاميّة، لوجدنا أنّها أقرب ما تكون في أذهانهم إلى عالم الأحلام، عالم مليء بالصّور الجميلة، والفراشات الطّائرة، والألوان الزّاهية، والسّماءُ تُنزل غيثها على الدّوام، والضّرع مليء في كلّ حين، والأعداء يخافون جانبنا لِما يعلمون من نزول الملائكة معنا في القتال، فهم يتصوّرون دولة الإسلام التي لا فقير فيها، ولا مريض فيها وكلّ من طلب شيئاً فهو بين يديه، ولكن لو نظرنا لدولة النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما وجدنا هذه الجنّة، بل لوجدنا أنّ معاناة الصّحابة رضي الله عنهم في دولة الإسلام في المدينة أشدّ من معاناتهم وهم في مكّة.
فهل حصل للصّحابة رضي الله عنهم في مكّة ما حصل لهم في غزوة الخندق {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظّنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً} في دولة الإسلام زاغت الأبصار وبلغـت القلوب الحناجر، وابتلاء كالزّلزال بل هو الزّلزال نفسه.
قارن بين هذه الصّورة وبين الصّورة التي يحاول رسمها مشايخ هذا الزّمان لدولة الإسلام، فهم يَعِدون النّاس بالدّولة التي لا خوف فيها ولا مشقّة، بيتٌ لكلّ إنسان، طعـامٌ لكلّ بطن، والنّاس يدخلون في الإسلام لمجرّد رؤيتهم لنا ولدولتنا، وعلى هذا فالنّاس يأتون إلينـا (إلى جماعتنا) لأنّ في أذهانهم أننا الحزب الذي سيؤمن لهم من النعيم الدنيوي أكثر مما تؤمنه الأحزاب الأخرى.
لكن لو قلت لكم: إنّ ثلاثةً من الخلفاء الراشدين ماتوا قَتلاً، وعلى يد أُناس لم يحتاجوا لكثير من التخطيط لقتلهم:
- فعمر بن الخطاب رضـي الله عنه قتله عدوّ الله أبو لؤلؤة المجوسيّ وهو قائم في صلاة الفجر، بين يدي شيوخ المسلمين وعلمائهم وقادتهم ورؤسائهم.
- عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه انطلق الهوجاءُ وسيطروا على المدينة حتى دخلوا على الخليفة الصائم رضي الله عنه وذبحوه في بيته (في وسط المدينة بين الناس).
- عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، في وسط المسجد وهو قائم يدعو الناس إلى صلاة الفجر، وبين طائفة، يأتيه ابن ملجم الخارجيّ فيضرب هامته بالسّيف بتصرُّف فرديّ وباتّفاقٍ مع آخرين على قتل معاوية وابن العاص ، وهذا عصر الخلافة الراشدة وما أدراك ما بعده ولذلك علينا أن نقول: إنّ الذين يتصوَّرون عالم الإسلام العَمَلي (حركة المرء المسلمة في الحياة) هو عالم لا يمتّ إلى عالم البشر، وهو خارج عن حركة الحياة برمّتها هؤلاء واهِمون، ويعيشون تهويمات وخيالات فبمجرد اصطدامهم بالصّورة الحقيقيّة لهذه الحياة ستجدُهم ينقلبون على أنفسهم، يعلنون اعتزالهم وعدم قدرتهم على تحمُّل هذه الحياة.
إنّ العيش مع الكتب وبين الكتب، ومع الأفكار والقلم والورقة ليس هو الإسلام إنّما الإسلام هو حركة الحياة، حركة البشر (الإنسان) بما فيه من صواب وخطأ، فالصواب يقوَّى ويدعّم، والخطأ يقوَّم ويصلح، فعالم الإسلام العملي فيه الصواب وفيه الظلم، فيه الصدق وفيه الكذب، وكلٌّ له مقامه في الإسلام.
الإسلام يعترف بوجود الخطأ كوناً، ولا يلغيه في الخلق والوجود ولذلك أنزل الله تعالى الحدود وأنزل العقوبات، وأنزل الأحكام، والخطاب الرباني في ذلك كلِّه للمجتمع المسلم الموحّد المجاهد وليس هو خطاب لغير المسلمين.
على الرغم أن عصر الفتنة بين علي رضي الله عنه وخصومه (عائشة ومعاوية رضي الله عنهما ) هو عصر نَكِلُ فيه أصحابه إلى الله تعالى، ولا نقول فيه إلاّ ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكامه كقوله صلى الله عليه وسلم لعمَّار: ((تقتلك الفئة الباغية)) وغيره من الأحاديث، لكن لو حاولنا استطلاع ورؤية الواقع عن قرب (وهو عصر مبكر وقريب من القرون الخيريّة بل هو منها) لرأينا هولاً، ولرأينا من الأمور التي تشيب لهولها الأطفال، انظر:
1 - الخوارج (أربعة آلاف رجل مقاتل قرّروا قتال عليّ رضي الله عنه وثلاثة آلاف في الكوفة قرّروا عدم قتاله ولا القتال معه) طلب منهم عليّ رضي الله عنه أن (نمضي إلى قتال عدوّنا وعدوّكم معاوية)، لكنّهم يرفضون حتّى يعلن اعترافه بالكفر والتّوبة عنه، فيقيم لهم عليّ رضي الله عنه ملحمة في النّهروان بعد قتلهم عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ وزوجته الحامل، فقَتَلهم ولم ينجُ منهم سوى (400) رجل جريح.
2 - معركة الجمل في الخريبة قرب البصرة [حسب رواية عمر بن شبة] وهي معركة بين مسلمين بل بين القبائل نفسها (مضر ضدّ مضر وربيعة ضدّ ربيعة ويمن ضدّ يمن) إخوان في الدّين والمنهج والنّسب، وقُتِل فيه طلحة والزّبير (المبشّرين بالجنّة).
3 - معركة صفّين بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما، معركة حصل فيها مجزرة مع أنّ بعض النّاس حرّضوا على الصّلح وقالوا: "من لثغور الشّام بعد أهل الشّام؟ من لثغور العراق بعد هلاك أهل العراق، من للذّراري والنّساء، ألا تذكرون الأرحام؟" وبعيداً عن ضعف الرّوايات التي ذكرت الهول في القتلى لكن بلا شكٍّ أنّ القتل كان عظيماً.
4 - ردّة بعض النّصارى بعد إسلامهم حتّى قالوا: والله لدينُنا الذي خرجنا منه خيرٌ من دين هؤلاء الذين هم عليه، ما ينهاهم دينهم عن سفك الدّماء وإخافة السّبيل وأخذ الأموال. [الطّبريّ]، وقاتلهم عليّ على الردّة.
ثمّ بعد ذلك كلّه عام الجماعة، ثمّ حرب عبد الله بن الزّبير ، ثمّ... ثمّ...
فهذا جانب من حركة الإنسان (أي الإنسان) لا ينبغي أن يُنسى أو توضع عليه الأيدي لنُفهم النّاس أنّ حياة المسلم كلّها قيامُ ليل، وصيامُ نهار، وعفوٌ متكرّر، وعطاءٌ متكرّر، وخيرٌ دائم حتّى اصطبغت صورة الوليّ في خيال الإنسان المسلم على هيئة الغاز المثالي، أي الذي لا وجود له()
الوليّ هو إنسان.. إنسان.. بشر.
المجاهد هو إنسان.. إنسان.. بشر.
أمّا تصوير صورة الإسلام العملي وعالم الإسلام والمسلمين على صورة أفلام الكرتون أو عالم الجنّ والملائكة فهي صورة تُهين الإسلام أكثر ممّا ترفعه.
إنّنا نقول هذا لأولئك القوم الذين يعطّلون عظائم الأمور ويوقفونها لمجرّد بعض الأمور الصّغيرة، فحساسيّتهم أمام الأخطاء تجعلهم يضعون العصبة على عيونهم لحجبها عن رؤية الخير والنّعمة والفضل الإلهيّ.
إنّ الجهاد في سبيل الله تعالى حركة بشريّةٌ، وحركة من أجل السّلطان والمُلك، ففيه تتداخل كلّ انفعالات الإنسان، ومن دعا للسّيف أو حرّض على السّيف، فلا ينتظر أن يناقشه النّاس ويحاربوه بالخطب الرّنّانة والورق الصّقيل، بل عليه أن يحضّر نفسه ليذوق حرّ السّيف، هذه هي سنّة الله تعالى، وللذّكر فإنّ الخلفاء الثّلاثة (الشّهداء) ما ماتوا بيد الكفّار بل ماتوا بيد مسلمين (فسقة، مبتدعين) فأبو لؤلؤة الفارسيّ ليس من أهل الشّرك (ومحاولة إثبات مجوسيّته دونها خرط القتاد وإن نُسب إليها) وأبو ملجم من الخوارج (ولم يكفر أوائلهم إنّما الخلاف فيمن أتى بعدهم)، والثّائرون على عثمان (بعض قادتهم صار من قادة جيش عليٍّ رضي الله عنه).
ولذلك من وضع رجله ويده في هذا السّبيل، سبيل إعادة سلطان الله تعالى إلى الأرض بالجهاد في سبيل الله تعالى، ووقف نفسه للتّحريض ضدّ الطّواغيت، وإزالة عروشهم، ودكّ طغيانهم، فهذا رجل نهايته معلومة، وإن لم يحضّر نفسه لذلك فهو رجل مستريح (أي لاعقل له) فهذا طريق نهايته إمّا بَرْد العدل أو حرّ السّيف.
نعم يسعك أن تُنشئ مجلّة أو نشريّة لتكوِّن حزباً معارضاً، وحزباً ترقيعيّاً تطلب الإصلاح وتنتظر الفرج بإخراج المساجين، أو موت ملكٍ ليأتي غيره فربّما يكون خيراً منه، فحينئذٍ أمرُكَ سهلٌ وهيّن، فأنت رجل سياسة وكلمة، وملفّك عندهم لا يعدو أن تكون معارضاً محترماً، أي تحترم حدود المعارضة السّياسيّة.
أما وقد قلت: الجهاد والقتال، فما عليك إلاّ أن ترتقب، فلست أنت بخير من أسلافك الأخيار، ولست أنت بخير من أقرانك، فليس عبد الله عزّام عنك ببعيد، وليس الشّيخ عمر عبد الرّحمن عنك ببعيد، وليس الشّيخ أبو طلال القاسميّ عنك ببعيد، وليس الشّيخ أنور شعبان عنك ببعيد، وليس أبو عبدالله أحمد عنك ببعيد، وليس... القائمة طويلة يا عبد الله ويكفيك هذا.
فهذا أمر تشيب له الولدان، وليس له إلاّ الرّجال، ففكّر كثيراً قبل أن تخوض، وإيّاك أن تقول: لقد ورّطوني، فما ورّطك أحد، فنحن لم نضمن لك حصول الوزارة والمنصب، ولم نضمن لك ملائكة تجاهد معك لا يخطئون، ولم نضمن لك مسدّساً ينزل من السّماء يعرف المؤمن من الكافر والسّنّي من البدعيّ، ولم نضمن لك نبيّاً قائداً يوحى إليه، فقد نقول لك اليوم قولاً ونرجع عنه غداً، ونقول لك: هذا ما رأينا، وما شهدنا إلاّ بما عَلِمنا وما كنّا للغيب حافظين، فإن أردت (الغاز المثالي) اصعد القمر، فإن أعجزك فالكثير من النّاس قد سلكوا سبيل السّلامة وجلسوا كالعصافير مع أبنائهم في أعشاشهم ، يأكلون ويشربون ويرقبون الحياة من وراء زجاج بيوتهم، هذا في وقت المدافع، فإذا سكنت سيخرجون علينا بمواعظهم العظيمة ليقولوا لنا: لقد قلنا... وقد توقّعنا... وقد أنذرنا... وقد.. وقد... ألسنة طويلة نسأل الله تعالى قصّها.
{سلقوكم بألسنة حداد أشحّة على الخير}.
إنّ الكثير من المُقعَدين يُتقنون نقد لاعبي كرة القدم، ولكنّهم أصحاب أصوات عالية في قيادة المعركة على كرسي النّظارة، وهم شهد الله يعرقون ويتصبّبون عرقاً وتُبحّ أصواتهم لكنّهم يلعبون كرة القدم بأيديهم().ا.هـ
2-أن حُكم قتال المرتدِّين أشدُّ من حكم قتال الكفَّار الأصليين:
من قرأ سيرة الصحابة رضي عنهم في حروبهم وجهادهم رأى بكلِّ وضوحٍ أنَّ جهادهم للمرتدِّين وخاصَّة قتال بني حنيفة أتباع مسيلمة كان من أشق الحروب وأتعبِها عليهم فقد جهِدوا فيها جهداً عظيماً، وقال أهل السيرة أنَّ عدد من قُتِل من المسلمين يقارب الألف، وعدد قتلى بني حنيفة (10) آلاف نفس، وكان عددٌ كبيرٌ من القتلى هم من حملة القرآن، وكانت هذه المقتَلة سبباً في إقبال الصديق رضي الله عنه على جمع القرآن، ثمَّ من نظر في مسيرة التاريخ الإسلامي رأى أن حروب المسلمين لطوائف الزَّندقة كانت من أشدِّ البلاء على المسلمين، أشدّ من قتالهم للكفار الأصليين، ولو تمعَّنا في سبب هذا الخصوص في قتال المرتدين لرأينا أن الأمر يرجع إلى سببن اثنين، وبفهمهما تدرِك جماعات التوحيد والجهاد أن ما هم عليه من أمر هو أمر خاص لا يقوى له إلاّ الرِّجال ولا يقوم له إلا من أخلص وجهه لله سبحانه وتعالى، هذان السببان هما:
1 - أن حُكم قتال المرتدِّين أشدُّ من حكم قتال الكفَّار الأصليين :
قال الغزالي()رحمه الله : والقول الوجيز فيه أنه يُسلك بهم (أي الزنادقة الباطنية) مسلك المرتدِّين في النَّظر في الدم والمال والنِّكاح ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات، أما الأرواح فلا يُسلك بهم مسلك الكافر الأصلي، إذ يتخيَّر الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين المن والفداء والإسترقان والقتل، ولا يتخيَّر في حق المرتد، بل لا سبيل إلى استرقاتهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المنِّ والفِداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم، هذا حكم الذي يُحكَم بكُفرهم من الباطنية، وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم، بل نغتالهم ونسفك دماءهم، فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم. ا.هـ.
فالمرتد أحكامه في القتال أشد من الكافر الأصلي. وكذلك لا يجوز مصالحة ومهادنة وأمان المرتدين، ويجوز مصالحة ومهادنة وموادعة الكفار الأصليين: - قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين، أو طائفة منهم لبُعد دارهم، أو كثرة عدوِّهم أو خلة بالمسلمين (أي اضطراب أمور المسلمين)، أو بمن يليهم منهم جاز لهم الكف عنهم، ومهادنتهم على غير شيء يأخدونه من المشركين، وإن أعطاهم المشركون شيئاً قل أو كثر كان لهم أخذه().
وجاء في «السير الكبير» وشرحه للشيباني بشرح السرخسي()رحمه الله : وإن لم يكن بالمسلمين قوة عليهم فلا بأس بالموادعة، لأن الموادعة خيرٌ للمسلمين في هذا الحال، وقد قال الله عز وجل: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكَّل على الله}.
وقال ابن قُدامة()رحمه الله : وتجوز مهادنتهم على غير مال، لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مالٍ يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى.
هذا في أحكام الكفار الأصليين فإنه يجوز للإمام وللمسلمين موادعتهم ومصالحتهم وبسط أحكام الموادعة وموجباتها مفصَّلةٌ في كُتُب الأئِمَّة، ويـجب الوفاء لهم بهذا، ولا يجوز الغدر ولا الخيانة إلا أن ينقُضوا العهد والمواثيق. أما المرتدُّون فلا يجوز موادعتهم ولا مصالحتهم، قال أبو الليث السمرقنديرحمه الله : إن أخذ الجِزية وعقد الذمة مشروع في حق جميع الكفار إلا مشركي العرب، والمرتدِّين، فإنه لا يقبل منهم الجزية، كما لم يُشرع فيهم الإسترقاق. قال الكاساني() رحمه الله عند شرحه لما تقدَّم: فإنه لا يقبل من المرتد إلا الإسلام أو السيف لقول الله تعالى: {تقاتلوهم أو يسلمون} قيل إن الآية نزلت في أهل الردَّة من بني حنيفة ولأن العقد في حق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لأنَّ الظَّاهر أنه لا ينتقل عن دين الإسلام بعدما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختيار وشؤم طبع فيقع اليأس عن فلاحه فلا يكون عقد ذمة.
قال القرطبي()رحمه الله : قال الأوزاعي: تؤخذُ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذِّب، وكذلك مذهبُ مالكٍ، فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربياً، أو عجمياٌ، تغلبيّاً أو قرشياً كائناً من كان إلا المرتد.
قال ابن تيمية()رحمه الله : وقد استقرت السنَّة بأن عقوبة المرتدِّ أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة، منها أن المرتد يُقتل بكلِّ حال، ولا يُضرب عليه جِزيَة، ولا تُعقد له ذمَّة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزاً عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام ا.هـ.
وعلى هذا فأحكام قتال المرتدين أشد من أحكام قتال الكفَّار الأصليين، ولما علمنا أن حكام بلادنا مرتدُّون فلا يجوز مصالحةُ أحدٍ منهم أو مسالمته أو مهادنته تحت دعوى المصلحة، أي أنه لا يجوز لجماعات الجهاد أن تداهن أحداً من هؤلاء المرتدِّين أو تُسالمه أو تتعاون معه في قتالها لطائفة الكفر في بلدها، فلا يجوز لجماعة الجهاد في الجزائر أن تسالم المرتد الحسن الثاني حاكم المغرب من أجل تحقيق مصلحة الجهاد في الجزائر، ولا يجوز لجماعة الجهاد في ليبيا أن تسالم المرتد حسني مبارك من أجل تحقيق مصالح موهومة للجهاد في ليبيا، ولو زعمت جماعات الجهاد وجود مصلحة ما فهي مصلحة ملغية لا قيمة لها، وهي تفسد الكثير من المصالح المعتبرة التي أمر الشارع بإقامتها، فكيف ستصنع جماعة الجهاد في الجزائر مع إخوانهم المجاهدين في ليبيا أو المغرب إن صالحوا حكام هذين البلدين، ولو أن جماعة الجهاد في ليبيا هي كذلك صالحت حاكم الجزائر فكيف سيكون الحال عندئذ، فإذا وقع هذا وقعت الخصومة بين المجاهدين أنفسهم، خاصَّة أن كل جماعة ترى في حاكم بلدها من الطغيان ما لا يراه الآخر، فأيُّ مصلحة تزعمها أي جماعة هي مصلحةٌ ملغاة، لا يعتبرها الشرع، أما مصالحة ومهادنة الكفار الأصليين وعقد عقود الأمان معهم فإن الشارع الحكيم قد أجازه في بعض الظروف كما هو مبسوط في كتب الفِقه، وعلى المسلمين أن لا يتركوا مصلحة الجهاد خوفاً من إشاعات السوء والفتنة التي نشرها الملاحدة في بلادنا، أي خوف القول بالعمالة، فإن العقل المسلم صار أسير الدِّعاية التي يُطلقها اليساريون والقوميُّون الكفرة، بحجة أن أي عمل يعمله المسلم مع الكافر الأصلي هو عمالة وأجر، حتى لو استوردت السِّلاح منهم، أو عاملتهم بما يوجبه الشارع الكريم، وصار مجرَّد الجلوس مع رجل ما يعدُّ تهمة وسبة في جبين الرجل، مع أن_َّ هؤلاء الملاعين من أصحاب هذه الدِّعايات هم أولى الناس بالدخول في تهمة العمالة والأجرة، نعم لا يجوز لآحاد المسلمين أن يتكلَّم أو يعقد باسم الأمة، بل لا يقوم بهذا إلا أهل الشأن الذين يدرسون الأمر بعناية، وسائقهم في ذلك مصلحة المسلمين والإسلام وليس مصالحهم الذَّاتية، وكذلك لا يقوم بهذا إلا من كان خبيراً بمسالك الحياة قادراً على تحديد الأمور تحديداً شرعياً بضوابطه التي أمر الله تعالى، مع بقاء البغض والبراءة من الشرك وأهله على جميع أصنافه وصُوَرِه وإعلان ذلك وعدم إخفائه.
إذا فهمنا هذا فإن جماعات التوحيد والجهاد تعيش في هذا الزمان حالةً خاصًّة، وهي من أقسى الحالات التي مرت على المسلمين، فإن هذه الجماعات تقدّ في الصخر وتحفِر فيه، فإنها تنطلق من قواعد غير أمينة لتجاهد أعداء الله تعالى من المرتدين.
كان المسلمون الأوائل يخرجون للجهاد وقد حضَّروا أنفسهم وجهَّزوا أمورهم وهم في أرضِهم وبلدِهم آمنون.
أما اليوم انظر إلى واقع الجماعات المجاهدة فإنها جاءت إلى واقع مقفَّل لا منفذ لهم فيه، وقد ترقَّت الدُّوَل العلمانية الكافرة اليوم في الحالة الأمنية الرُّقي الشديد ما لم يكن بمثل هذه الصورة المتينة في أي يوم من الأيام، وليس للجماعات المجاهدة أرض ينطلقون منها، ومع ذلك فهم يواصلون الطريق بكل آلامها وجروحها فلو أصابتهم مصيبة في لقاء ومعركة من المعارك فليس لهم أرض يفيئون إليها، ولا فئة ينحازون إليها، فيا الله ما أعظم هذا النوع من الجهاد وما أشقه!!.
نعم إنَّ جهاد المرتدين اليوم جهاد شاق وفيه من البلاء والعنت ما الله به عليم، والرَّجل المجاهد ملاحَقٌ من بيت إلى بيت، وأهله تحت سطوة الطاغوت وقوَّته، أي أنه مكشوفٌ نصفه، بل أغلبه، فهذا جهاد خاص ولذلك له أجر خاص كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أجر المتمسك بدينه في مثل هذه الأزمان له أجر خمسين من الأوائل، لأن المجاهدين اليوم لا يجدون على الحق أعواناً وكان الأوائل يجدون على الحق أعواناً.
انظر اليوم كم يُعاني الأخ من أجل أن يصل إلى أرض الجهاد، وكم يبذُل من الجهود والتفكير، وكم يلاقي من العذاب والمشقة من أجل أن يصل إلى أرضٍ ليجاهد فيها، وتفكَّر في هذه القيود الأمنية التي يخترقها الشباب المسلم الموحِّد حتى يطبِّق فريضة وعبادة القتال في سبيل الله تعالى ضد المرتدين؟.
هل مّر على المسلمين مثل هذه الحالة من قبل؟.
الجواب :لا.
انظر اجتماع العالم أجمع - كفاراً ومرتدين - من أجل تطويق الجهاد والمجاهدين، وهم لا ظهر يحميهم ولا دولة ترعاهم، ولا إعلام يوصل صوتهم، فهل مرَّ على المسلمين على مدار التاريخ مثل هذه الحالة؟. الجواب: لا.
2 - وأما السبب الثاني فهو موافقة الأمر القدري للأمر الشرعي المتقدِّم وأعني أنه لما جعل الشَّارع الحكيم سبحانه وتعالى حكم المرتد أشد من حكم الكافر الأصليّ إنِّما هو لأن المرتد في نفسه وحاله يستحق هذا الحكم وهو ملائمٌ له وقد أشار الكاساني رحمه الله في كلامه المتقدم إلى هذا المعنى، وهو أن المرتد لم يقع منه هذا الكفر إلا بسبب انحطاط نفسه وخُبثها وعظيم شرِّها، فإن من أسلم وعرف حقيقة هذا الدين وعظَمَته وأثره على النفوس والحياة ثمَّ انقلب عنه بغضاً وكرهاً لما أنزل الله تعالى فإن هذا الشخص يستحق هذا الحكم في حقِّه، وهو أنه لا يستحق هذه الحياة، فليس له أن ينعم بخيراتها ولا يأكل من ثمارها.
ولما كان بغض المرتدين لهذا الدين وكذلك بغضهم لأهله شديداً كان قتالهم للمسلمين شديداً، بخلاف الكفار الأصليين فإن الكثير منهم لا يعرف لماذا يقاتل ولا علامَ يقاتل، بل هو يُساق إلى الحرب سَوقاً، ولذلك بعد أن تضع الحرب أوزارها فإن كثيراً منهم يدخل في دين الله تعالى، وهذا حال الدول والممالك والأقطار التي فتحها المسلمون الأوائل رحمهم الله تعالى، فإن تلك البلاد دخل أصحابها في دين الله تعالى أفواجاً.
وقد أشار الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله في كتاب له «ردَّة ولا أبا بكر لها» إلى حقيقة نفسيَّة هؤلاء المرتدِّين، وأنَّها أعتى نفسية مرَّت على وجه التاريخ، بل هي اقتبست معالمها من نفسيَّة الشيطان ذلك أنه لما رأى نفسه قد حكم الله تعالى عليه الخلود في جهنَّم فإنه طلب من الله تعالى أن يُمهِله إلى نهاية الدُّنيا حتى يفتِن كثيراً من النَّاس فيذهب بهم معه إلى جهنم، فإنه نقم على الناس طُهرَهم وعفافهم وإيمانهم، وكذا المرتد فإنَّه ينقم على الناس إسلامهم، وأذكر أنه الشيخ أبا الحسن قد ذكر في كتابه نفسية هذا المرتد وحلل هذا النوع من الإنسان وأنه يرى نفسه قد ضعف أمام الشهوة، إما شهوة المال أو شهوة المنصب أو شهوة النساء فيرى نفسه حقيراً ذليلاً وهو يرى أمامه شاباً مسلماً قد ترفَّع عن هذه الشهوات وضربها بحذائه واستمسك بدينه فيَنقِم عليه هذه الفضيلة ويستصغر نفسه أمامه فبدل أن يؤوب إلى رشده ويهتدي إلى رحمة الله فإنه لنفسه الخبيثة يحقد على هذا الشاب لأنه يذكِّره بضعفه وعجزه، فيكون له كالمِرآة، ولذلك عندما تسمع أو تقرأ هذه القصص الحقيقية من تعذيب المرتدِّين للمسلمين فإنَّها لهولها تكاد تدخل في عالم الخيال والخرافات، لأن هذا النوع من البشر ليس له مثيل في الظلم والكفر والعدوان.
إذاً فقتال هذا النوع من البشر قتالٌ خاص في شدَّته وهوله وعظمته، وهو يقاتَلُ إلى آخر رمَق وإلى آخر نفس، وإني لأعجب من أصحاب النظر الصوفي الجديد حين يأملون الهداية لهؤلاء المرتدين، إن هؤلاء القوم جدُّ واهمون ولا يعرفون حقيقة حكَّامهم().
ها نحن أمام تجربة معاصرة في فلسطين : المقارنة بين اليهود وعرفات، في مظاهرة واحدة لأهل مسجد في غزة حاول الناس أن يخرجوا في مظاهرة فقُتِل منهم أكثر من (15) شخصاً، وهذا لم يحدث قطُّ في أي مظاهرة في تاريخ اليهود اللعين في فلسطين، فأيُّهما أشدُّ كُفراً وغلظة على المسلمين.
ولعلّ البعض سمعوا عن ذلك الرجل الجزائري حين قبض عليه المجاهدون وهو في صف الطاغوت، فوضعوا المسدس على رقبته وطلبوا منه أن ينطق بالشهادتين فأبى ذلك واستكبر.. فأي نوع من البشر هؤلاء القوم.
كان القدماء يضربون المثل ببطش التتار، ولكن هل بطش التتار يعادل دمويَّة صدام حسين، وهل ظلم الكافرين في كل تاريخهم مع المسلمين يعادل كفر وظلم القذافي؟ وهل خبث اليهود يعادل خبث الملك حسين؟ وهل تعذيب النازيين يعادل تعذيب سجون مصر؟ وهل حكم النصارى في لبنان يعادل حكم النصيريين في سوريا؟.
وهل مرَّ في تاريخ الإنسانية قط نظام يعادل نظام آل سعود: ليس هناك ثمّ وثيقة بين الحاكم والمحكوم، فالحاكم يملك كل شيء والناس عبيده وخدمه.
أي عَرَاقة في الإجرام والكفر تسري في دماء هؤلاء القوم؟!!، كفرٌ ما بعده كفر، وإجرامٌ ما بعده إجرام.
فوالله إنَّ رجلاً من المسلمين يفكِّر لحظة في احتمال وجود الخير في هؤلاء أنه رجلٌ مخبول، وإن رجلاً يفكِّر بطريقة أخرى غير السيف يعالج بها هؤلاء القوم أنَّه رجل مخبول.
إنّ هؤلاء الحكَّام وطوائفهم لا ينفع مهم إلاّ الهرس حتى النهاية()ا.هـ
3—أنّ المسلم المجاهد عليه أن يسعى إلى عدم تسليم نفسه والدعوة إلى ظاهرة الاختفاء :
بل والتحرك لفكّ العاني (الأسير)، ونصرة المظلوم، وردع الظّالم فالمتمعّن لقصص الأنبياء في القرآن الكريم يجد للأنبياء عليهم السّلام قضيّة محوريّة يلتقون حولها جميعاً، ويدعون النّاس إليها، ألا وهي كلمة التّوحيد، ثمّ إنّنا نرى كذلك أنّ النّبيّ كان يأتي ويحمل قضيّة أو قضايا مهمّة مع التّوحيد، وكانت تشكّل هذه القضيّة الأخرى امتحاناً لموضوع الاستجابة لألوهيّة الله على عباده، فلوط عليه السّلام كان مع دعوته للتّوحيد داعياً إلى التّخلّص من الرّذائل الخلقيّة المعروفة مثل إتيان الذّكران والتّبارز بالضّراط في المجالس، وهي التي قال فيها الرّب سبحانه وتعالى: {وتأتون في ناديكم المنكر}، فهذه القضايا التّشريعيّة تشكّل الامتحان لمدى الاستجابة لكلمة التّوحيد، ولقضيّة تأليه ربّ العالمين.
وقد حدّثنا القرآن الكريم كثيراً عن موسى عليه السّلام، وتكرّرت أحاديث القرآن عن هذا النّبيّ العظيم، وهو من أولي العزم من الرّسل، وكانت قضيّة التّوحيد هي مدار دعوته، وحمل معها قضايا مهمّة أخرى، ومن أهمّ هذه القضايا التي نازع موسى عليه السّلام الأرباب الباطلة بها هي إخراج بني إسرائيل من حكم الطّاغية: قال تعالى: {ثمّ بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، وقال موسى يا فرعون إنّي رسول من ربّ العالمين، حقيق على أن لا أقول على الله إلاّ الحقّ قد جئتكم ببيّنة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل} الأعراف.
وقال تعالى: {اذهبا إلى فرعون إنّه طغى، فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى، قالا ربّنا إنّ نخاف أن يفرط علينا أو يطغى، قال لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى، فأتياه فقولا إنّا رسولا ربّك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذّبهم قد جئناك بآية من ربّك وسلام على من اتّبع الهدى} طه.
ثمّ حكى الله تعالى هذه القضيّة في سورة الشّعراء آمراً موسى وهارون عليهما السّلام: {فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول ربّ العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل}.
فهذه قضيّة حكاها القرآن الكريم في ثلاثة مواطن، قضيّة إخراج بني إسرائيل المعذّبين من حكم فرعون الطّاغية، وهي كذلك ههنا في هذا العصر، قضيّة مهمّة، عظيمة القدر؛ قضيّة إخراج المساجين والأسرى والمعتقلين من سجون أهل الكفر والشّرك، ومن سجون المرتدّين.
والسّجن هو إحدى صور العذاب التي يمارسها الطّغاة ضدّ الموحّدين، قال تعالى على لسان فرعون: {لئن اتّخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين} الشّعراء، وقال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال.
وههنا نكتة بديعة على الأنبياء، وهم أعظم النّاس قدراً وأرفعهم منزلة وأوثق النّاس بربّهم، هذا الفعل هو الهروب والتّخفّي، فموسى عليه السّلام خرج من مصر في أوّل الأمر {خائفاً يترقّب} ثمّ خرج ببني إسرائيل على وهدة من عيون فرعون وقومه، وكذلك خروج محمّد صلى الله عليه وسلم من مكّة متخفّياً خوفاً من قريش وبطشها، ولم يعتبر هذا الصّنيع قادحاً في حقّ هؤلاء الأنبياء، أو بخادش رجولتهم وعصمتهم وعظمتهم، وأقول هذا الكلام تنبيهاً على ما سمعت أنّ بعض المشايخ أنّه لمّا عرض عليه الهرب وقد حضر جند الطّاغوت للقبض عليه في منزله أنّه أنِف هذا الفعل، واعتبره خادشاً لكرامته ومكانته، وقال: أنا فلان المشار إليه بالبنان وو ولست لصّاً حتّى أهرب، ولعلّه كذلك أنِف وترفّع أن يتدلّى بحبل من منزله ليخرج من الشّبّاك حتّى لا يقبض عليه جند الطّاغوت، وهذه النّفسيّة هي مصيبة ولا شكّ، فهي تدلّ على أنّ قادة العمل الإسلاميّ إلا من رحم الله هم أبعد النّاس عن نفسيّة الرّجل المقاتِل، أو نفسيّة الرّجل الواعي لطبيعة الصّراع بين الحقّ والباطل.
فالسّجن أحد أساليب الطّغاة في ردع الدّعاة والمصلحين، والسّجون الآن تعجّ بكثرة الموحّدين فيها، وقد تبجّح الكفر الآن وعربد بما لم يكن له مثيل بيومٍ من الأيّام، فما هو السّبيل الشّرعيّ والكونيّ لردع هؤلاء المجرمين عن غيّهم؟! وما هو الطّريق الشّرعيّ والكونيّ لإخراج هؤلاء المساجين من معاقل الطّغاة؟ إنّه ولا شكّ الجهاد في سبيل الله تعالى.
وفكّ العاني واجب شرعيّ على المسلمين حيث وقع لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فكّوا العاني وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)) رواه البخاريّ عن أبي موسى رضي الله عنه. قال ابن حجّر: قال ابن البطّال: فكاك الأسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور. ا. هـ. ويقول عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: (لئن أستنقذ رجلاً من أيـدي الكافرين أحبّ إليّ من جزيرة العرب). ورويَ أنّ الحجّاج بن يوسف الثّقفي غضب على واليه في السّند غضباً شديداً، وذلك بسبب امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السّند فجهّز الجيوش المتواصـلة، وأنفق بيوت الأموال حتّى استنقذ المرأة وردّها إلى أهلها ومدينته() .
وفكّ العاني المسلم هي صورة من صورة الولاء بين المسلم وأخيه المسلم.
وليعلم أنّ ما يعانيه المسلم السّجين هو شيء يفوق الوصف والخيال، حتّى أنهم قديماً كانوا يعدّون السّجين كأنّه منفيّ من الأرض، وأنّه خارج الحياة. يقول الشّاعر
إذا جاءنا السّجّن يوماً لحاجـة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا؟
والحضارة الشّيطانيّة المعاصرة ابتكرت من الأساليب الوحشيّة لتعذيب خصومها شيئاً يفوق الخيال، وليس سجين اليوم هو مجرّد رجل محبوس في جبّ فقط، مع أنّ مجرّد هذا الحبس هو عذاب شديد، ولكنّهم يمارسون على هذا السّجين ألوان العذاب وصنوف القهر ما الله به عليم، فإذا علمنا هذا تبيّن لنا الواجب الشّرعيّ الملقى على عاتق الأمّة في تخليص هؤلاء الأسارى، جاء في "القوانين" لابن جزي() : يجب استنقاذهم (أي الأسارى) من يد الكفّار بالقتال، فإن عجز المسلمون عنه وجب عليهم الفداء بالمال.
قال ابن تيميّة في الرّسالة الماتعة المسمّاة بـ "الرّسالة القبرصيّة"، يدعو فيها صاحب قبرص إلى الإحسان إلى أسارى المسلمين عنده، ويبيّن سعيه الجادّ في استخلاص أسارى المسلمين بل وأسارى أهل الذّمّة يوم ذاك، قال: وقد عرفت النّصارى كلّهم أنّي لمّا خاطبت التّتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم قازان... فسمح بإطلاق المسلمين، ثمّ بيّن بعدها طلبه في إطلاق أسارى أهل الذّمّة.
هذه النّصوص وغيرها تبيّن مدى الواجب الملقى على المسلمين في إطلاق أسارى المعتقلين والمساجين من سجون المشركين والمرتدّين، ولقد بلغ عدد الموحّدين الذين نقم منهم الطّاغوت طهرهم وعفافهم وإيمانهم بالله تعالى الأعداد الكبيرة، ففي مصر لوحدها عدد المساجين من الجماعات المسلمة في سجون الطّاغوت المصريّ أكثر من خمسين ألف سجين، علاوة على أولئك الشّباب الذين ما يكاد الواحد منهم يخرج حتّى تدركه (شرطة) الشّرك وتعيده مرّة أخرى، وههنا نقطة مهمّة، وهي أنّ المسلم المجاهد عليه أن يسعى إلى عدم تسليم نفسه إلى هؤلاء المشركين الملاعين في بلادنا، بل عليه أن يسعى جهده أن يفرّ منهم وإلاّ فليقاتل حتّى يقتل، ووالله قد سعدت وفرحت أشدّ الفرح لهذه السّابقة العظيمة التي للشباب المجاهد في جدة ومكة والرياض والذي أبى أن يسلّم نفسه لزوّار الفجر المشركين من المباحث اللعينة، بل قاومهم() حتّى سقط شهيداً إن شاء الله إذا قتل عزيزا بطلا إذا أسر، ووالله إنّ قتال هؤلاء المرتدّين أحبّ وأفضل من قتال اليهود، لأنّه لم يقع لليهود علينا سلطة، ولم يكن لهم علينا سبيل، إلاّ بحبل هؤلاء المرتدّين الزّنادقة()، وهذه السّابقة التي وقعت في عدم الرّضوخ لتسليم الشّباب المسلم أنفسهم للطّاغوت هي بشرى خير، وهو أنّ هؤلاء الشّباب أتقنوا المسألة، وقد مضت إن شاء الله تعالى تلك الأيّام التي كان الشّباب المسلم المجاهد في الجزيرة العربية يسلّم نفسه إلى المباحث طوعاً واختياراً، ولعلّ الأهوال التي كان يراها المعتقلون من المسلمين في مبنى الرويس أو الحاير هو الذي ردّ الفكرة إلى رؤوسهم: أنّ الموت أفضل بدرجات من أن يساق المسلم كالذّبيحة إلى مسلخه، وقد كان هؤلاء الزّنادقة المرتدّون يدخلون الشّباب المعتقل وهم يتهازجون أهازيج الفرح وكأنّهم في عرس (عليهم من الله اللعائن) لكنّها إن شاء الله بعد اليوم لن تكون زيارة الفجر رحلة سهلة لهم. هذا أملنا وفي الله رجاؤنا، وإنّ تكرار هذه العمليّة سيجعل الذين يفكّرون بالرّاتب الجيّد في العمل مع المباحث محسوباً عليهم أنّ روحه ستكون ثمناً لهذا الرّاتب فها هو الدّم قد سال ومسيل الدّم علامة الفرج وفيه بشرى الإفاقة إن شاء الله().
فليتنبه شباب الجهاد إلى هذه الحقائق وحتى لا يخرج البحث عن المقصود نكتفي بما تقدم سائلين الله العون والفتح والنصر .
خلاصة وخاتمة البحث
بعد هذه الجولة السريعة مع مسألة هي في أمس الحاجة أن تبحث من قبل طلبة العلم المجاهدين الذين لايخافون في الله لومة لائم فيصدعون بالحق في زمن الانبطاح ويرفعون الرؤوس في زمن الخضوع ويتراصون الصفوف في زمن التفرق وقد توصلت في هذا البحث إلى الآتي :
أولا : أن هذا الأقسام المباحث أو الإستخبارات أو مباحث أمن الدولة أو الأمن الوقائي أو الأمن السياسي أو ما شئت من أسماء هي أقسام كافرة مرتدة لا شرعية لها، يجب جهادها وقتالها.
ثانيا : أن تبين الموانع إنما يكون في المقدور عليه وأما المحارب وغير المقدور عليه فليس كذلك.
ثالثا : أن قتال المباحث حتى لو فرضنا جدلا أنهم مسلمون هو من باب دفع العدو الصائل وأن قتيل المباحث إلى النار وقتيل المجاهدين من الشهداء .
رابعا : أن شبهات القوم ردها سهل لمن هداه الله ووفقه ولكنه زمن الغربة لدين الله وأهله .
خامسا : أنه يجب على المجاهدين التفريق بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعيّة والعمليّة .
سادسا : أن حُكم قتال المرتدِّين أشدُّ من حكم قتال الكفَّار الأصليين .
سابعا : أنّ المسلم المجاهد عليه أن يسعى إلى عدم تسليم نفسه والدعوة إلى ظاهرة الاختفاء .
وقبل الأخيرأوجه هذه الدعوة لمن يعمل في ما سبق ذكره() : إلى أولئك الذين هان عليهم دينهم، وسهل عليهم التجسس على المسلمين لصالح الطواغيت باسم الدين، متذرعين بفتاوى بعض المضللين المشبوهين ممن ظاهرهم العلم .. مقابل مبلغ زهيد يعطونه على كل تقرير يكتبونه إلى مخابرات الطواغيت .. لا يحسب هؤلاء أنهم على خير، أو أنهم على شيء .. وليتذكروا أن لهم يوماً سيسألون فيه عما يفعلون .. وينتصف الله تعالى منهم لعباده المظلومين.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من أعان ظالماً بباطل ليدحض بباطله حقاً فقد برئ من ذمة الله U وذمة رسوله "أخرجه الطبراني .
فكيف بمن يعين الطواغيت الظالمين على اعتقال المسلمين الموحدين وقتلهم، وانتهاك حرماتهم ..؟!
فكم من تقرير ظالم كتبه مخبر حقير أدى إلى اعتقال عشرات من الشباب المسلم الموحد ـ لعشرات السنين ـ في أقبية وزنازين الطواغيت .. إن لم يكن سبباً في قتلهم وإعدامهم ..!
وفي صحيح مسلم وغيره:" المؤمن من أمنه المسلمون على أنفسهم وأموالهم .. والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
فالذي لا يأمنه المسلمون على أنفسهم .. ولا يسلمون من شر يده
ولسانه .. فهو بنص الحديث ليس من المؤمنين ولا المسلمين.
فاتق الله يا عبد الله .. واحذر أن تكون ممن يتجسسون لصالح الطواغيت الظالمين .. أو يجادلون عنهم .. أو يُقاتلون دونهم .. فتهلك وتخسر دنياك وآخرتك.
وأخيرا نقولها صريحة واضحة بيِّنة : إننا لا نُكفِّر مسلماً بذنب غير مكفِّر ما لم يستحِلّه ، ولا نكفِّر الناس كلهم بالعموم كما يرمينا بذلك أعداؤنا من الطواغيت ويبهتنا به خصومنا من جماعات الإرجاء وإنّما نكفِّر من هدم التوحيد أو أعان على هدمه أو أتى بشيء من نواقضه أو عادى أهله نصرة لأعدائه من أهل الشرك والتنديد ومظاهرة لهم على الموحدين.
ونعرف أنّ للكفر شروطاً وموانع ولا نكفِّر إلاّ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ونعلم أنّ المرء قد يصدر منه قول الكفر أو عمله، ولا يكفر لقيام مانع من موانع التكفير.
وكل ما تكلمنا به في هذه الأوراق وغيرها إنّما هو في كفر أعداء التوحيد وعساكر الشرك والتنديد الذين مرقوا من الدين وحاربوا أهله ونصروا الدستور الشركي والقانون الوضعي .
وكفر هؤلاء أوضح عندنا من الشمس في رابعة النهار بالأدلّة الشرعية وليس بالهوى أو التقليد أو الاستحسان.
فنقول لخصومنا : اتّقوا الله {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } بيننا وبينكم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم لا نقبل حكماً غير ذلك إيتونا منه بدليل وبرهان ينقض ما قلناه وستجدوننا إن شاء الله تعالى أسعد الناس به وأول من يرجع إليه {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
أمّا الشقشقات الفارغة والسفسطات الجوفاء والاتهامات الباطلة التي لا يسنـدها دليل وبرهـان شرعي ولا تنبني على الكتـاب والسنة فإنها مـردودة على صاحبـها ومن لم يقبل بالدليل الشرعي ويذعن له وينقاد فلا خير فيه ولا ينفع فيه تقصير أو تطويل الكلام .
قال تعالى {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}.
ورحم الله ابن القيِّم إذ يقول في نونيّته عن الكتاب والسنة:
من لـم يكــن يكـفيــــه ذان فلا كفـاه الله شرَّ حـوادث الأزمـان
من لـم يكــن يشــفيـــه ذان فلا شفـاه الله في قلب ولا أبـــدان
من لـم يكــن يـغــنيـــه ذان رمـاه رب العـرش بالإقـلال والحرمان
إنّ الـكلام مـع الكبـار وليـس مـع تلــك الأراذل سفـلـة الحيـــوان
وصلى الله وسلّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
تم تحميل هذه المادة من موقع
منبر التوحيد والجهاد www.tawhed.ws
حقوق النشر غير محفوظة
قال تعالى عن فرعون وجنوده:) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يُذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين . ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين . ونُمكن لهم في الأرض ونُريَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ( القصص :3 -6.
وقال تعالى:) إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ( القصص : 8. فشمل I الجنود مع فرعون، ووزيره هامان وعدهم جميعاً خاطئين مجرمين . وفال تعالى ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم ( الذاريات :40.
جمع وترتيب
تم تحميل هذه المادة من موقع
منبر التوحيد والجهاد www.tawhed.ws
حقوق النشر غير محفوظة
أبو جندل الأزدي
بسم الله الرحمن الرحيم
على الله توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل
ـ المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( آل عمران:102.
)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً( النساء:1.
) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ( الأحزاب:70-71.
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلّ مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
في صبيحة هذا اليوم الرمضاني تأملت حال الشباب المجاهد مع طواغيت الحكم في الجزيرة العربية ومع جندهم وأعوانهم من المباحث العامة ومكافحة الشغب والشرطة ووو..فوجدت أن المسألة واضحة بينة لمن بصره الله وهداه إلى منهج التوحيد الحق ولكنها مشكلة عويصة عند كثيرين يقول صاحب كتاب أعمال تخرج صاحبها من الملة (6ـ7): ولعل مما زاد الطين بلة، والخرق اتساعاً، والانحراف انحرافاً .. هذه الهجمة الإرجائية الضخمة الواسعة الانتشار، والمدعومة بإمكانيات وقدرات الأنظمة الطاغية الجاثمة على صدر الأمة .. التي يُروج لها ولدعاتها في كل مكان من العالم .. وتُقدم لهم كل التسهيلات المادية والمعنوية .. لأن الطواغيت الظالمين هم المستفيدون بالدرجة الأولى من هذه الدعوة الخبيثة الباطلة؛ يكفيهم منها أنها تصبغ عليهم وعلى أنظمتهم المهترئة العميلة الشرعية ـ مهما ظهر منهم من أعمال منافية لأصل الإيمان ـ التي يجب أن تُطاع من قبل الشعوب الضالة، وأن لا يُعصى أمرها في شيء!!
هذه الهجمة الإرجائية الضخمة التي صورت للناس أن الإيمان يكفي فيه التصديق، أو ما وقر في القلب وإن لم يصدقه العمل .. وأحسنهم حالاً الذي اشترط له الإقرار باللسان .. ومن أضاف منهم العمل فهو للكمال؛ فوجوده وعدمه لا يؤثر على الإيمان وجوداً أو انتفاء .. وبالتالي فالناس عندهم كلهم مؤمنون ومن أهل الجنة وإن لم يأتوا بشيءٍ من الأعمال أو الطاعات .. ومهما أتوا من الأعمال المكفرة المتفق على خروج صاحبها من الملة !!
لا تزال إلى الساعة كثير من الجماعات والجامعات التي تدرس الإيمان على أنه التصديق الجازم فقط .. فمن أتى بالتصديق الجازم فهو مؤمن، ومن أهل الجنة وإن لم يأت بشيء من الأعمال والطاعات .. ومهما كان ظاهره يدل على التمرد على أحكام وقيود الشريعة !!
فراج هذا المذهب الضال الخبيث على كثير من الناس .. فاستهوته أنفسهم الأمارة بالسوء .. ولامس بشاشة رغباتهم ونزواتهم وضعفهم، وحبهم للكسل وترك العمل .. وأوجد لهم المبررات والمسوغات الشرعية ـ بزعمهم ـ لما هم فيه من تقصير وتفلت من أحكام وقيود الشريعة ..!!
والشر لم يقتصر على جانب ترك العمل وحسب .. بل تعداه إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق والواجبات؛ فكم من فتاة مسلمة موحدة تُزوّج من رجل كافر مرتد، وتنجب منه الأطفال .. تحت ستار وغطاء أن العمل لا يدخل في الإيمان، ولا يُعتبر شرطاً لصحته .. وبالتالي لا حرج لو تزوجت من ذلك الخبيث المرتد، أو بقيت تحت ذمته وولايته ..!! ا.هـ
وقد استغربت كثيرا عند حدوث قصة الأخ عزيز العمري في مدينة جدة عندما واجه أولئك الأذناب فقتل منهم من قتل وجرح منهم من جرح ثم لاذ بالفرار وهو طليق الآن كما بلغني بالسند العالي أقول استغربت من كلام فئام من الناس يلقون جام غضبهم على هذا الأخ المظلوم المعتدى عليه وما القوا كلمة واحدة في ذم هؤلاء الأنجاس أعوان طواغيت آل سعود وهاهي القضية في ازدياد والمواجهة لاحت في الأفق للجميع والأمر يتطور يوما بعد يوم ووعي الشباب يزداد بالخطر الحالي من هؤلاء الأذناب الأنجاس إذ يريدون لمخططات نايف ومن خلفه أسياده الأمريكان أن تمر دون أي إزعاجات بل والشباب المجاهد والمشايخ الصادقين على قلتهم في الزنازين الانفرادية والجماعية وما علموا أن الشباب قد تسلحوا وتواصوا على ذلك وانتشرت هذه الظاهرة بينهم وهي في ازدياد وهاهي قضية الشباب في الرياض تبين حقيقة ما أقول وقد ذكرت الحركة الإسلامية للإصلاح في نشرتها رقم 341 الآتي :
ليست مجرد مواجهة
نقلت وسائل الإعلام عن الحركة مساء أمس خبر المعركة التي وقعت بين قوات الأمن السعودية وعدد من الشباب الجهادي الذين يصل عددهم إلى خمسين شخصا وذلك في حي الشفا جنوب الرياض أسفرت عن إصابة ثمانية من رجال الأمن واعتقال أحد الجهاديين وتمكن البقية من الاختفاء. والحادثة وحيثياتها وطريقة تناول الدولة لها ثم رد فعل الأمير نايف على إعلان الحركة لتفاصليها يستدعي مناقشتها بشكل مستفيض.
وصف الحادثة
حصلت الحادثة صباح السبت 16 نوفمبر حيث تبلغت قوات الأمن عن التجمع فحاصرت الموقع ودخلت مجموعة من قوات الأمن لاعتقال المجتمعين وإذا بعدد كبير منهم يحمل السلاح حيث بادروا بالإمساك بأحد رجال الأمن ووضع السلاح في رأسه واستخدامه رهينة من اجل مطالبة المباحث بالانصراف وتأمين عملية الهروب. وفعلا تراجعت قوات الأمن ورتب المجتمعون عملية الهروب ثم أطلقوا سراح الضابط الرهينة. وبعد إطلاق الرهينة عاد رجال الأمن وحاولوا ملاحقة الهاربين وحصلت معركة نارية كثيفة أصيب فيها ثمانية من رجال الأمن إصابات بعضهم بليغة واعتقل واحد فقط من المجتمعين إثر إصابته وعدم تمكنه من الهروب أما الباقون فتمكنوا من الفرار. وشنت قوات الأمن إثر ذلك حملة متابعة وتفتيش في المنطقة لمتابعة الفارين ولم يعرف إن ظفرت بأحد منهم. وعلمت الحركة أن اثنين من المصابين من المباحث ربما يكونوا قد توفوا ومصاب ثالث في حالة خطرة.
مقدمات الحادث وحيثياته
لم تكن هذه الحادثة معزولة أو استثنائية، بل إن القريبين من الجهاز الأمني يؤكدون أن الأشخاص المحسوبين على التيار الجهادي سرت بينهم ظاهرة مقاومة الاعتقال باستخدام السلاح، وسجلت حوادث من هذا القبيل في جدة ومكة ومدن أخرى في المملكة جرى فيها إطلاق نار على رجال المباحث وتمكن المطلوبون من الإفلات من الاعتقال. كما سجلت حالات انتقام من رجال المباحث الذين يزاولون مطاردة واعتقال وتعذيب الشخصيات الجهادية وانتشرت ظاهرة رفع السلاح في وجه رجال الأمن في الطرق الطويلة عند طلب الهويات أوالتفتيش. هذا فضلاً عن ظاهرة الحرص على اقتناء السلاح وتجارة السلاح في كل شرائح المجتمع وليس الجهاديين أو المتدينين. وتأتي هذه التطورات في نظرنا كنتيجة طبيعية لعدة عوامل منها:
الأول : تلاشي الشرعية الدينية للدولة التي كانت توفر الطاعة للنظام وتمنع الناس من رفع السلاح في وجه من يمثل الدولة وتؤمّن انصياع الجمهور لأي سلطة متفرعة عن الدولة. وربما كان من أقوى أسباب انحسار هذه الشرعية انكشاف المؤسسة الدينية انكشافا مزريا واقتناع الجمهور أن العلماء الرسميين مجرد موظفين في جهاز الخدمة المدنية ومواقفهم تجاه القضايا السياسية تلقن لهم تلقينا من قبل النظام نفسه.
الثاني : سقوط هيبة النظام بشكل عام -بغض النظر عن الشرعية الدينية- ودليل ذلك تنامي الجريمة بشكل صارخ واستخفاف المجرمين بقوات الأمن إلى درجة أن أصبح بعض المراهقين يتفاخر بضرب الشرطة في الأماكن العامة حيث سجلت عدة حالات من هذا القبيل. وتفيد معلومات الحركة من داخل الجهاز الأمني أن رجل الأمن لم يعد له قيمة أمام الجمهور حتى أصبحت مناكفة رجل الأمن أو تحديه أو رفع السلاح في وجهه أمرا طبيعيا حينما يطلب وثيقة تعريف.
الثالث : تبين بعد 11 سبتمبر أن حماس النظام السعودي لمطاردة عناصر الجهاد إنما يحصل تنفيذاً لأوامر أمريكية وليس توفيرا للأمن الداخلي وأنه بذلك ساد شعور لدى شباب الجهاد أن الإستئسار لقوات الأمن هو استئسار للإرادة الأمريكية. ومع موجة البغض العارمة لأمريكا والعداوة الصارخة لها لدى الناس عموما والرغبة في قتالها لدى شباب الجهاد فقد أصبح الموقف النفسي تلقائيا هو في رفض الإستئسار.
الرابع : صدور فتاوى من بعض المشايخ يتداولها شباب الجهاد سراً بعدم الإستئسار لقوات الأمن كان أهمها فتوى منسوبة للشيخ حمود العقلا الشعيبي() رحمه الله قبل أن يتوفى. ويدور حديث في الأوساط القريبة من شباب الجهاد أن توجيهات صدرت من القاعدة للمنتمين لها والمحسوبين عليها بعدم الاستئسار، ولكن في نفس الوقت تجنب مبادأة قوات الأمن بأي مواجهة منعا لاستعداء هذه القوات الذين يقال أن بينهم الكثير من المتعاطفين مع بن لادن.
الخامس : شعور الناس عموما وشباب الجهاد خصوصا -لما لديهم من معلومات عن خطط القاعدة- أن وضع البلد والمنطقة كلها سيرتبك، وأن النظام مشرف على التفكك والانهيار. ويتبع هذا الشعور قناعة بأنه ليس من حق نظام مهتريء أن يرمي هذا الشباب المتطلع لأدوار كبيرة في المستقبل أن يكون في غياهب السجون.
سياسة الوزارة إلى الوراء
الدولة من انحسار في هيبتها وتلاشي في شرعيتها ألا أن وزير الداخلية لا يزال يتصرف بتجاهل كامل لكل هذه التطورات. السياسة المتبعة حاليا من قبل الوزارة هي نفس السياسة المتبعة قبل عشر سنوات رغم ما ذكر أعلاه من تطورات حول جرأة شباب الجهاد على مواجهة الدولة ورغم ما تعانيه سواء في أهدافها أو أساليبها أو متابعاتها. ولا تزال الوزارة تفرغ معظم كادرها ومقدراتها للأمن السياسي ولا تزال تعتبر الشباب المتدين بشقيه الإصلاحي والجهادي المستهدف الأول من هذه الخطة الأمنية. وقد ولد هذا الإصرار من قبل الأمير نايف تململا في أوساط عدد كبير من رجال الأمن، إما لأسباب مبدئية كون رجال الأمن أصبحوا يشعرون أنهم عمليا في مواجهة الشعب نفسه وفي خدمة الأمريكان، أو لأسباب مصلحية حيث يخاف رجال الأمن على حياتهم كونهم يواجهون شبابا مستقتلا لا يعني عندهم الموت شيئا. وبرزت كذلك ظاهرة خطيرة عند رجال الأمن وهي زوال الحماس لخدمة النظام لأنهم من أكثر الناس قناعة بهشاشة النظام كونهم على إطلاع على مستوى الجريمة وقوة التحدي الأمني الذي يواجه الدولة وتكاثر الجبهات التي أصبحت الدولة تواجهها.
الأمير نايف يتحدث بنفسه هاتفيا!!
متى كان الأمير نايف ليقفز إلى الهاتف في منتصف الليل من أجل أن يجيب على أسئلة صحفيين لو لم يكن نشر الخبر قد أصاب من وزارة الداخلية مقتلا؟ لم تكن وزارة الداخلية تنوي نشر أي شيء مطلقا بل إن الضباط لديهم تعليمات صارمة بتكتم شديد وتهديد بعقوبات لم يسبق لها مثيل لمن يسرب المعلومات، ومع ذلك فقد كانت أجهزة الأمن أحد مصادر الحركة والحمد لله. الأمر المثير أن الأمير نايف يقول إنه لا توجد حوادث أخرى ولا إعتقالات ولو وجدت لأعلنتها الوزارة ونسي الأمير نايف أنه لم يتحدث إلا ردا على الحركة. بل إن سجل وزارة الداخلية في الاعتراف بالمواجهات أو الإعتقالات أو الحوادث معروف بأن الوزارة يستحيل أن تصدر تصريحا إلا بعد صدوره من طرف آخر. وينطبق ذلك على حوادث التفجيرات التي تتسرب إلى الإعلام عادة من السفارات كما ينطبق على حالات الاعتقال والحوادث والمحاولات المحبطة. بل إن حدثا كبيرا مثل أزمة بريدة سنة 1414 لم يكن لدى الوزارة نية لإعلانه لولا أنه نشر من طرف مكاتب اللجنة آنذاك. لكن مساء الحادث اضطر الأمير نايف لأن يتحدث هاتفيا وفي منتصف الليل مع قناةmbc في تكذيب خبر الحركة من أجل أن يعالج الموقف بعد نشر وكالة الأنباء الفرنسية للخبر.ا.هـ
ولذا أقدم هذا البحث المتواضع في هذا الوقت لأهميته للشباب حتى يقدموا دون وجل أو تردد في مواجهة هذا العدو الصائل المجمع على دفعه بين علماء السلف ولقلة الكاتبين في هذا الموضوع إما لأسباب أمنية أو سياسية أو للقمع الفكري الذي يمارسه شيوخ آل سعود () أو للتربية السقيمة التي تربى عليها الكثير منا حتى أصبح الشخص يكفر كل الأنظمة إلا آل سعود وكل الجيوش إلا جيوش آل سعود فتسأله ما حكم مباحث باكستان الذين يطاردون الشباب المجاهد هناك ؟ فيجيبك بكل سهولة أنهم كفار !! ثم تسأله عن حكم برويز مشرف ؟ فيجيبك أيضا بكل سهولة بأنه كافر !! فلما تسأله عن آل سعود ومباحث آل سعود الذين يقومون بنفس المهمة التي يقوم بها أولئك فلا وألف لا وما ذلك إلا لبعد الشباب عن التوحيد الصافي من الكتاب والسنة وإتباعهم للإسلام المسعود أو ما أسميه أنا بـ(سعودة الإسلام)() المنتشر باسم السلفية المزعومة يقول صاحب (مقالات بين منهجين )فك الله أسره : أسرّ لي بعض الأذكياء حديثاً نجيّاً سائلاً، وابتسامة تملأ شفتيه قائلاً: من هو السّلفيّ المزعوم الّذي تحدّثت عنه في مقاليك؟ وهل هناك سلفيّ مزعوم وآخر غير مزعوم؟ وما هي السّلفية الحقّة؟.
وهو سؤال يدلّ على مكر صاحبه في استخراج المراد من المقابل، ويكشف لك أن الابتسامة الّتي نشرها على صفحة وجهه وراءها الكثير من النّباهة والذكاء، وهذه الأسئلة تدفعك لترك العمومات الّتي ما عادت تشفي غليلاً، ولا تطبُّ عليلاً، ولا تفيد منهوماً ، ولمّا كان الأخ السّائل، قد أوهمني أن هذه الأسئلة لا بدّ أن تدور بين النّاس، بل هي قد دارت، فكان لزاماً علي أن أجيب، والإجابة بالتّصريح لا بالتّلميح، وأنا أحمد الله تعالى الّذي يسّر لي نشرة “الأنصار” الّتي لا تردّ لي مقالاً وخاصّةً تلك المقالات الّتي (تخزق الطّاقية). وهو مثل عامّي يعني أنّ قائل الحقّ لا يبقى له صاحب. وقبل أن أكشف ستر السّلفي المزعوم فإنّه من الواجب عليّ أن أمر على تعريف السّلفية، وماذا تعني كما هي في نفسها، دون رتوش تزور حقيقتها، أو زيادات تطمس صورتها، لأنّ السّلفية شعار، وهي ككلّ الشّعارات التي تحتاج بين الفينة والأخرى إلى التّوضيح والتّجلية، لما يدخل فيها من عوامل الحياة من الدخن التي تشوّه حقيقتها، وإذا كان الإسلام في وقت عزّته قد دخل فيه من أهل النّفاق والزندقة والبدع ما شوه وجه حقيقته، والإسلام اسم رضيه الله لعباده المؤمنين على مرّ الأزمان، فكيف باسم “السّلفية” فهو شعار ولا شكّ قد تلبّس به وتدثّر بدثاره قوم رأوا فيه تحقيق مكاسبهم الدّنيوية، وتحقيق أمراض أهوائهم وقلوبهم، وصاروا بهذا الشعار لهم الحقّ في ممارسة كلّ قبيح، والتّلبّس بكلّ رذيلة، والولوج في كلّ معصية، ثمّ الرّافع لهذا الشّعار يحصل له بركة أخرى وهي عظيمة، دونها تقطع الأعناق، ألا وهي هذه الجنود المجنّدة من الغوغاء، أتباع شعار السّلفية الّذين يدافعون عنه بحقّ أو بباطل تحت حجّة (هذا عقيدته صحيحة!!)، هذه الجنود، أصحاب النّوايا الطّيبة، والعقول الفارغة، عملهم دوما رفع متاريس الدفاع عن أيّ سلفي، مزعوم وغير مزعوم، يصدّون عن كلّ من حام حوله بنقدٍ أو تقويم، ويطعنون بكلِّ من لا يرضى إمامته بشتَّى التّهم وأشهر هذه التّهم: هذا رجل لا يحترم العلماء!!، هذا رجل من أهل الغلوّ!! هذا رجلٌ غير سلفيٍّ!!، وغيرها الكثير من القائمة السوداء التي اقتبسوها من إيحاء لمّة الشّيطان (عياذاً بالله)، وهذه التّهم لم ينج منها في زماننا هذا إلاّ القليل، ممّن رضي أن يربط عقله برباط التّقليد، والتّسليم لأصحاب صكوك الغفران، وقد يعجب بعض الشّباب من هذه الأقوال، ويروا فيها تهماً شنيعة، ولكن يكفي أن أذكّر القارئ المسلم بأمر يدلّه على ما وراءه، ممّا نذكره وممّا غاب عنّا، هذا الأمر هو:
في بلاد أتقنت استخدام شعار السّلفية (العقيدة الصّحيحة)، وستر كفرها بهذا الشعار، هذه الدولة الكافرة هي “السعودية”، ولا يجهل كفر هذه الدّولة وينكره إلاّ من طمس الله بصيرته وعقله، هذه الدّولة لمجرّد رفعها هذا الشِّعار، تجنِّد للدّفاع عنها، وتبرير أفعالها قطعاناً من البشر الجاهل، أكشف لك بعض أوصافهم أو أسمائهم:
1- في إحدى العواصم الأوروبيّة (بريطانيا) جمعيّة تسمّى "جمعيّة منهاج إحياء الكتاب والسّنة"، هذه جمعية سلفية!! فيما تزعم وتدّعي، وعامّة أفرادها من العجم، والكثير من قادتها تخرّجوا من الجامعات السّعودية، هذه الجماعة، لا يمكن أن تقبل حبيباً أو صديقا، يوجّه كلمة نقدٍ لدولة (التوحيد الوحيدة في العام)، وكلّ الذّنوب تغفر ولا يؤبه لها مقابل حبّ السعوديّة ومليكها (المحبوب)، نعم إنّها سلفيّة، لكنّها (سلفية+ رواتب)، ومثل هذه الجمعية الكثير من أخواتها المنتشرة في العالم الإسلامي، وخاصّة بلاد العجم كـ "جمعيّة أهل الحديث في باكستان" وفروعها المتعددة. وهي بحق جمعية أهل الحديث، ولكنّه الحديث الموضوع لا الحديث الصحيح.
2- في السّعودية قوم مهاجرون لطلب العلم من ليبيا، وهم من تلاميذ السّلفي المزعوم الدّكتور ربيع المدخلي الّذي تقدّم ذكره في مقال سابق، هؤلاء القوم أوفياء لتلك الدّولة أكثر من آل سعود أنفسهم، حتّى وصل هذا الوفاء القبيح أن يذهب هؤلاء التّلاميذ (السلفيّون) إلى دائرة الشّرطة هناك ليكشفوا للدّولة بعض الشّباب الّذين دخلوا إلى دولة (التوحيد) بطريق غير قانونيّ، أو مكثوا فيها من غير إقامة صدرت من دوائر (الإمام) المزعوم، فأخذ هؤلاء الشّباب وطردوا من (جنّة) السّلفيّين ودولتهم المزعومة، نعم إنها (سلفية) في خدمة السلفية، أو بتسمية صحيحة: سلفيّة + عمالة.
ثم ذكر قصة كتاب الكواشف الجلية السابقة الذكر ثم قال : هذه الصور وأمثالها الكثير في الجعبة تستدعي منّا أن نكشف لثام السَّلفية الحقّة كما هي عند أصحابها الأوفياء لها، الحامين لذمَّتها.
والآن ما هي السَّلفية؟:
السّلفية على مدار التّاريخ الإسلامي تتمثّل بأمرين:
أولاهما: منهج علمي في التّعامل مع الأصلين (الكتاب والسنة) حيث تقوم على اعتمادهما فقط ونبذ ما سواهما في الصُّدور عنهما بالحكم المراد للحركة والحياة.
ثانيهما: حركة حياة وسلوك طريق في تطبيق هذا المنهج.
فالسّلفيَّة هي ذلك المنهج الّذي اختطّه الأوائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً، هكذا هي السَّلفية وهكذا ينبغي أن تكون، ومن رحمة الله تعالى بهذا المنهج العلميّ العمليّ أن أقام له رجالاً تعاملوا معه بأسمى حالات الكمال حتّى صاروا هم المنهج، والمنهج هم، فحينئذٍ ارتبط اسم المنهج بشخوصهم وتقيّد بهم فأطلق اسم المنهج عليهم بكونهم السلف الّذين سبقوا الكلّ في تطبيق المنهج قدْراً وزماناً.
فالتَّابعون تعاملوا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم: (منهج + سلف)، ومن بَعدَهم تعامل مع التَّابعين على أنهم لهم: (منهج + سلف)، وهكذا، ولمّا كثرت البدع في نهاية القرن الثّاني وبداية القرن الثّالث، وخاصّةً بدع أهل الكلام، في تقديم منهج بدعيّ جديد في التَّعامل مع الأصلين، واختلطت الأمور، نشط أهل السنَّة في تمييز المنهج عن غيره، وكذلك في كشف رجال المنهج السَّلفي عن غيرهم من أصحاب المناهج الخلَفيّة الأخرى، وصار بعض أهل العلم هم أصحاب المنهج، ولهم ينسب، وصاروا هم المقياس في ردِّ الآخرين لهم، وقد ذكر الإمام الكرخي - رحمه الله تعالى - هؤلاء الرِّجال في كتاب سمّاه: “الفصول في الفصول عن الأئمَّة الإثنى عشر الفحول”، وهؤلاء الأئمة هم: مالك والشّافعي وسفيان الثَّوري وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعد واسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومحمّد بن إسماعيل البخاريّ وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان().
هؤلاء العلماء ليسوا هم فقط، ولكن غيرهم يرجع إليهم في توضيح هذا المنهج القويم. وبعد هذا نخلص إلى النّتائج التّاليــة:
1 - تحت كلِّ شعار زيوف ونقد- وكذلك السَّلفية - ففيها الزَّيف وفيها الحق، ولذلك ينبغي التَّعامل مع الحقائق لا مع الشِّعارات، مع أهميّة الشِّعار وضرورته.
2 - السّلفية منهج علميّ عمليّ، أئمّته هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم تبع لهم، فلهم وحدهم حقُّ التّقويم والرشد.
3 - علينا أن ندرك خطأ وانحراف من قرن السّلفية بشخص لا يؤمن عليه الفتنة في فهمه للحركة والحياة، وكذلك علينا أن ندرك ضلال وبدعية من جعلها تنظيما وحزباً وتجمعاً، وأشدّ من هؤلاء ضلالاً وانحرافاً هو جعل السَّلفية علاقة بين أفراد، فهذا سلفيّ لأنّه معروف لهذه الجهة، أو تتلمذ على يديها، وهذا غير سلفيّ لأنّه غير معروف لديها، أو لم يسلّم لهذه الجهة رقبته لتقوده كالدَّابّة، ثمّ علينا أن ندرك خطأ وانحراف من جعل السّلفية مذهبا فقهياً، يوالي ويعادي عليه.
كتبه للمجاهدين
أبو جندل الأزدي
12/9/1423هـ
حقيقة جيوش الدول والمباحث من باب أولى
قبل أن نتكلم عن الحكم على هذا القطاع بالذات نود التوصيف لحالهم ولماذا وضعوا وفي خدمة من يقدمون كل هذه التضحيات …..الخ وقد قرأت كلاما في توصيف الجيوش للدول المسَماة زورا وبهتانا بالإسلامية فأعجبني وكفاني موؤنة البحث والتنقيب وصوغ العبارة المناسبة للتوصيف ويحسن بي أن أنقله لكم هنا والمباحث في هذا الكلام من باب أولى .
يقول صاحب كتاب (مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة) (2ـ8) :قبل أن نبين حكم الشرع في هذه الجيوش، وحكم القائمين عليها من الطواغيت، وفيمن يلتحق بها من الجند والعسكر لا بد أولاً من توصيفها وبيان حالها ومهامها وغاياتها التي صُنعت وأسست لأجلها ..
فأقول: لم يخرج المستعمر الصليبي من بلاد المسلمين إلا بعد أن أوجد الحكام والأنظمة التي يرضى عنها وتحقق له مصالحه وأهدافه في المنطقة، وأي حاكم يأتي فيما بعد لا بد من مراعاته لمدى رضى أمريكا ودول الغرب عليه، فإن حظي على الموافقة منهم وعلى رضاهم عنه فقد اجتاز
المرحلة الأصعب نحو الوصول إلى سدة الحكم واعتلاء العرش، وناله من القوم كل دعم مادي وسياسي وإعلامي()..!!
ورضى أمريكا ودول الغرب الصليبي على أي حاكم مشروط بعدة شروط:
أولها: أن يتعهد لهم أن يقف بحزم وقوة ضد أي توجه أو عمل إسلامي راشد يستهدف استئناف حياة إسلامية على المستوى القطر أو الأمة .. وأن يُحيل بين الشعوب المقهورة وبين هدفهم هذا، وبأي طريقة من الطرق .. !!
ثانياً: أن يضمن مصالحهم الاستعمارية في المنطقة، ويعمل على حمايتها وحراستها .. وإن كان ذلك تحت عناوين براقة مستساغة للشعوب المقهورة، كشركات الاستثمار .. والحاجة إلى الخبرات والطاقات الأجنبية .. أو المصالح المشتركة .. أو ضرورة التنقيب عن البترول .. وغير ذلك من الإطلاقات التي تمرر مثل هذه المصالح الأجنبية في المنطقة !!
ثالثاً: أن يعترف بدولة إسرائيل، وبضرورة السلام مع المغتصبين المحتلين الصهاينة .. السلام الذي يُعطي أصحاب الحقوق الفُتات والعظام المجردة عن لحومها وعظامها مما اغتصب ونهب منهم .. لذلك نجد جميع حكام العرب وغيرهم يصرحون على الملأ بأن السلام مع الصهاينة المحتلين خيار استراتيجي لا محيد لهم عنه، مهما حادت عنه دولة إسرائيل واختارت الحرب والقتل والقتال، وارتكبت من المجازر بحق الشعب الفلسطيني المسلم ..!!
فهو خيار استراتيجي لهم لأنه لا بقاء لعروشهم ومصالحهم الذاتية الشخصية إلا بالموافقة على هذا الخيار .. وهؤلاء الحكام لو كانوا من دعاة السلام بحق لسالموا شعوبهم أولاً، ولأخرجوا شباب الأمة الأحرار من سجونهم الظالمة التي تكتظ بالآلاف من الشباب المسلم ..!!
رابعاً: أن ينهج الطريق الديمقراطي ـ دين الغرب ـ لما تحقق لهم الديمقراطية في المنطقة من مآرب ومصالح عديدة .. لكن إذا جاءت هذه الديمقراطية معارضة للنقاط الثلاثة الآنفة الذكر أو لشيءٍ منها، فهم يسمحون له أن يتحول إلى ديكتاتوري، وإلى وحش كاسر ضد شعبه وأمته، ولا حرج عليه في ذلك البتة().. !!
هذه أهم الشروط التي يجب على الحاكم أن يوافق عليها لكي ترضى عنه أمريكا ودول الغرب، ولكي يحظى على موافقتهم وتأييدهم ..!
ولما كان الأمر كذلك فإن طواغيت الحكم منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى يومنا هذا يعملون بكل همة ونشاط على تشكيل المؤسسات الحكومية التي تعينهم على تنفيذ تلك السياسات والمصالح المشار إليها آنفاً، ومن أهم هذه المؤسسات التي عنيت باهتمامهم المؤسسة العسكرية؛ حيث عملوا جاهدين ـ ومنذ زمن ـ على تطهيرها من العناصر النظيفة المؤمنة، وعلى تشكيل الجيوش التي تعينهم على السير في تلك السياسة المرسومة لهم من قبل أعداء الأمة من دون مواجهة أي عقبة أو مشاكل ..!
الجيوش() التي تسهر على أمن وسلامة الطاغوت الحاكم، وأمن وسلامة سياساته الجائرة الداخلية والخارجية ..!!
الجيوش التي لا تعرف غاية ولاهماً.. سوى خدمة الطاغوت، وخدمة مآربه وأهوائه وقوانينه ..!!
لذا نجد أن العناصر الفاعلة لهذه الجيوش منتقاة انتقاء غريباً جداً وفق معايير ومواصفات عديدة منها: أن تكون هذه العناصر غير متدينة .. ليس عليها سمات التدين والالتزام، ولم يُعرف عنها التدين من قبل !!
ومنها: أن تكون غير أخلاقية ومن ذوي الاهتمامات الوضيعة التافهة؛ لا هم لهم إلا كيف يُشبعوا غرائزهم ونزواتهم وبأي طريقة كانت .. ولا حديث لهم إلا ما يدور حول البطن والفرج والشهوات .. !!
ومنها: أن تكون هذه العناصر من ذوي الولاء المطلق، والطاعة العمياء للحاكم والفئة الحاكمة المتنفذة .. ينفذون الأوامر مهما كانت جائرة أو تصب في غير صالح الأمة ومن دون أدنى تلكؤ أو تردد ..!!
ينفذون الأوامر ولو كان مفادها سحق الشعوب وقتلها وإذلالها وسجنها .. فمرضاة الطاغوت عندهم أغلى وأسمى من الشعوب ومن الأمة برمتها ..!!
ومنها: أن لا يُعرف عنهم أنهم من ذوي الثقافات الواسعة التي تعرفهم على خفايا وحقيقة وغايات هذه الأنظمة الطاغية الحاكمة .. فكلما كان الضابط أو العسكري جاهل بدينه وعقيدته وبالسياسة الدولية وبما يدور حوله وما يُحاك من مؤامرات ضد الأمة كلما كان أكثر قرباً من الطواغيت وأسرع في الارتقاء إلى الرتب العالية ..!!
ومنها: أن لا يُعرف عنهم انتماؤهم لأي تجمع أو حزب لم يحظ على الرضى التام من النظام أو الطاغوت الحاكم ..!!
ومنها: أن لا يُعرف عنهم أنهم من ذوي الرجولة والحمية والغيرة، أو أنهم من ذوي الهمم والاهتمامات العالية .. التي قد تحملهم يوماً من الأيام على الذود عن حرمات الأمة ومقدساتها والغضب لأجلها، وعلى العصيان والتمرد على الطاعة .. والخروج عن السياسة العامة التي رُسمت لهم ولحكامهم ..!
وأي ضابط أو عسكري يُعرف عنه شيء خلاف ما تقدم فإنه يُعرض للمساءلة والمحاسبة، وإلى عقوبة تتراوح بين الطرد أو السجن أو الإعدام .. بحسب درجة المخالفة ونوعها، وهذا أمر معروف للجميع لا خفاء فيه، ولظهوره لا يحتاج منا إلى استدلالٍ أو برهان ..!
هذه أهم المقاييس والموازين المعتبرة عند القوم التي على أساسها يتم اختيار أو قبول الأفراد في جيوشهم أو رفضهم ..!
ـ صفات هذه الجيوش العامة .
بعد أن عرفنا طريقة القوم في انتقاء عناصر الجيش وبخاصة منها العناصر القيادية المؤثرة كالضباط وغيرهم، لا بد من أن نتعرف على أبرز صفات هذه الجيوش التي تتكون من تلك الفئة من الناس المنتقاة حسب الموازيين والمعايير التي وضعها وأرادها الطاغوت لهم .
فأقول: هذه الجيوش لا تحكم بما أنزل الله وإنما تحكم بشرائع الكفر والطغيان، كما أنها لا تلتزم بصوم ولا صلاة ولا حج، وإن وجد منهم بعض الأفراد من يؤدي هذه الفرائض فهو يؤديها بطريقة فردية .. وربما بعدها قد يخضع للمراقبة والمتابعة والمساءلة .
يكثر في هذه الجيوش من يشتم الله والدين والاستهزاء والطعن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من دون أن ينكر عليهم أحد، بينما لو تجرأ منهم من تكلم بكلمة نابية أو اعتراض على الطاغوت الحاكم أو من هو دونه رتبة من الفئة المتنفذة الحاكمة فإنه يسجن ويُضرب ضرباً شديداً، وربما في بعض الجيوش يكون ذلك مبرراً لقتله وإعدامه ..!!
لا يُعظمون شعائر الله ولا يعرفون لها الوقار ولا الاحترام .. بل هي مهانة ومُزدَرَاة وفي كثير من البلدان تحولت فيها المساجد إلى متاحف أثرية تستقبل السائحين العراة !!
يبكون الأقصى الأسير مسرى النبي صلى الله عليه وسلم بدموع التماسيح .. وبنفس الوقت هم أنفسهم ينتهكون حرمات بيوت الله تعالى لأتفه الأسباب .. ولا يتورعون لأدنى سببٍ أن يدخلوا المساجد بأحذيتهم النجسة ليروعوا من فيها من المصلين الآمنين() ..!
هذه الجيوش فيها الكافر الأصلي كالنصارى وغيرهم وكثير من الكفرة المرتدين والزنادقة الملحدين، والكثير الكثير من الفسقة المجرمين .. لا يُفرقون بين مؤمن وكافر أو مرتد، فكلهم يستوون في الولاء للحاكم ولأنظمة الجيوش الطاغية .. بل الكافر المجرم في نظرهم مقدم ومفضل على المؤمن التقي ولا مجال للمقارنة بينهما !!
يُعقد الولاء والبراء في شخص الحاكم .. فيوالون من يواليه، ويعادون من يُعاديه، ويُقاتلون ويُسالمون فيه وعليه ..!!
إن أمرهم أطاعوه وإن كان أمره فيه كفر ومعصية لله تعالى، وإن نهاهم انتهوا وإن كان في نهيه نهي عن طاعة وعبادة لله تعالى .
وإن أمرهم بقتل وسجن العباد امتثلوا لأمره لأنه صاحب الأمر والنهي الذي يجب أن يُطاع لذاته، بغض النظر هل هؤلاء الناس يستحقون القتل والسجن أم لا ..!!
عسكر هذه الجيوش كالوحوش الضارية على من يقترب بسوء من سياج الطاغوت الحاكم ومن حكمه ونظامه .. بينما تراهم على أعداء الأمة الخارجيين رحماء كلهم وداعة ولطف ورحمة ولكن بجبنٍ وذلةٍ وخسة..!!
على الشعوب المقهورة كالأسود .. بينما في الحروب مع أعداء الأمة، وعلى الجبهات كالنعاج والأرانب!
أين هذه الجيوش من قضايا الأمة المصيرية .. أين هي من قضية فلسطين المسلمة ..؟!!
هاهم الصهاينة اليهود في كل يوم يقومون بمجازر ضد أهالينا وأبنائنا في فلسطين .. ينتهكون الحرمات .. ويدنسون المقدسات .. ويعتدون على المسجد الأقصى .. ويفعلون كل ما يحلو لهم ويريدون، وما تملي عليهم وساوسهم الشيطانية المدونة في برتوكولاتهم وكتبهم الصهيونية، ومن دون أن يحسبوا لهذه الجيوش أدنى حساب ..!!
فما هي ردة فعل هذه الجيوش المغوارة .. فإنها محصورة بنستنكر ونشجب، ونأسف .. نحن لا نريد الحرب .. نحن خيارنا هو خيار العقلاء وهو السلام .. السلام مع المغتصبين الصهاينة خيار استراتيجي لا محيد عنه .. قضية فلسطين لا يُمكن أن تُحسم عن طريق القوة أو الحروب .. وغير ذلك من الاطلاقات الجبانة والذليلة والعميلة ؟!!
بل بعض هذه الجيوش كالجيش المصري، والجيش الأردني وغيرها من الجيوش قد أقامت علاقات ديبلوماسية على مستوى السفراء، وسلاماً صريحاً مع دولة الصهاينة اليهود وقبل أن تُسترد الحقوق لأهلها وأصحابها، أو يأخذ الحق طريقه إلى معاقبة الصهاينة المجرمين سفاكي دماء الأبرياء ..؟!
وإذا كان الأمر كما وصفنا فإنه يحق لنا ولغيرنا أن يسأل: لمن أعدت هذه الجيوش الجرارة .. ومن أجل من ولماذا تُشترى هذه الأسلحة الفتاكة ـ من مقدرات الأمة ـ بمليارات الدولارات لتكدس في مخازنها إلى أن تتعفن وتنتهي فعاليتها .. من المعني والمراد إرهابه من هذه الجيوش الجرارة .. ؟؟!!
الجواب واضح لكل ذي لبٍّ وفهم: هذه الجيوش لم تُعد من أجل أعداء الأمة .. وإنما من أجل قهر الشعوب وإذلالها .. من أجل إبادة أي حركة تمرد أو عصيان على سياسة الطواغيت الحاكمين .. !!
فهي عصاة الطاغوت الغليظة يؤدب بها من يشاء ممن يخرج عن طاعته وعبادته أو سياسته وطريقته ..!!
ولا نبتعد كثيراً عن الصواب لو قلنا أن هذه الجيوش أعدت لحماية وحراسة دولة اليهود .. فهم يعملون على مدار الساعة موظفين ككلاب حراسة أوفياء يحرسون حدود دولة إسرائيل من أي هجوم أو عمل فدائي يقوم به المجاهدون الأحرار ..!
والويل كل الويل لهذه الجيوش الجبانة لو استطاع مجاهد أن يتسلل من بينهم إلى دولـة
الصهاينة اليهود .. حيث ترى جميع القوى العميلة الخائنة تستنفر بكل قواها كالكلاب المسعورة، يتوعدون ويهددون من كان سبباً في هذه الخروقات الإرهابية .. ليؤكدوا من جديد للصهاينة المغتصبين أننا لا نزال نعمل بوفاء وإخلاص على ثغور دولتكم ككلاب حراسة وصيد على أكمل ما يكون العمل وتكون الحراسة!!
هذا بما يخص فلسطين .. أما ما يخص موقف هذه الجيوش من بقية قضايا الأمة؛ كقضية المسلمين في البوسنة والهرسك، وقضية كشمير، وقضية المسلمين في الفلبين ، وقضية أفغانستان، وقضية الشيشان وما يعانيه أهل هذا البلد المسلم من ظلم وجبروت وكفر المجرمين الروس ..!
فإذا أردت أن تتحدث عن المواقف المخزية لهذه الجيوش نحو هذه القضايا الهامة وغيرها فحدث ولا حرج .. فما يجري للمسلمين في تلك الديار لا يعنيهم في شيء، ولا يهمهم من قريب ولا من بعيد، بل كثير من الأنظمة العربية وجيوشها تقف في صف الدول الطاغية الكافرة المعتدية ضد الشعوب المسلمة المضطهدة والمحاربة ..!!
هذا كله يجعلنا نجزم أن هذه الجيوش لم تُعد لخدمة الأمة في شيء، ولا من أجل الدفاع عن الشعوب المقهورة المحرومة .. ولا من أجل رسالة أو هدف عظيم .. وإنما هي صُنعت فقط ـ كما تقدم ـ من أجل حماية الطواغيت ومكاسبهم الشخصية، وحراسة مصالح اليهود والغرب الصليبي في المنطقة ..!! ا.هـ
إن عمل المباحث المهين يتميز بالخسة الزائدة عن كل ما مضى بكونه يختص عمله بالصالحين من البشر من الدعاة والمجاهدين العاملين لنصرة دين الله فيقوم هؤلاء الأذناب بمطاردتهم واعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم والتحقيق معهم وكل واحد منكم أيها القراء يملك قصة عنهم واليك هذه النماذج يقول صاحب كتاب مقالات بين منهجين في المقال رقم(57 ) :
إنّ السّجن في العالم المعاصر وخاصّة في بلاد الردّة لم يعد هو حبس فقط، حيث يوضع المرء في جبّ يمنعه من ممارسة بشريّته في الحياة وحركتها؛ فيمنع من أهله وبيته وعمله، بل صارت السّجون آلاما لا تقوى لها النّفس البشريّة بحال، وعلينا على الدّوام أن نتذكّر صنائع المرتدّين مع المسلمين في كلّ وقت وحين، لتبقى قلوبنا ونفوسنا مليئة بالبغض لهم، وعدم التّفكير البتّة بالعفو عنهم أو مسامحتهم، وإن أقلّ ما يحكم فيهم إذا ظفر المسلم بهم هو حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في حلفائه من بني قريظة، حيث حكم أن تقتل مقاتلتهم، وكلّ من بلغ منهم الحلم، وتسبى نساؤهم، وتغنم أموالهم، وهو حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات، لأنّنا للأسف ما نراه من ضعف ذاكرة قادة الحركات الإسلاميّة مع خصوم الإسلام جدّ مؤلم، ولا تتلاءم مع طبيعة المعركة بيننا وبين هؤلاء المرتدّين.
- في تونس: عندما يسجن المرء بتهمة الانتماء للإسلام، وهي تهمة يكفي لإثباتها أن يصلّي الشّابّ في المسجد، أو أن تطلق لحيته، فيؤخذ بعد عذاب لا يعلم مداه إلاّ الله ثمّ يصار به إلى السّجن، وإلى هنا فالأمر يمكن تصوّره، لكن هل يمكن تصوّر ما يصنع بعائلته بعد ذلك؟ في هذا الظّرف تبدأ معاناة أهله في الخارج، حيث قال وزير الدّاخليّة التّونسيّ: سنتابع الإسلاميين وسنحاصرهم حتّى تضطّر نساؤهم إلى الأكل بأجسادهن. وعلى هذا فلو أنّ أختاً جاءت ودفعت فاتورة الماء والكهرباء، وكان زوجها سجيناً بتهمة (الإخونجيّة) كما يسمّونها هناك، فإنّها تكون عرضة للمساءلة: من أين أحضرت هذا المال؟ ولا يرتاح لهم بال حتّى تبيع الأخت نفسها تحت وطأة الحاجة وتكاليف الحياة. فهل هذا هو السّجن الذي يريدنا جودت سعيد وتلميذه خالص جلبي أن نسارع بالذّهاب إليه بأنفسنا حتّى نجعل السّجن مدرسة ترتقي فيها أفهام الإخوة، ومجالاً رحباً للدّعوة إلى الله؟. ثمّ يصبح ذنباً في هذا العصر إذا طالب المسلمون بإخراج المساجين؟ أهذه العقلانيّة التي يدعونا إليها؟.
- صورة من الأردن لما يمارسه أفراد المخابرات مع السّجين المسلم هناك: جرّدوا الأخ من ثيابه، ثمّ ألقي أرضاً، وقام ضابط من ضبّاط المخابرات الأردنيّة (ومن المهم التّنبيه أن أغلب، إن لم يكن كلّ ضبّاط المخابرات وأغلب أفرادهم حجّوا إلى بيت الله الحرام، وهم لا ينادون بعضهم البعض إلاّ بلقب الحاجّ فلان، بل أغلبهم يصلّي وبعض أفرادهم خرّيج كلّيّة الشّريعة!!) وبعد أن ألقي أرضاً وهو مجرّد من ثيابه، قام ضابط منهم (الحاجّ فلان) وخلع ثيابه من جهة عورته، ثمّ جعل يدير ذكره على لحية الشّاب ورأسه وهو يقول مستهزئاً: دعنا يا شيخنا نتبرّك منك. هذا هو الواقع ولتجرحنا الحقيقة بآلامها وقرفها.
فهل هذا هو السّجن- يا قوم - هو الذي يجب علينا أن نسارع بالذّهاب إليه، حسب وصيّة هذه المدرسة؟
- هل نتحدّث عن سوريّا وحكّامها البعثيين والقادة النّصيريين؟ فنتكلّم عن مآسي الأخوات المسلمات هناك؟ أو مآسي الشّباب المسلم في داخل السّجون؟ حيث يربط الأخ في غرفة كالقبر، لا يزيد ارتفاعها عن أربعين سم، وتكون بقدر جسم الإنسان طولاً، ويبقى فيها السّجين لا الأيّام والشّهور ولكن السّنين والأعوام (راجع شيئاً من الآلام في بحثنا في "جواز قتل الذّرّيّة والنّسوان درئاً لهتك الأعراض وقتل الإخوان").
- هل سمعتم الدّكتور محمّد المسعري النّاطق الرّسمي باسم لجنة الدّفاع عن الحقوق الشّرعيّة في الجزيرة العربيّة وعن معاناته في السّجن وعمّا رأى وذاق وسمع؟. (وأقول أنا ما ذاقه المجاهدون أكثر بكثير مما مر على المسعري مع تقديرنا وأسفنا على الجميع ولكن مشكلة المجاهدين أنهم لابواكي لهم والله المستعان)
- هل قرأتم ما كتب بعض المساجين المسلمين عمّا ذاقوه في سجون جمال عبد النّاصر، وكيف وصل الحال ببعض المساجين إلى الجنون؟.
- هل أصغيتم السّمع إلى ما يحكيه البعض عن بطش وظلم صدّام حسين وحزبه البعثيّ؟ وعن فنونه في ممارسة ساديّته ضدّ خصومه؟.
إنّ من يعلم هذا أو يعرف بعضه أو قريباً منه، ثمّ يجعل من منهجه في إحياء دين الله تعالى أن يطالب الشّباب المسلم بالذّهاب إلى السّجون باختيارهم، ثمّ يجرّب من يطالب بفكّ أسارى المسلمين، لهو جدير أن يدخل في عداد المجرمين وأعداء الدّين، لا أن يصبح مفكّراً وزعيـماً لتيّار يلتحق بركبه الشّباب، لكنّنا والله نعيش زمن العجائب .
حكمهم من الكتاب والسنة وإجماعات أهل العلم
بعد أن عرفت حقيقة هؤلاء على سبيل الاختصار فإليك حكمهم ()فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن عسكر التتار، وحكم جهادهم فأجاب: فهؤلاء القوم المسؤول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين، وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام ـ وهم جمهور العسكر ـ ينطقون بالشهادتين إذا طُلبت منهم، ويعظمون الرسول، وليس فيهم من يُصلي إلا قليل جداً، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره، وللصالحين من المسلمين عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه، وهم متفاوتون فيه، لكن الذي عليه عامتهم والذي يُقاتلون متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها فإنهم أولاً يوجبون الإسلام ولا يُقاتلون من تركه، بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافراً عدواً لله ورسوله، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين .
فلا يُجاهدون الكفار ولا يُلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار، ولا ينهون أحداً من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك، بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح، والكافر عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين ..!
وكذلك عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم؛ أي لا يلتزمون تركها، وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه سلطاناً لا بمجرد الدين، وعامتهم لا يلتزمون الواجبات، ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله، بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارةً وتخالف أخرى ..!
وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين، وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم، فإن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبداً ا-هـ.
قال صاحب (كتاب مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة) ( 9 ) :من يقارن أوصاف جند التتار الآنفة الذكر التي ذكرها عنهم شيخ الإسلام، وبين أوصاف جند وجيوش العرب وغيرها من جيوش الأمة في هذا الزمان يجد أن جند التتار فيهم من خصال الخير ما ليس في جند وعسكر العرب؛ فجند التتار يعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمسلم عندهم أعظم من غيره، وللصالحين عندهم قدر .. وهذا بخلاف ما عليه كثير من جيوش العرب في هذا الزمان، إن لم يكن كلها !!
ومع ذلك لصفاتهم الأخرى الآنفة الذكر يقول عنهم شيخ الإسلام: أن قتالهم واجب بإجماع المسلمين، وأن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبداً .
وهذا الحكم يلحق بكل من اتصف بصفاتهم أو فعل فعلهم ولا بد .. ولحوقه بجيوش الأمة في هذا الزمان من باب أولى لاتصافهم بصفاتٍ هي أغلظ وأشد من صفات جند وعسكر التتار الآنفة الذكر .. وقد تقدم ذكرها !!
وقال رحمه الله : من حالف شخصاً على أن يوالي من والاه ويُعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان ا-هـ .
أقول: أليس هكذا حال جيوش الأمة في هذا الزمان؛ حيث توالي وتعادي في شخص الطاغوت الحاكم .. يوالون من والاه، ويُعادون من عاداه، بغض النظر هل يستحق شرعاً تلك الموالاة أو المعاداة !!
تُنتهك حرمات الأمة، ويُعتدى على مقدساتها، وتُقتل الأطفال والنساء، ويُشتم الله ورسوله .. فكل هذا وغيره لا يستدعي موقفاً من هذه الجيوش ولا من حكامها، ولكن لو تجرأ أحد أو أي جهة على النيل من جناب الطاغوت الحاكم بعبارة انتقاص أو طعن فإن هذه الجيوش ومعها جميع مؤسسات الحكومة تعلن براءها وعداءها لتلك الجهة، وتسحب سفيرها من تلك الدولة أو الجهة، وربما تحركت الجيوش واستنفرت واستعدت للقتال() ..!!
فهذه الجيوش عندما ترضى لنفسها مثل هذه العبودية للطاغوت فهي تخرج مباشرة من كونها جيوش إسلامية تجاهد في سبيل الله إلى كونها جيوش كفرية باطلة تجاهد في سبيل الشيطان كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله . ا.هـ
يقول أبو محمد المقدسي في كتابه القيم (الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير) (127-130) :-
تنبيه : إلى أن قاعدة ( الأصل في جيوش الطواغيت وأنصارهم الكفر) لا غبار عليها : -
فإن القاعدة عندنا ( أن الأصل فيهم الكفر ) حتى يظهر لنا خلاف ذلك ، إذ أن هذا التأصيل قائم على النص ودلالة الظاهر لا على مجرد التبعية للدار ، فإن الظاهر في جيوش الطواغيت وشرطتهم ومخابراتهم وأمنهم أنهم من أولياء الشرك وأهله المشركين .
فهم العين الساهرة على القانون الوضعي الكفري ، الذين يحفظونه ويثبتونه وينفذونه بشوكتهم وقوتهم .
وهم أيضا الحماة والأوتاد المثبتين لعروش الطواغيت والذين يمتنع بهم الطواغيت عن التزام شرائع الإسلام وتحكيمها .
وهم شوكته وأنصاره الذين يعينونه وينصرونه على تحكيم شرائع الكفر وإباحة المحرمات من ردة وربا ، وخمر وخنا ، وغير ذلك .
وهم الذين يدفعون في نحر كل من خرج من عباد الله منكرا كفر الطواغيت وشركهم ، ساعيا لتحكيم شرع الله ونصرة دينه المعطل الممتهن ..
فهذه حقيقة وظيفتهم ومنصبهم وعملهم ؛ يتلخص في سببين من أسباب الكفر صريحين وهما :
نصرة الشرك (بتولي القانون والتشريع الكفري الطاغوتي)()
ونصرة أهله وتوليهم ومظاهرتهم على الموحدين .
والنصوص الدالة على أن هذان سببان من أسباب الكفر البواح ظاهرة متضافرة ، وقد فصلناها في غير هذا المقام ، وليس مقصودنا هاهنا تفصيل هذا ، وإنما التنبيه إلى الأصل المذكور .
فقد أصل الله سبحانه وتعالى لنا في أنصار الكفار وأوليائهم عموما ، أصلا محكما في قوله تبارك وتعالى : (( الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت )) ، وقوله سبحانه : (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم )) فالأصل في كل من أظهر تولي الكفار ونصرتهم أو قاتل في سبيل الطاغوت أو كان في عدوته وحدّه وأظهر نصرته باللسان أو السنان ؛ أنه من جملة الذين كفروا ..
ولذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته مع الكفار المحاربين وفي أنصارهم وأوليائهم وأحلافهم الذين ينصرونهم على المسلمين؛ على هذا الأصل .
أنظر على سبيل المثال معاملته صلى الله عليه وسلم للعباس معاملة الكفار رغم دعواه الإسلام لما أسر في صفوف المشركين يوم بدر ، وانظر مثل هذا أيضا ما رواه مسلم في كتاب النذور (1008) من المختصر من حديث عمران بن حصين في قصة الرجل من بني عقيل حلفاء ثقيف ، لما أسره المسلمون بجريرة حلفائه لما نقضت ثقيف عهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم .. ولم يطلقه النبي صلى الله عليه وسلم رغم ادعائه الإسلام بل عامله معاملة الكفار فغنم ناقته وفداه برجلين من المسلمين .
وعليه كانت سيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم من بعده في كل ذوي منعة وشوكة يخرجون عن شريعة الله تبارك وتعالى .
أنظر سيرتهم في خلافة أبي بكر في أنصار مسيلمة الكذاب ونحوهم من المرتدين كأنصار طليحة الأسدي فقد كفروهم جميعا وساروا فيهم سيرة واحدة ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة
ولذلك أطلق العلماء المحققين القول بإباحة دم ومال المحاربين وأنصارهم وجعلوا حكم الردء فيهم حكم المباشر منهم().. وفي المغني (كتاب الجهاد )() ( فصل من أسر فادعى أنه كان مسلما ، لم يقبل قوله إلا ببينة ، لأنه يدعي أمرا الظاهر خلافه ..) أهـ وذكر فيه قصة سهل بن بيضاء في غزوة بدر .
فتأمل كيف جعل الأصل فيمن أظهر الانحياز لجيش الكفار حتى أسر في صفهم ، الكفر ، بحيث لا تقبل الدعوى بخلافه – كما في قصة أسر العباس أيضا – حتى تقوم بينة تغير هذا الأصل الظاهر .
ولأجل ذلك كان الأصل عندنا في كل من انتسب إلى هذه الأجهزة والوظائف ، التي حقيقتها ، نصرة الشرك وأهله ؛ الكفر . فنحكم على كل واحد منهم بالكفر ونجري عليه أحكام الكفر بما أظهروه من أسباب الكفر ، ما لم يتبين لنا خلاف ذلك من قيام مانع معتبر من موانع التكفير في حق المنتسب للإسلام منهم فنستثنيه .. وقد قدمنا أن تبين الموانع في حق الممتنعين المحاربين ، غير واجب لامتناعهم ومحاربتهم ، لكن إن ظهر لنا شيء من ذلك في حق بعضهم لم نكفره ، وما لم يظهر ذلك فالأصل الظاهر عندنا منهم هوالكفر، وحقيقة أمر باطنهم إلى الله تبارك وتعالى ، وليس إلينا ، وقد أمرنا بالأخذ بالظاهر ، ولم نؤمر أن نشق عن صدور الناس ولا عن بطونهم ، ولأن أصل هذه الوظائف وظاهرها ما قد عرفت فنحن نعاملهم ونؤصل لهم على هذا الظاهر حتى يظهر لنا خلافه ، بخلاف غير ذلك من الوظائف والأعمال التي ليس أصل طبيعتها وحقيقتها نصرة الشرك أو أهله ؛ ولذلك فلا نقول أن الأصل في الأطباء مثلا الكفر ، حتى يتبين لنا خلاف ذلك ، ولا أن الأصل في المدرسين الكفر ، أو أن الأصل في تولي وظائف الدولة الكافرة كلها الكفر .. كلا فهذه الوظائف كما سيأتي لنا فيها تفصيل ، وليست حقيقة جميعها وطبيعتها نصرة الشرك وأهله ، نعم قد يوجد فيمن يتولى هذه الوظائف من هو من أنصار الشرك وأهله ولكن هذا ليس مختصا بحقيقة الوظيفة وماهيتها، كما قد يوجد من هو من أنصار الشرك وأهله من غير الموظفين ..
والخلاصة : أن هذا التأصيل إذا كان في وظيفة أو عمل حقيقته أنه سبب من أسباب الكفر الظاهرة ، كنصرة الشرك وأهله ، أو التشريع وفقا لنصوص الدستور الكفري ، ونحو ذلك من المكفرات الصريحة الظاهرة ، فلا حرج فيه عندنا ، ومعناه : إجراء حكم الظاهر على أصحاب هذه الوظيفة ، وإرجاء ما بطن من الأحكام إلى الله تبارك وتعالى .
يقول ابن تيمية رحمه الله عن الفئة الممتنعة عن واجب معلوم من الدين بالضرورة: فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعةٍ من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء .
عن ديلم الحميري t قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إنا بأرضٍ نعالج بها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا، فقال: هل يُسكر؟ قلت: نعم . قال: فاجتنبوه . قلت: إن الناس غير تاركيه، قال: فاقتلوهم .
وقال: وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق t وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة ..
فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يُقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين ..
فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والميسر، أو عن نكاح ذات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته ـ التي لا عذر لأحدٍ في جحودها وتركها ـ التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء ا-هـ .
قال صاحب كتاب مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة ( 9 ) : إذا كان قتال الطائفة الممتنعة عن أداء واجب من واجبات الدين الظاهرة واجب بأدلة الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة .. فإن قتال هذه الجيوش المحاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، والتي لا تلتزم بشيء من واجبات وأركان هذا الدين()، إضافة إلى خصال الكفر الأخرى التي تتصف بها والمشار إليها آنفاً .. لا شك أنه أولى وأوجب من قتال الفئة التي تمتنع عن أداء آحاد الواجبات الدينية .
فإن قتال المرتد أو الفئة المرتدة المارقة من الدين المحاربة لله ولرسوله وللمؤمنين أوجب بكثير من قتال الفئة الباغية التي تمتنع عن أداء بعض واجبات الدين، بل هو أوكد من قتال وجهاد الكافر الأصلي كما سيأتي بيانه معنا.
قال ابن حجر()رحمه الله : إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا-هـ .
وقال النووي() رحمه الله : قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وقال وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها ا-هـ .
وقال صاحب كتاب أعمال تخرج صاحبها من الملة (114) : اعلم أن من يتجسس على عورات المسلمين، وأحوالهم الخاصة ـ وبخاصة منهم المجاهدين! ـ لينقلها إلى أعدائهم من الكفرة المجرمين؛ سواء كان كفرهم كفراً أصلياً أم كان كفر ردة .. فهو كافر مثلهم، وموالٍ لهم الموالاة الكبرى التي تخرجه من دائرة الإسلام، يُقتل كفراً ولا بد.
قال تعالى:) ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (البقرة:8-9.
ومن خداعهم للمؤمنين أن يتظاهروا بالإسلام، وأن يقولوا عن أنفسهم بأنهم مؤمنون، ثم هم يتجسسون عليهم لصالح أعدائهم من الطواغيت وغيرهم من الكافرين المجرمين.
وقال تعالى:) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً (الحجرات:12.
والتجسس من حيث دوافعه نوعان: نوع خاص يكون الدافع عليه الفضول وحب الاطلاع على عورات الآخرين، ليتلذذ الجاسوس ـ في مجالسه الخاصة والعامة ـ بالخوض في الحديث عن أعراض الناس وعوراتهم ويتباهى بأنه يملك الدليل والبينة على صدق دعواه وقوله .. لذا جاء عقب النهي عن التجسس النهي عن الغيبة؛ لأن الغيبة نتيجة حتمية للتجسس، فكل من تجسس لا بد له من أن يقع في غيبة الآخرين.
ونوع عام يكون دافعه نقل المعلومات ورفع التقارير إلى الطواغيت الظالمين وغيرهم من الكفرة والمشركين .. وهذا من الموالاة .. وهو أشد أنواع التجسس جرماً، وهو من الكفر الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة ولا بد.
والنهي عن التجسس الوارد في الآية يشمل النوعين: الخاص والعام .. والعام أولى بالنهي من الخاص .. فتنبه لذلك.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا " البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم :" من أكل بمسلمٍ أكلةً فإن الله يُطعمه مثلها من جهنم، ومن كُسِي ثوباً برجل مسلم فإن الله U يكسوه من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام رياءٍ وسمعة فإن الله يقوم مقام رياء وسمعة يوم القيامة "رواه أبو داود.
فيه تحذير وترهيب لأولئك الذين يكتبون التقارير عن المسلمين الموحدين ليرفعوها إلى الطواغيت الظالمين، ويشون عليهم، وعلى أماكنهم، وتحركاتهم .. مقابل مبلغ زهيد ـ يتقوتون به أو يلبسون ـ يرميه الطاغوت إليهم على كل تقرير يكتبونه عن المسلمين .. وما أكثر أصحاب النفوس الضعيفة هؤلاء في بلادنا، الذين باعوا دينهم وآخرتهم بدنيا غيرهم!!
وقال صلى الله عليه وسلم :" من استمع إلى حديث قوم وهم يفرون منه، صُبَّ في أذنيه الآنك" أخرجه البخاري في الأدب المفرد والآنك هو الرصاص الأبيض المذاب .. وهذا فيمن يستمع على وجه الفضول والتطفل .. فكيف بمن يستمع على وجه التجسس لصالح أعداء المسلمين من الكافرين والمشركين ..؟!!
وقال صلى الله عليه وسلم :" يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتّبع اللهُ عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته " رواه أبو داود.
قلت: من تتبع عورات المسلمين وتجسس عليهم لصالح الطواغيت الكافرين .. هو أولى بالنفاق، وانتفاء الإيمان من قلبه.
فالتجسس على عورات المسلمين وخصوصياتهم لصالح أعدائهم من المشركين المجرمين لا يمكن أن يمتهنها إلا كل منافق خسيس عريق في النفاق والخداع ..!
وقال صلى الله عليه وسلم :" من حمى مؤمناً من منافقٍ بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلماً بشيءٍ يُريد شَينَه به حبسَه الله على جسر جهنم حتى يخرجَ مما قال "رواه أبو داود.
هذا فيمن يرمي مسلماً بشيء يريد شينه به .. فكيف بمن يرمي مسلماً بشيءٍ يريد به قتله أو سجنه في سجون الطواغيت الظالمين ..؟!
وعن سلمة بن الأكوع قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال صلى الله عليه وسلم :" اطلبوه فاقتلوه " قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفلني إياه. متفق عليه.
وكذلك فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المرأة التي حملت كتاب حاطب إلى كفار قريش عام الفتح، ومن دون أن تُستتاب.
كما في الحديث عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة، أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين رواه النسائي.
من هاتين المرأتين هذه المرأة التي حملت رسالة حاطب إلى كفار قريش، واسمها سارة.
قال الإمام سحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يُستتب، وماله لورثته.
وفي المستخرجة قال ابن القاسم في الجاسوس: يُقتل ولا تُعرف لهذا توبة، هو كالزنديق().
وقال ابن تيمية رحمه الله(): ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس ا- هـ.
قلت: وقتله يكون على الكفر والارتداد .. وليس على شيء آخر، والله تعالى أعلم ا.هـ بتصرف يسير.
وأخيرا إذا كان الله كفَر من استهزأ بالمجاهدين في أعظم غزوة وهي تبوك قال ابن عمر t: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ـ أي أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم ـ أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق، لأخبرنًّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن.
قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:) أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم (.
وفي رواية عن قتادة قالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : احبسوا عليَّ هؤلاء الركب، فأتاهم فقال: قلتم كذا، قلتم كذا .. قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تبارك وتعالى فيها ما تسمعون.
وفي قوله تعالى:) إن نعف عن طائفة نعذب طائفة ( ذُكر أنه عُني بالطائفة في هذا الموضع رجل واحد.
عن ابن اسحاق قال: كان الذي عني فيما بلغني مخشن بن حمير الأشجعي حليف بني سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع.
وعن معمر قال: قال بعضهم: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث، فيسير مجانباً لهم، فنزلت الآية فسمي طائفة وهو واحد().
قال القرطبي في التفسير: قيل كانوا ثلاثة نفر؛ هزئ اثنان وضحك واحد؛ فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. قال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه " مخاشن بن حُميِّر " .. وقيل إنه كان مسلماً إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم. وكان يقول: اللهم إني أسمع آيةً أنا أُعنى بها، تقشعر الجلود وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسَّلت أنا كفنت أنا دفنت. فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وجد غيره ا- هـ
وقال ابن تيمية رحمه الله() : قوله تعالى:) قد كفرتم بعد إيمانكم (، فقد أمره أن يقول لهم قد كفرتم بعد إيمانكم. وقول من يقول عن مثل هذه الآيات أنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولاً بقلوبهم، لا يصح لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يُقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم وهم مع خواصهم مازالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق وتكلموا بالاستهزاء، صاروا كافرين بعد إيمانهم، ولا يدل اللفظ على أنهم مازالوا منافقين ..ا- هـ.
وقال في الصارم: وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر .. فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً، سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول ا- هـ.
أقول إذا كان الله كفَر هؤلاء فكيف بمن يطارد المجاهدين ويسجنهم ويحقق معهم ويعذبهم بأنواع العذاب من تسهير إلى تجويع إلى تعطيش إلى ضرب إلى تهديد بانتهاك العرض إلى غير ذلك من فنون التعذيب المعاصرة والتي ألف فيها المؤلفات الكثيرة أفلا يكون ذلك كله كفرا بلى والله ولا نبالي بأحد كائنا من كان وليتحرك شيوخ آل سعود وليفتوا وليدافعوا وليلبسوا فإن النصر قادم والله المستعان ونبرأ إلى الله من سعودة الإسلام المعاصرة والمنتشرة انتشار النار في الهشيم وهي بإذن الله إلى أفول قريبا بإذن الله .
مسائل وتنبيهات مهمة
مسألة مداهمة المنازل من قبل أفراد وضباط المباحث :
إن مسألتنا هذه تسمى في الفقه الإسلامي بالعدو الصائل وهي مسألة مجمع عليها بين أهل العلم من سلف الأمة حتى لو كان المداهم للمنزل من المسلمين بل من خيارهم فإنه يقتل ولا يتردد في ذلك يقول الشيخ عبدالله عزام رحمه الله في رسالته (الدفاع عن أراضي المسمين) (6) :
إن كل دين نزل من عند الله جاء للحفاظ على الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال.
ولذا فيجب المحافظة على هذه الضرورات بأي وسيلة، ومن هنا شرع الإسلام دفع الصائل،() والصائل: هو الذي يسطو على غيره قهرا يريد نفسه أو ماله أو عرضه.
الصائل على العرض: ولو كان مسلما إذا صال على العرض وجب دفعه باتفاق الفقهاء ولو أدى إلى قتله، ولذا فقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز للمرأة أن تستسلم للأسر ولو قتلت إذا خافت على عرضها.
أما الصائل على المال أو النفس فيجب دفعه عند جمهور العلماء، ويتفق مع الرأي الراجح في مذهبي مالك والشافعي ولو أدى إلى قتل الصائل المسلم، ففي الحديث الصحيح: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد () قال الجصاص بعد هذا الحديث: (لا نعلم خلافا أن رجلا لو شهر سيفا على رجل ليقلته بغير حق أن على المسلمين قتله)() .
وفي هذه الحالة -الصيال- إذا قتل الصائل فهو في النار ولو كان مسلما ، وإذا قتل العادل فهو شهيد، هذا حكم الصائل المسلم، فكيف إذا صال الكفار على أرض المسلمين حيث يتعرض الدين والعرض والنفس والمال للذهاب والزوال؟ ألا يجب في هذه الحالة على المسلمين دفع الصائل الكافر والدولة الكافرة؟! ا.هـ
ويقول ابن تيمية رحمه الله (فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه () .
وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم عين الناظر من ثقب باب البيت إذا فقئها صاحب الدار وأمر الرجل الذي يصلي فأراد أحد أن يجتاز بين يديه أن يدفعه فإن أبى فليقاتله وهي مسألة أهون من مسألتنا بكثير فكيف بمن يعتدي على بيوت المسلمين وينتهك حرماتها ويروع أهاليها ويكشف عوراتها ويفجع أطفالها بفقد آبائها أليس أحق بالمقاتلة من هؤلاء يقول الشيخ الجربوع في معرض رده على جريدة الجزيرة() التي قالت عن فتوى الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي رحمه الله : وللشعيبي فتاوى خطيرة تناقلها تلاميذه وأتباعه كفتوى بجواز قتل رجال الأمن وقتالهم عن المداهمة أو القبض مبرراً ذلك بأنه من باب دفع الصائل والدفاع عن النفس، وكان الشعيبي قد أفتى بها بعض تلاميذه المقربين منه عام 1415هـ ، واليوم يتناقل أتباع الشعيبي الفتوى نفسها…
قال الشيخ عبد العزيز الجربوع فك الله أسره : أولاً : أثبتي العرش أيتها الجريرة ثم انقشي يا ناقضة غزلها أنكاثا من بعد قوة ..
ثانياً : إن الإسلام هو الذي أفتى بذلك ولم يفتي بذلك الشيخ رحمه الله تعالى فلو سأل سائل وقال ما حكم الإسلام في رجل يقتحم علي داري وأنا في مأمن ( نائم بين نسائي ) وإذا بالبيت يداهم علي وعلى عرضي ويكشف ستر نسائي ويهتك في بلد يدعي أصحابها تطبيق الإسلام يقومون بأفعال استنكرها أبو جهل عندما قيل له لماذا لا نتسور على محمد صلى الله عليه وسلم بيته فقال أبو جهل لا والله لا أفعل فتتحدث العرب عني أني أورع بنات محمد صلى الله عليه وسلم !!.
الجواب : لاشك في جواز قتله
قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع في حال أقل من هذه الحال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله , فإنما هو شيطان } رواه البخاري ومسلم , قال أصحابنا : " ويستحب للمصلي دفع من أراد المرور لحديث أبي سعيد المذكور "
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين } رواه مسلم . ويدفعه دفع الصائل بالأسهل ثم الأسهل ويزيد بحسب الحاجة وإن أدى إلى قتله , فإن مات منه فلا ضمان فيه كالصائل .
فهنا جواز قتل المار بين يدي المصلي فما بالكم بمن داهم البيوت في الظلام الدامس على المؤمنين غير رجال الحسبة فإنهم يداهمونها على الطواغيت الذين لا حرمة لهم ولا لمنازلهم إذ أنها منازل أعدت لحرب الله ورسوله والصد عن سبيله فلها حكم الحرابة ..ناهيك أن المداهم هنا هو الصالح والمدهوم هو المفسد الفاجر بينما الصورة الماضية على النقيض فالمداهم هو الفاجر العربيد والمدهوم هو العالم الصالح والمؤمن العابد .
ويقول الشوكاني رحمه الله تعالى في النيل : باب دفع الصائل وإن أدى إلى قتله وأن المصول عليه يقتل شهيدا فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : { جاء رجل فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي , قال : فلا تعطه مالك , قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد , قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار } رواه مسلم وأحمد , وفي لفظه : يا رسول الله أرأيت إن عدا على مالي ؟ قال : " أنشد الله " , قال : فإن أبوا علي قال : " أنشد الله " , قال : فإن أبوا علي ؟ قال : " قاتل , فإن قتلت ففي الجنة وإن قتل ففي النار " فيه من الفقه أنه يدفع بالأسهل فالأسهل ) . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من قتل دون ماله فهو شهيد } متفق عليه وفي لفظ { من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد } رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه ) وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { من قتل دون دينه فهو شهيد , ومن قتل دون دمه فهو شهيد , ومن قتل دون ماله فهو شهيد , ومن قتل دون أهله فهو شهيد } رواه أبو داود والترمذي وصححه )
قال الشوكاني بعد أن ذكر المسألة الفقهية التي دلت عليها الأحاديث المذكورة آنفاً وهي ( جواز قتل من صال عليك يريد مالك )
قال رحمه الله تعالى : كما تدل الأحاديث المذكورة على جواز المقاتلة لمن أراد أخذ المال تدل على جواز المقاتلة لمن أراد إراقة الدم والفتنة في الدين والأهل وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال : من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله المقاتلة , وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة قال ابن المنذر : والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل .....إلى أن قال .... وأحاديث الباب مصرحة بأن المقتول دون ماله ونفسه وأهله ودينه شهيد , ومقاتله إذا قتل في النار , لأن الأول محق والثاني مبطل.. أ.هـ
ولابد لعلماء المسلمين وشباب الإسلام أن يعلم أن هجمة هؤلاء هي كما قال أبو مصعب السوري في كتابه الرائع (مسؤولية أهل اليمن) (17) :
ليس الصائل مجرد باغ أو قاطع طرق، أو فئة محدودة، إنه نظام عالمي جديد، إنها هجمة اليهود المحتلين لبلاد الشام في فلسطين وما حولها، والساعين لاحتلال كامل العالم العربي والإسلامي من خلال برامج التطبيع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي بل والأمني والعسكري في كامل المنطقة.
إنها هجمة أمريكا وبريطانيا وفرنسا وحلفاءهم في حلف الناتو مع روسيا في وسط آسيا على كافة بلاد الإسلام ولا سيما في عقر دارهم ومكان مقدساتهم وثرواتهم النفطية وغيرها.
إنها هجمة الحكومات المرتدة وأجهزة أمنها وجيوشها وشرطتها ومخبريها وسجانيها وجلاديها وأجهزة إعلامها الكافرة على أنفس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، حكومات موالية للأعداء نائبة لهم في حكمنا بشرائع الكفر.
إنها هجمة المنافقين الضالين المضلين الذين يكفون أيدي الناس وقلوبهم وعقولهم عن جهاد هذا الصائل ويفتون بقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس.
فمتى يكون دفع الصائل فرض عين إن لم يكن في مثل ما نحن فيه. وكما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
إننا نؤمن ونعلن بكل صراحة مستعينين بالله: إن حكم الجهاد اليوم فرض عين على كل مسلم، جهاد اليهود والصليبيين حيث وجدوا في بلادنا أو بلادهم مدنيين وعسكريين محتلين واقتصاديين مبشرين ودعاة كفر ودعارة وضلالة، بالسيف والسلاح، وإن حكم قتال وجهاد الحكام المرتدين الموالين لهم المدافعين عنهم الحامين لقواعدهم وتواجدهم فرض عين لوحده وتبعاً لجهاد اليهود والنصارى، بالسيف والسلاح، وإن حكم مواجهة باطل المنافقين وحججهم بالحجة الحقة والكتاب والسنة وأدلة الدين واجب أيضاً ولا سيما على العلماء والدعاة المجاهدين، كما قال تعالى ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) هذا في عامة ديار أهل الإسلام، فما حكم هذا في بلاد المقدسات، الجزيرة واليمن والشام، بلاد الحرمين وقدس المسلمين، بلاد الجزيرة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج منها كل مشرك ولا يجتمع فيها دينان، لا شك أنه أوجب وآكد من باقي الديار وهو واجب مؤكد في كل ديار الإسلام، فهناك قبلتهم ومسجد نبيهم ومسراه، وهناك بيت مالهم ومحط ثرواتهم ومنبع أرزاقهم وهو النفط والغاز والثروات التي رزقها الله أهل الإسلام وجعلها في أكناف بيته ومسجد حبيبه ومسجد مسراه عليه الصلاة والسلام، وهي عقر دار الإسلام ومحل مقدساتهم ا.هـ.
فهل يعي هذا شباب الإسلام وينفضوا الغبار من على عيونهم ويتحركوا ويتحرروا ولا مانع من أن تموت منا ثلة وتحيا بعدهم أمة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون وإنما يجاهد المؤمن في الله جهاده، إن أخفق فإفادة أو أوذي فإرادة، أو نفي فريادة، أو سجن فعبادة، أو عاش فقيادة، أو مات فشهادة، فله الحسنى وزيادة.
مسألة تبين الموانع إنما يجب في المقدور عليه ، ولا يجب في الممتنع أو المحارب.
يقول صاحب كتاب (الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير) (66) : تبين الموانع إنما يجب في المقدور عليه ، ولا يجب في الممتنع أو المحارب :
واعلم بعد هذا أن تبين هذه الموانع إنما يجب في حق المقدور عليه دون الممتنع ..
والامتناع يرد على معنيين :
الأول : امتناع عن العمل بالشريعة جزئياً أو كلياً .
الثاني : امتناع عن القدرة ، أي قدرة المسلمين أن يوقفوه ويحاسبوه ويحاكموه لشرع الله .
ولا تلازم بين النوعين فقد يكون الممتنع عن العمل بالشريعة ؛ مقدوراً عليه في دار الإسلام كمن امتنع عن الزكاة وهو فرد مقدور عليه في دار الإسلام .
وقد يجتمعان ، فيمتنع الممتنع عن الشريعة بدار كفر أو بشوكة وطائفة وقانون وسلطان دولة ، بحيث لا يتمكن المسلمون من إنزاله على حكم الله تعالى وإقامة حد الله عليه ..
والممتنع عن القدرة ، قد يكون محارباً باليد ، وقد يكون محارباً باللسان فقط() .
وقد نص العلماء على أن الممتنع عن القدرة لا تجب استتابته ، فمن باب أولى المحارب الذي داهم ديار المسلمين واحتلها وتسلط على مقاليد الحكم فيها .
ويراد بالاستتابة معنيان أيضاً :
الأول : طلب التوبة ممن حكم عليه بالردة .
الثاني : تبين الشروط والموانع قبل الحكم عليه بالردة ، وهذا هو الذي نريد التنبيه عليه هنا .
فالممتنع عن شرائع الإسلام والممتنع عن النزول على حكم الله ، والمحارب للمسلمين الخارج عن قدرتهم وحكمهم ، سواء امتنع بدولة الكفر أو بقوانينها أو بجيوشها ومحاكمها ، هذا قد جمع بين نوعي الامتناع، فلا يجب تبين الشروط والموانع في حقه قبل التكفير والقتال .. إذ هو لم يسلم نفسه للمسلمين ، ولا سلم بشرعهم وحكمهم حتى ينظر له في ذلك .. فلا يقال قي حق من كانوا كذلك ، أنهم لم تقم عليهم الحجة ، كما يهذر به بعض من يهرف بما لا يعرف ، خصوصاً إذا كانوا محاربين مقاتلين لنا في الدين ، وقد تسلطوا على ديار الإسلام وامتنعوا بشوكتهم عن شرائعه ، وأقاموا وفرضوا شرائع الكفر والطاغوت ..
يقول محمد بن الحسن الشيباني : ( ولو أن قوماً من أهل الحرب الذين لم يبلغهم الإسلام ولا الدعوة أتوا المسلمين في دارهم ، يقاتلهم {المسلمون} بغير دعوة ليدفعوا عن أنفسهم ، فقتلوا منهم وسبوا وأخذوا أموالهم فهذا جائز … ) أهـ . من السير الكبير ، وما بين المعكوفين زيادة أثبتها السرخسي في شرحه ، ثم قال : ( لأن المسلم لو شهر سيفه على مسلم حل للمشهور عليه سيفه قتله للدفع عن نفسه ، فها هنا أولى ، والمعنى في ذلك أنهم لو اشتغلوا بالدعوة إلى الإسلام فربما يأتي السبي والقتل على حرم المسلمين وأموالهم وأنفسهم فلا يجب الدعاء ) أهـ.
ويقول ابن القيم : ( ومنها أن المسلمين يدعون الكفار –قبل قتالهم- إلى الإسلام هذا واجب إن كانت الدعوة لم تبلغهم ، ومستحب إن بلغتهم الدعوة ، هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم بغير دعوة لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم )() .
فهذا من تفريق العلماء بين جهاد الطلب وجهاد الدفع ..
وقد فرق شيخ الإسلام أيضاً في مواضع عديدة من كتبه بين (المرتد ردة مغلظة -وهو الذي يضيف إلى ردته الامتناع أو المحاربة والقتل أو القتال- فيقتل بلا استتابة وبين المرتد ردة مجردة فيقتل إلا أن يتوب().
وقال أيضا() : ( المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب ، أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام ، فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد ) أهـ .
وقال أيضا() : ( على أن الممتنع لا يستتاب وإنما يستتاب المقدور عليه ) أهـ .
تنبيه: بعض القطاعات العسكرية أشبه أن تكون بالقطاعات المدنية وذلك مثل الدفاع المدني ومكافحة المخدرات وما شابهها إذا كان العامل فيها ثابتا لا يمكن نقله إلى الأقسام العسكرية ذات الأوصاف المكفرة وله أن لا يقبل بذلك وأنبه إلى أن هذا القيد مهم أي إذا كانت هذه الأقسام مستقلة والعامل فيها يختارها ويثبت فيها كما هو في بعض البلدان فهذه يختلف حكمها عن ما مضى فهي ليس فيها نفس الوصف المنطبق على البقية من نصرة وحماية وتثبيت ولكنها لا تخلو من المنكرات التالية وهي كثيرة لو لم يوجد إلا واحد لكفى في تحريمها وهي كالآتي():
1-التشبه بالكفار في اللباس .
2-التشبه بأعداء الله في تعليمات الجُند .
3-التشبه بأعداء الله في لبس البرنيطة .
4-التشبه بأعداء الله في تدريب الجنود .
5-التشبه بأعداء الله في الإشارة بالأصابع عند السلام وكذلك الإشارة بالأكُف.
6-التشبه بأعداء الله بشد الوسط بما يُشبه الزنار .
7-المحكمة العسكرية() .
8-تعليق الصور والتصوير .
9-الخلطة الفاسدة .
10-تحية العلم والتحية العسكرية .
11- الطابور العسكري وضرب الطبول والموسيقى .
شبهات مثارة
يثير الكثير من هؤلاء العسكر شبهات() وهي مدحوضة مردودة وإليك هذه الحوار الذي دار بين أبي محمد المقدسي وأحد هؤلاء مع إحالتنا في الحاشية إلى المراجع التي تدحض هذه الشبهات وهي متوافرة بحمد الله()وإن كنا سنرد على بعضها يقول أبو محمد في رسالة (حوار بين عساكر الشرك وعساكر التوحيد) (1-3) :
لقيته في ممرات السجن، فأشحت بوجهي عنه ومضيت إلى حاجتي، ثم عدت فلقيته بالمكان نفسه فلما حاذيته قال: إيش... لا سلام ولا كلام...؟؟.
قلتُ: وهل بيننا سلام؟؟.
قال: علشان طواغيت ها...؟؟.
قلت: لا... لابد أن تكون دقيقاً نحن لا نقول عنكم أنتم طواغيت... لنكن واضحين، أنتم أعوان الطواغيت، أنتم جند الطواغيت، أنتم أنصار الطواغيت.
قال: والله يا شيخ إني بأحبك مهما قلت عني...
قلت: أما أنا فأغشك إن قلت لك أني أحبك، لا والله لا أحبك ما دمت تلبس هذا اللباس وما دمت من حراس القانون الوضعي.. لكن والله الذي لا إله إلا هو إني أحب لك الخير.. وأتمنى لك الهداية.
قال: يا شيخ والله أنا بصلي وبأقرأ القرآن ورايح هاليومين على العمرة.
قلت: أما صلاتك وقراءتك للقرآن وغير ذلك من العبادات فلا تقبل من غير توحيد قال تعالى عن أعمال المشركين وصلاتهم وصيامهم {وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءاً منثوراً} أليس طهارة الجسد من النجاسات والوضوء، شرط لصحة الصلاة؟؟.
قال: نعم.
قلت: فأعظم من هذا الشرط وقبله، شرط التوحيد"طهارة النفس من الشرك" فالله لا يقبل صلاةً ولا صياماً ولا حجاً ولا عمرة بدون هذا الشرط، لذلك فأنت ستذهب إلى العمرة حاملاً الشرك معك وسترجع بماء زمزم والمساويك والطواقي والشرك أيضاً، تذهب وترجع به لأن العمرة والحج وغيرها من أعمال البر قد تُسقط كثيراً من الذنوب إلا الشرك، فلابد من الإقلاع عنه والبراءة من كلّ ما يُعبد من دون الله، قبل الصلاة والصيام والحج.
قال: شرك يا شيخ؟ إنت شايفنا بنعبد غير الله وإلا بنصلي لغيره.. حرام عليك يا شيخ تقول عنا مشركين... الرسول يقول: "من كفّر مسلماً فقد كفر..".
قلت: نعم أنت ربما لا تصلي لغير الله ولا تصوم لغير الله ولا تحج لغير الله... لكنك تتلقى التشريع والأمر والنهي مطلقاً من غير الله، ولذلك فأنت عندما نجادلك بطاعة أسيادك بالمعصية تقول: أنا عبد مأمور. وقد قال تعالى: {ءأربابٌ متفرقون خيرٌ أمِ الله الواحد القهار؟} فأنت تحرس وتحمي وتحفظ القانون الوضعي المضاد لشرع الله، مع أنّ الله تعالى قد أمرك أن تكفر به وتجتنبه.. قال تعالى: {ولقد بعثنا في كلّ أمة رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به}.
والطاغوت: عام يشمل الأوثان المعبودة من دون الله، وكذلك كلّ من عُبد من دون الله من شياطين الإنس والجن بأي نوع من أنواع العبادة وهو راضٍ.
قال: نحن لا نعبد أحداً غير الله.
قلت: الطاعة بالتشريع عبادة قال تعالى عن أهل الكتاب {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} وذلك لأنهم أطاعوهم في التشريع... وقال تعالى في مسألة واحدة من مسائل التشريع وهي الذبح، وذلك عندما كان المشركون يُجادلون المسلمين في حكم الميتة، ويزعمون أنه لا فرق بينها وبين المذكاة.. قال سبحانه {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}.
قال: لا أحد منّا يقول أن الميتة كالمذبوحة.
قلت: نعم ربما ولكن أنتم أو أسيادكم تقولون {إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرّم الربا} ولذلك يُبيح أسيادكم الربا كإباحة البيع والتجارة ويُقيمون له المؤسسات والصروح الربوية الضخمة ويضعون له التشريعات المختلفة التي تبيحه وتحميه كما في قوانينكم التجارية.
أما قولك "من كفر مسلماً فقد كفر" فهذا ليس بحديث... وإنما الحديث "من قال لأخيه المسلم يا كافر فإن كان كذلك وإلا حار عليه" والفرق بين اللفظين؛ أن الأول معناه أن المسلم لا يمكن أن يكفر أبداً، وهذا غير صحيح، فإن المسلم إذا نطق أو فعل أو اعتقد الكفر كفر، ولذلك قال الله عن أُناس كانوا مسلمين في زمن النبي e وخرجوا معه في غزوة عظيمة للجهاد في سبيل الله قال عنهم لما صدر منهم بعض الإستهزاء بحفظة القرآن: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} وفي كتب الفقه تجد باباً مفرداً اسمه "باب حكم المرتد" وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه.
أما الحديث الصحيح فهو يُبيّن أنه إن كان المسلم الموصوف بالكفر كذلك، أي فيه الكفر.. فلا حرج على من كفّره وإنما الحرج والخوف على من كفّر مسلماً لم يقع منه شرك أو كفر.. ونحن لا نكفّر المسلمين وإنما نكفّر المشركين من عبيد الطاغوت وجنده وأنصاره الذين يحرسون القانون الوضعي ولا يتبرأون منه ويسجنون أنصار الشريعة والتوحيد ويُحاربونهم لتوحيدهم...
قال: طيّب يا شيخ منطق إذا عديناكم ترفضوا أن يلمسكم الشرطي أو الضابط يعني نحن نجسين.
قلت: قال الله {إنما المشركون نجس} ثم قال تطهيراً للبيت الحرام وحفظاً لجنابه من رجس المشركين {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} والمسلم الموحّد أكرم على الله من الكعبة، والذي أعتقده أن النجاسة هنا هي النجاسة المعنوية وليست الحسية خصوصاً في حقّ من يدّعي الإسلام ويؤدي بعض العبادات التي تستلزم الطهارة والوضوء، فأنتم ربما كانت أجسادكم نظيفة فيما يظهر للنّاس ولكن نفوسكم ليست كذلك ما دامت متلطخة بالشرك غير متبرئة منه.. ونحن لا نرفض مبدأ لمسكم لنا أثناء العدد لأجل النجاسة أو الطهارة، فأنتم عند التفتيش تلمسوننا، لكننا نرفض ذلك ما استطعنا إليه سبيلاً، لأن أكثركم أهل كبرٍ وتعجرف وقد رأيناكم تعدّون السجناء بطرق استفزازية كالغنم والدواب ونحن نأبى أن نعطي الدنية في ديننا.. ولو سكتنا عن ما ترونه الآن هيّناً فستطاولون علينا بأكثر منه كما هو الحال فإنكم تعدون كثيراً من النزلاء كما شاهدناه في سجون أخرى ضرباً بالكيابل والخراطيم، ونحن أصحاب دعوة عظيمة أعزنا الله بالتوحيد وإنما سجنا من أجله، فلا نرضى الذلة وإن كنا في الأسر، ونرفض أن نُعامل كمن جاء هنا على هتك عرض أخته أو غيرها...
قال: ولكن أسلوبكم فظ وغير جيد أما الجماعة الفلانية فهم أصحاب الأسلوب الجيّد يُصافحوننا ويبتسمون لنا ولذلك فهم الذين نخاف منهم أن يجنّدوا من يتأثر بهم وبأسلوبهم.. أما أنتم فتنفرون عن دعوتكم بأسلوبكم هذا وبعدم السلام علينا.
قلت: أولاً: أنا ليس هدفي عندما أتعامل معك بهذه الطريقة أو أدعوك إلى التوحيد أن أجنّدك لي أو أنظمك في جماعةٍ أو حزبٍ ما ـ كما هو ربّما هدف الآخرين الذين تحدثني عنهم ـ وإنما هدفي الأول: أن أُخرجك من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد وأدعوك أول ما أدعوك لا لأجندك لي أو لحزب معين بل أدعوك لتترك جيش الطاغوت والقانون الوضعي وتصير جندياً للتوحيد والشريعة والإسلام ومُرادي بهذا الأسلوب أيضاً أن أُظهر هذا التوحيد العظيم الذي يتضمن البراءة من الشرك وأهله ـ لعل الله أن يجعلني من الطائفة الظاهرة القائمة بدين الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله. فأنا اُعاملك بهذه المعاملة، فلا اُصافحك أو أسلّم عليك لأعرّفك بحكمك، ولأظهر لك أنك على الكفر والشرك ما دمت تنصر القانون الوضعي وتخذل شرع الله فأدعوك بذلك لترك ما أنت عليه من نصرة الشرك والمشركين لتنجو من نار وقودها النّاس والحجارة بخلاف من يُربّت على كتفك ويُداهنك ويُصافحك ويبتسم في وجهك فيُزيّن باطلك ويُقرّك على شركك، أترى مَن مِن الفريقين أحرص على مصلحتك؟؟.
والله إننا نحب لك الخير، ونحن أحرص على البلد ومصلحتها بل وعلى مصلحة حاكمك الذي تُطيعه وتحرسه أكثر منك يا من تحرس قانونه ونظامه.
قال: كيف..؟؟.
قلت: إن مثلي ومثلك ومثل واقع هذا البلد وملكها ـ كمثل قطار يستقله ملكك ونظامه ومن شايعه وآزره.. وينطلق فيهم على سكة بأقصى سرعة، وهذه السكة تؤدي إلى هاوية سحيقة في قعر جهنّم ـ والعياذ بالله ـ فأنا وأمثالي من دعاة التوحيد، نقف في وجه هذا القطار ونحاول منعه بمن فيه من السقوط في تلك الهاوية ونحجزه عنها وننادي بهم ابتعدوا عن التشريع مع الله، إياكم والشرك بالله اتركوا القانون الوضعي، حرّموا الربا، اجتنبوا الزنا، دينوا بدين الحق، وأنت وأمثالك من جنود الطاغوت والقانون ماذا تفعلون؟؟.
قال: نضع في القطار مزيداً من الوقود كي يفرمك ويدوسك أنت وأمثالك ممن يقفون في وجهه..!!.
قلت: نعم هذا واقعك، تدفعونه دفعاً ليفرمني ويُعرض عن دعوتي ويتناس تحذيراتي ومن ثمَّ يهوي في قعر تلك الهاوية السحيقة.. إذن فأنا أحرص منك على مصلحة البلد ومصلحة أهله الحقيقية، فأنا أبذل حياتي وعمري لأجل انقاذك من الشرك والنّار، وأنتم تُكافئوني وأمثالي من الدعاة على ذلك بالسجن والأذى والتعذيب...
ثم تأتي بعد ذلك لتعطيني محاضرات في أسلوب الدعوة إلى الله...
فتب إلى الله ودع عنك نصرة الشرك والقانون الوضعي، قبل أن تتكلم في الأسلوب وغيره من الفروع.
وإياك أن تموت على الحال التي أنت فيها، فوالله إن حصل لك هذا فلن تفلح إذاً أبداً..ا.هـ
الشبهة الأولى : العذر بالجهل
يقول البعض إن هؤلاء العسكر المباحث أو غيرهم جهَال بحاجة إلى من يعلمهم ويدعوهم ويبين لهم فهم لا يعرفون أن سادتهم طواغيت وأن طاعتهم لهم في التشريع عبادة وشرك وبناء على هذا فتوليهم لهم وحراستهم ونصرتهم ووو ليست كفرا .
وللرد على هذه الشبهة يقال :
لا خلاف في أهمية واستحباب دعوة هؤلاء العساكر وغيرهم وأنّ ذلك من أحسن الأعمال قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
لكن كُلٌّ مشرك بالله في العبادة قبل الدعوة وأثناءها وبعدها ما داموا غير ملتزمين بالتوحيد ولا كافرين بالطواغيت فهم مشركون.
والقول بأهمية دعوتهم لا يغير من حكمهم ولا يجعلهم موحدين أو يرفع مسمّى الشرك عنهم فالله عزّ وجلّ يقول {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } .
فقد سمّاهم الله بالمشركين قبل أن يسمعوا كلام الله ووصفهم بذلك مع أنّهم لا يعلمون ( أي جهّال ) .وأمره لنبيه صلى الله عليه وسلّم بدعوتهم وإسماعهم وتبليـغهم الدعـوة لم يغيِّـر من ذلك الوصـف شيـئاً لا قبل الدعوة ولا أثنــاءها ولا بعـدها ما دامـوا ملازمـين للشرك غير ملتزمـين للتوحيـد .
وذلك لأنّ الشرك الأكبر المناقض للحنيفية السمحة وهو صرف شيء من العبادة الظاهرة لغير الله عزّ وجلّ أمر لا يُعذر فاعله بالجهل أصلاً فقد أقام الله عزّ وجلّ عليه حجته البالغة من أبواب شتى ذكر العلماء منها:
1- الأدلّة الكونية الظاهرة الدالة على وحدانية الله، حيث يستدل بربوبيته على وحدانيته سبحانه فالذي خلق ورزق وصوّر ودبّر هو وحده الذي يجب أن يُعبد ويشرّع ولا يجوز شرعاً وعقلاً أن يُصرف شيء من ذلك لغيره سبحانه {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}.
2- ومنها أخذه سبحـانه الميثـاق على بني آدم في ذلك حيـث استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر قال تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ }. فلم يعذرهم الله تعالى بدعوى الغفلة والجهل وتقليد الآباء في الشرك الظاهر المستبين ، بعد أن أخذ ميثاقهم على أن لا يتخذوا رباً سواه.
3- ومنها فطرة الله التي فطر الناس عليها وغرسها في قلوب العباد على أنّ الخالق الرّازق هو وحده المعبود المشرِّع كما في الحديث الذي يرويه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" وفي رواية (ويشركانه) وهي في صحيح مسلم وفي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم أيضاً "إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرّمت عليهم ما أحللت لهم".
4- وإضافة إلى ذلك أرسل سبحانه الرسل جميعهم من أجل هذه الغاية العظيمة {* وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ} ، {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فمن لم تصله رسالة نبي سمع بغيره.
إذ جميعهم وإن تنوّعت شرائعهم إلاّ أنّ دعوتهم إلى تحقيق التوحيد وهدم الشرك والتنديد واحدة.
وقد قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وقد صدق الله وحده فبعث للناس كافة رسله ، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أوضح به المحجة وأقام به الحجة ، وليس بعده ثم رسول.
5- وأنزل سبحانه الكتب جميعها تدعوا إلى هذه الغاية العظيمة وختمها بكتاب لا يغسله الماء لا يبلى ولا يبيد فتكفّل بحفظه إلى يوم القيامة وعلّق النذارة ببلوغه في كثير من أبواب الدين.
فكيف بأعظم وأهم وأخطر باب من تلكم الأبواب (التوحيد) قال تعالى {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} وقال تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} .
ثم عرّف البيِّنة والحجّة سبحانه بقوله {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } .
فمن بلغه هذا القرآن العظيم فقد قامت عليه الحجّة والنذارة ، خصوصاً في أوضح أبواب الدين الذي بعث كافة الرسل من أجله.
أمّا أن يُراد بالحجة وقيامها أن يؤتى إلى كل واحد في مكانه فتقام عليه الحجة فهو ما أنكره الله تعالى في قوله تعالى عن المشركين {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } .
ومعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن شأنه في دعوة الطوائف الممتنعة، أنه كان يراسل رؤوس تلك الطوائف دون آحاد رعيتهم ، ولم يكن يشترط أو يأمر رسله وأمراءه بوجوب تتبع آحاد الناس لإقامة الحجة عليهم ، خصوصاً في المحاربين .وأن الحال عند العلماء بعد انتشار الإسلام وفشُوِّه في أرجاء المعمورة ليس كالحال في فجر الدعوة وأول الإسلام أو مع حديث العهد بالإسلام.
وهؤلاء الطواغيت وأنصارهم من عساكر القانون يقتفون آثار من قبلهم من المشركين في الإعراض عن القرآن المتضمن للتوحيد وإهماله وينفرون من سماع الحق كنفور وفرار الحمر الوحشية من الأسد، فهم مشركون جهال بجهل اكتسبوه بإعراضهم عن التذكرة المحفوظة والحجة القائمة بين أيديهم ..
لا لجهل سببه عدم بلوغ الرسالة ، أو لجهل سببه العته أو الجنون أو الصغر أو نحو ذلك من موانع الأهلية ..أضف إلى ذلك أنهم محاربون ممتنعون عن شرائع الإسلام بشوكة ، ومعلوم أن المحارب لا تجب إقامة الحجة عليه …ولذلك فرق العلماء في هذا الباب بين من كان قتاله قتال دفع وبين من كان قتاله قتال طلب،ثم يأتي أولئك المجادلون عن هؤلاء المحاربين لدين الله وأوليائه ليرقِّعوا باطلهم, فيزعمون أنّ الحجّة غير مقامة عليهم, ولازم هذا -مع مافيه من جهل- مناقض ومعارض لقوله تعالى {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} وقد علمتَ أنها مقامة في أصل التوحيد من وجوه وأبواب شتى.
ولذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم لرجل سأله عن أبيه: "إن أبي وأباك في النار" رواه مسلم مع أنّهم من القوم الذين قال الله فيهم {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} .
وما ذلك إلاّ لأنّ أصل التوحيد والتحذير من الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى، قد أقام الله عليها الحجة البالغة كما تقدّم من أبواب شتى وأرسل بها الرسل أجمعين .
ومع هذا يأتي بعض من لا يعرفون من الدين إلاّ الاسم ولا من معالمه إلاّ الرسم يطالبون بإقامة الحجة في باب الشرك الواضح المستبين والتوحيد الذي هو أحق حقوق الله على العبيد ، والذي بُعِث من أجله جميع الرسل وأُنزلت له كافة الكتب وتواترت عليه الحجج .
وربما أقاموا على ذلك شبهاً بآيات يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} يريدون: أنّه لا تكفير إلاّ بعد إقامة الحجّة في كل باب حتى في الشرك الأكبر الواضح المستبين.
وليس في هذه الآية وجه دلالة على قولهم الفاسد هذا فالله جلّ ذكره لم يقل "وما كنّا مكفرين حتى نبعث رسولاً"! .
وإنّما قال {معذِّبين} والمقصود بذلك عذاب الإستئصال الدنيوي وهي كقوله تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} , أو العذاب الأخروي كما قال تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى} .
أمّا التكفير خصوصاً في الشرك الأكبر وعبادة غير الله فليس هو المراد بذلك، إذ الكافر إمّا أن يكون كافراً معانداً كالمغضوب عليهم عرفوا الحق وكفروا به، أو يكون كافرا جاهلاً معرضاً أو مضلّلاً كالضالِّين الذي لبّس عليهم علماؤهم.
وليس كل كافر يكون كفره عن علم وجحود للحق بل أكثر الكفار جُهّال ضلاّل وإنما أوردهم النار كفرهم بتقليد ساداتهم وكبرائهم وآبائهم ويحسبون أنّهم يُحسنون صنعاً .
وباب الشرك الأكبر الصريح قد أقام الله عليه حججه البالغة فلا يُعذر الجاهل فيه لأنّ جهله والحالة كذلك إنما يكون إعراضاً عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله وليس جهل من لم تقم عليه الحجّة .
وفي قصة زيد بن عمرو بن نُفيل عبرة فقد حقّق التوحيد دون أن يبعث رسول خاص بزمانه وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم مباشرة فقد كان من القوم الذين قال الله تعالى فيهم {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} ومع ذلك فقد كان زيد حنيفاً على ملّة سيدنا إبراهيم اهتدى إلى التوحيد بفطرته فكان يبرأ من طواغيت قومه ويجتنب عبادتها ونصرتها، وكان ذلك كافياً لنجاته، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده، ورآه صلى الله عليه وسلم ، وقد قُدِّمت له سُفرة "مذبوحة على نصبهم" فأبى أن يأكلها وقال: (إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم) وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول :( الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله ، إنكاراً لذلك وإعظاماً له) رواه البخاري. .
فتأمّل كيف أنّ التوحيد مزروع في الفطرة وأنّ الشرك هو الطارئ الذي اخترعه الناس وانحرفوا إليه .
فهذا رجل لم يأته نبي خاص بزمانه، ومع هذا عرف التوحيد وحقّقه فنجا وعُذر بتفاصيل الشريعة والعبادات التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الحجّة الرسالية فقد كان يقول كما في رواية ابن إسحاق: " اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به ، ولكني لا أعلمه ، ثم يسجد على الأرض براحته ".
فعُذر بترك الصلاة والصيام ونحوه من الشرائع التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الرسل .
بينما لم يُعذر أهل زمانه ومنهم والديّ النبي صلى الله عليه وسلّم لأنّهم لم يحقِّقوا التوحيد ويبرأوا من الشرك والكفر والتنديد مع أنّـهم لم يأتهم نذير كما أخبر تعالى.
فتدبّر هذا المعنى جيداً واعلم أنّ هذا الباب (باب العذر بالجهل) قد تكلّم فيه العلماء وخاض فيه المتأخرون ولا يفهمه حق الفهم إلاّ من أحاط به من جوانبه أمّا من أخذ منه بنص واحد وبنى عليه المسائل الكبار فقد جانب الصواب وأبعد النجعة.
واعلم بعد هذا كله أنّ كفر هؤلاء الطواغيت وأنصارهم اليوم ليس هو من الجهل بمعنى عدم بلوغ الحجّة الرسالية فقد بُعِث خاتم الرسل وليس بعده ثَم رسول, وكتاب الله الذي عُلِّقت به النذارة محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو بين أيديهم
ولكن أكثر الناس استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فهم معرضون عن طلب الحق وعن اتباعه فكفرهم كفر إعراض وليس بسبب عدم بلوغ الحجّة الرسالية .
ثم اعلم أن الذين {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} كانوا يجهلون أنّ الطاعة في التشريع عبادة وشرك كما في حديث عُدي بن حاتم الصحيح بمجموع طرقه وفيه قوله "ما عبدوهم" فما كانوا يعرفون أن الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع عبادة ومع هذا كفروا بصرف ذلك لغير الله وصاروا به متخذين أرباباً من دون الله ولم يُعذروا بهذا الجهل.
لأنّ الأمر منافٍ للفطرة التي فطر الله الناس عليها, فالذي خلق ورزق وصوّر وبرأ هو الذي لا يجوز أن يشرِّع ويأمر ويحكم أحد سواه ، وقد بعث الله كافة رسله وأنزل جميع كتبه لأجل توحيد الله بالعبادة وإفراده بالحكم والتشريع واجتناب عبادة من سواه ، ثم الأمر بعد ذلك في زماننا أوضح من ذلك فهذا الضابط أو ذلك الشرطي وذلك المخابرات أو الأمن الوقائي، إذا ما سألته عن دينه زعم أنّه الإسلام وأنّ كتابه القرآن، وأنه يتلوه آناء الليل وأطراف النهار زيادة في إقامة الحجة!! ثم هو مع ذلك يخذل الإسلام والقرآن ويحاكم ويسجن ويتجسّس على من يسعى لتحكيمه ونصرته ويحارب كل من يدعوا إلى التوحيـد والـبراءة من الشرك والتنديد وينصر في المقابل شرع الطاغوت وقانونه الوضعي ودستوره الشركي الذي ألغى أحكام الشرع ويظاهر أولياءه من أعداء التوحيد ويتولاهم ويُعينهم على أهل الحق .
فهل مناقضة هذا لدين الله تخفى على من زعم الإسلام ؟ وهل هي من الغامضات والمشكلات الملتبسات حتى يقال "لم تقم عليهم الحجّة"؟.
إنّ الأمر والله أوضح من الشمس في رابعة النهار.
فها هنا صفّان وفريقان يختصمون: صف شرك وصف توحيد صف القانون الوضعي وصف الشريعة المطهّرة وهؤلاء القوم يختارون بمحض إرادتهم وبكامل عقلهم واختيارهم صف الطاغوت إمّا حبّاً له أو استحباباً للحياة الدنيا "الراتب والتقاعد" ونحوه على الآخرة يقاتلون في سبيله وينصرونه ويحاربون من ناوأه أو اجتنبه من أهل صف التوحيد{الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}.
ولذلك سيقول هؤلاء الجند يوم القيامة عندما يعاينون فوز أهل التوحيد وهزيمة وهلاك أهل الشرك والتنديد {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَا اتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } .
فتأمل قولهم {فأضلّونا السبيلا} هل عُذروا به؟! .
وقال عن كثير من الكفار بأنّهم كانوا {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} و{وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} وكل ذلك لم ينفعهم لأنّهم نقضوا أمراً بيناً ظاهراً أقام الله عليه حجّته البالغة وأرسل من أجله جميع رسله ولو كان خطأهم وانحرافهم حصل في أمر غامض ملتبس وكان عندهم أصل الإسلام لكان حالهم فيه على غير هذا ().
والكلام في هذا الباب يطول وقد فصّل فيه أهل العلم() وفي هذا القدر في هذا المحل كفاية لمن أراد الهداية.
الشبهة الثانية :الإكراه والاستضعاف والرزق
يقول الكثير من هؤلاء إنهم مكرهون على العمل وليس لديهم بديل إذا تركوا عملهم هذا ويقول البعضإنّ كثيراً من هؤلاء العساكر لا يحبّون الطاغوت بل منهم من يكفر به يبرأ من قانونه الوضعي وهم في قلوبهم يبغضون الطاغوت لكنّهم يعتذرون بالرزق والراتب وأنّه لم يبق لبعضهم إلا سنوات قليلة على التقاعد.
وللرد على هؤلاء المتعذرين بالإكراه نسأل سؤالا واحدا وهو هل الذي يذهب مختارا بنفسه لطلب هذه الوظيفة ويوافق على شروطها وبنودها ثم يستمر فيها عشرات السنوات وهو يذهب كل صباح ويعود في الظهر ويأخذ الرواتب والبدلات والأوسمة والنياشين والرتبة تلو الرتبة يسمى في دين الله مكرها ()
وأما الذين يقولون نحن لا نحبهم ونكرههم ونذمهم ونبرأ إلى الله منهم وغير ذلك من الشبه السابقة الخ فنقول لهم() : أن نقول إنّ الفرق بين أهل السنّة وغيرهم من أهل الزيغ والضلال: أنّ الإيمان عند أهل السنّة اعتقاد بالجنان وقول باللِّسان وعمل بالجوارح والأركان وليس هو فقط اعتقاد بالقلب باطنا.
فالكفر بالطاغوت لا بد أن يكون ظاهراً وباطناً ولذلك كنّا مطَالبين في شريعتنا بالأخذ بالظاهر وعدم البحث عن الغيب الذي في القلوب والذي لا يعلمه إلاّ الله .
فالمنافق إذا أبطن الكفر وبغض الشريعة لكنّه أظهر لنا الإيمان بالله والكفر بالطاغوت والتزام شعائر الإسلام الظاهرة ولو كان ذلك عنده خوفاً من سلطان الإسلام فإنّنا مطالَبون بمعاملته بالظاهر ولا دخل لنا بباطنه .
ولذلك فإنّه يُحسب على المسلمين ويُعصم دمه ومالـه وحسـابه في الآخـرة على الله حيث قال تعـالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} والعكـس بالعكـس.
فكـذلك من زعــم أنّه مؤمن بالله في باطنه كافر بالطاغوت في قلبه وكان ظاهره مخالفاً مناقضاً لزعمه بأن صار من عساكر الشرك وأنصار الطاغوت يكثِّر سوادهم وينصر ويحرس قانونهم "الطاغوت الذي أمره الله أن يكفر به" ويتولاهم ويظاهرهم على المسلمين فإنّنا نأخذه ونحكم عليه بظاهره هذا .
لأنّنا كما في الحديث "لم نؤمر أن نشقّ عن قلوب الناس ولا عن صدورهم" .
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري "إنّ ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدِّقه وإنْ قال أنّ سريرته حسنة" .
وفي حديث البخاري أيضاً في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف الله بأوله وآخره مع أنّ فيهم من ليس منهم والمجبور ونحوهم .
ففي ذلك دلالة واضحة على هذا الأمر، لأنّ أمّ المؤمنين حينما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن حكم هؤلاء الذين خرجوا مكثرين لسواد ذلك الجيش وليس بنيّتهم قتال المؤمنين قال: "يهلكون مهلكاً واحداً ويُبعثون على نيّاتهم يوم القيامة" .
وفي هذا يقول شيخ الإسلام()رحمه الله وهو يتكلم عن جيش عبيد الياسق "الدستور التّتري" وفيهم من كان يصلِّي ويزعم الإكراه ونحوه .
قال: "فالله تعالى قد أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته –المكره فيهم وغير المكره- مع قدرته على التمييز بينهم ، مع أنه يبعثهم على نياتهم ، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ذلك ؟! " أ.هـ
أقول: وأنّى لنا ذلك؟ وكيف؟! وهل لنا إلاّ أحكام الظاهر .
فهذا صفٌّ خرج محارباً لأهل الإسلام مكثرا لسواد أهل الشرك والأوثان فحكم من كان فيه وأظهر تولِّيه ونصرته في الدنيا حكمهم وليس لنا نحن بأحكام الآخرة الآن.
ويدل على ذلك معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلّم للعباس حين أُسِر في صف الكفار ببدر فزعم أنّه مسلم وأنه خرج مكرهاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم "أمّا سريرتك فإلى الله وأمّا ظاهرك فلنا" .رواه الإمام أحمد وفيه راو لم يسم لكن أصل القصة في صحيح البخاري وفيها أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم له أن يفدي نفسه كالمشركين ، فعامله معاملة الصف الذي خرج مكثِّراً لسواده وهذا هو ما نفعله تماماً مع عساكر الشرك وأنصار القانون .
أفلا يسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو أتقانا وأخوفنا لله وأورعنا في التكفير والحكم على الناس وفي غير ذلك.
ومن تأمّل حال هؤلاء القوم لم يجدهم مكرهين بحال بل هي أعمالهم ووظائفهم التي يفخرون بها ويتقاضون عليها الرُّتب والرواتب والأجور .
وأي إكراه هذا الذي يُدفع لصاحبه أجراً وينال عليه الامتيازات ويمكث فيه العشرة والعشرين سنة نصيراً للشرك بزعمهم مكرها؟؟!
فإن تعذّروا بالاستضعاف فقد تعذّر به قوم من قبلهم فما قُبل منهم وهم قوم أسلموا بمكة ولم يفارقوا صف المشركين إلى صف أهل التوحيد فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون في مقدمة الصفوف.
وتأمل كيف أنهم لم يخرجوا معهم متطوِّعين ولا دخلوا جيشهم راغبين يأخذون على ذلك الرتب والرواتب كحال هؤلاء ومع ذلك أنزل الله تعالى فيهم قرآناً يبّين أنّهم ليسوا بمعذوريـن في ذلك ولا هم بمستضعفين فقال سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ؟} .
أي: في أي صف كنتم ؟ أفي صف التوحيد والشريعة ؟ أم في صف الشرك والتنديد والدستور الوضعي والقانون الكفري ؟! .
والجواب الواضـح الصحيح أن يقولوا: كنا في صف المشركين ولكنهم لما عاينوا هلاك أهل هذا الصف ، حادوا عن هذا الجواب ، إلى التعذر بالاستضعاف ، ظانين أن هذا ينفعهم في البراءة من الشرك والمشركين.
فتأمل كيف يحاولون التبرؤ من صف الطاغوت وجيشه الذي هلكوا فيه منذ اللحظة الأولى من لحظات الدار الآخرة لأن هذا أهم أمرٍ فرّطوا فيه وأهملوه وهو الأمر الذي أوردهم المهالك .
ولكن هل ينفعهم ذلك وقد ماتوا في صفه ولم يفارقوه ويبرءوا منه في الدنيا؟! فتأمل كيف يجيبون على سؤال الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ } .
تلك حجتهم التي توارثوها عبر جيوش الكفر {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} وهكذا يجيبوننا دوماً عندما ندعوهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد .
وهكذا يجادل عنهم المجادلون عندما نبيّن حكمهم في دين الله وموقفهم من التوحيد يقولون: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} الراتب.. والبيت.. والرزق... فهل يُقبل منهم مثل هذا؟!
تأمل جواب الملائكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه {قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا ذلك الصف الشركي إلى غيره؟ .
ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار،هل تراه يعجز عن أن يرزق المتقين والأبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد وأهله؟ تعالى الله علواًّ كبيراً عما يصفون.
وتأمل تهديد الله ووعيده لهم بقوله {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} مع أنّهم لم يخرجوا في ذلك الجيش متطوعين ولا مختارين لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ الأمر فلمّا عزم الأمر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين .
ثم قال تعالى {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} فلم يعذر الله سبحانه وتعالى بعذر الاستضعاف إلا من لا يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى الله من صف الكفار كأن يكون جريحاً أو عاجزاً أو مقيداً أو مأسوراً أو لا يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى الصف المسلم كأن يكون امرأة أو صبياً أو شيخاً أو ضعيفاً .
ثم رغّب الله تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير الواسع فمن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه, وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية فقال {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرض مراغماً كثيراً وسعة } كما قال في مقام اخر من مقامات دعوته عباده المؤمنين إلى البراءة من الشرك وأهله: { و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم }.
وصايا للمجاهدين
التفريق بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعيّة والعمليّة:
حين يتحدّث النّاس عن الجهاد في سبيل الله تعالى، فهذه كلمة جميلة وجميلة جدّاً - الجهاد في سبيل الله تعالى - ولكنّ واقع الجهاد ليس جميلاً كلّه في كلّ أحداثه، فالجهاد ليس هو هذه الخطب الرّنّانة، وليس هو تلك الكلمات الجميلة، وليس كلّه غنائم وسبايا، وليس كلّه نصرٌ مؤزّر، وليس كلّه خطبٌ ناريّة، بل فيه موت الحبيب، وفيه جرح الصّديق، وفيه تطاير الأشلاء وفقد المال، وفقد المُعيْن، وبمعنى آخر فيه جانب من المشقّة، بل المشقّة العظيمة، ثمّ فيه اختلاط الجنود وحصول الخصومات بين النّاس، فهذا ضرب هذا، وهذا خاصم هذا، وهذا شطّ على هذا، فهو حركة بشريّة، وفيه أخطاء واجتهادات، وتأويلات بعضها يستساغ وبعضها ليس كذلك، فهناك حدٌّ فاصل بين جمال الفكرة وسموِّها وبين واقعيّتها.
لو أخذنا تصوّر النّاس وخيالهم لِواقع الدّولة الإسلاميّة، لوجدنا أنّها أقرب ما تكون في أذهانهم إلى عالم الأحلام، عالم مليء بالصّور الجميلة، والفراشات الطّائرة، والألوان الزّاهية، والسّماءُ تُنزل غيثها على الدّوام، والضّرع مليء في كلّ حين، والأعداء يخافون جانبنا لِما يعلمون من نزول الملائكة معنا في القتال، فهم يتصوّرون دولة الإسلام التي لا فقير فيها، ولا مريض فيها وكلّ من طلب شيئاً فهو بين يديه، ولكن لو نظرنا لدولة النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما وجدنا هذه الجنّة، بل لوجدنا أنّ معاناة الصّحابة رضي الله عنهم في دولة الإسلام في المدينة أشدّ من معاناتهم وهم في مكّة.
فهل حصل للصّحابة رضي الله عنهم في مكّة ما حصل لهم في غزوة الخندق {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظّنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً} في دولة الإسلام زاغت الأبصار وبلغـت القلوب الحناجر، وابتلاء كالزّلزال بل هو الزّلزال نفسه.
قارن بين هذه الصّورة وبين الصّورة التي يحاول رسمها مشايخ هذا الزّمان لدولة الإسلام، فهم يَعِدون النّاس بالدّولة التي لا خوف فيها ولا مشقّة، بيتٌ لكلّ إنسان، طعـامٌ لكلّ بطن، والنّاس يدخلون في الإسلام لمجرّد رؤيتهم لنا ولدولتنا، وعلى هذا فالنّاس يأتون إلينـا (إلى جماعتنا) لأنّ في أذهانهم أننا الحزب الذي سيؤمن لهم من النعيم الدنيوي أكثر مما تؤمنه الأحزاب الأخرى.
لكن لو قلت لكم: إنّ ثلاثةً من الخلفاء الراشدين ماتوا قَتلاً، وعلى يد أُناس لم يحتاجوا لكثير من التخطيط لقتلهم:
- فعمر بن الخطاب رضـي الله عنه قتله عدوّ الله أبو لؤلؤة المجوسيّ وهو قائم في صلاة الفجر، بين يدي شيوخ المسلمين وعلمائهم وقادتهم ورؤسائهم.
- عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه انطلق الهوجاءُ وسيطروا على المدينة حتى دخلوا على الخليفة الصائم رضي الله عنه وذبحوه في بيته (في وسط المدينة بين الناس).
- عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، في وسط المسجد وهو قائم يدعو الناس إلى صلاة الفجر، وبين طائفة، يأتيه ابن ملجم الخارجيّ فيضرب هامته بالسّيف بتصرُّف فرديّ وباتّفاقٍ مع آخرين على قتل معاوية وابن العاص ، وهذا عصر الخلافة الراشدة وما أدراك ما بعده ولذلك علينا أن نقول: إنّ الذين يتصوَّرون عالم الإسلام العَمَلي (حركة المرء المسلمة في الحياة) هو عالم لا يمتّ إلى عالم البشر، وهو خارج عن حركة الحياة برمّتها هؤلاء واهِمون، ويعيشون تهويمات وخيالات فبمجرد اصطدامهم بالصّورة الحقيقيّة لهذه الحياة ستجدُهم ينقلبون على أنفسهم، يعلنون اعتزالهم وعدم قدرتهم على تحمُّل هذه الحياة.
إنّ العيش مع الكتب وبين الكتب، ومع الأفكار والقلم والورقة ليس هو الإسلام إنّما الإسلام هو حركة الحياة، حركة البشر (الإنسان) بما فيه من صواب وخطأ، فالصواب يقوَّى ويدعّم، والخطأ يقوَّم ويصلح، فعالم الإسلام العملي فيه الصواب وفيه الظلم، فيه الصدق وفيه الكذب، وكلٌّ له مقامه في الإسلام.
الإسلام يعترف بوجود الخطأ كوناً، ولا يلغيه في الخلق والوجود ولذلك أنزل الله تعالى الحدود وأنزل العقوبات، وأنزل الأحكام، والخطاب الرباني في ذلك كلِّه للمجتمع المسلم الموحّد المجاهد وليس هو خطاب لغير المسلمين.
على الرغم أن عصر الفتنة بين علي رضي الله عنه وخصومه (عائشة ومعاوية رضي الله عنهما ) هو عصر نَكِلُ فيه أصحابه إلى الله تعالى، ولا نقول فيه إلاّ ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكامه كقوله صلى الله عليه وسلم لعمَّار: ((تقتلك الفئة الباغية)) وغيره من الأحاديث، لكن لو حاولنا استطلاع ورؤية الواقع عن قرب (وهو عصر مبكر وقريب من القرون الخيريّة بل هو منها) لرأينا هولاً، ولرأينا من الأمور التي تشيب لهولها الأطفال، انظر:
1 - الخوارج (أربعة آلاف رجل مقاتل قرّروا قتال عليّ رضي الله عنه وثلاثة آلاف في الكوفة قرّروا عدم قتاله ولا القتال معه) طلب منهم عليّ رضي الله عنه أن (نمضي إلى قتال عدوّنا وعدوّكم معاوية)، لكنّهم يرفضون حتّى يعلن اعترافه بالكفر والتّوبة عنه، فيقيم لهم عليّ رضي الله عنه ملحمة في النّهروان بعد قتلهم عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ وزوجته الحامل، فقَتَلهم ولم ينجُ منهم سوى (400) رجل جريح.
2 - معركة الجمل في الخريبة قرب البصرة [حسب رواية عمر بن شبة] وهي معركة بين مسلمين بل بين القبائل نفسها (مضر ضدّ مضر وربيعة ضدّ ربيعة ويمن ضدّ يمن) إخوان في الدّين والمنهج والنّسب، وقُتِل فيه طلحة والزّبير (المبشّرين بالجنّة).
3 - معركة صفّين بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما، معركة حصل فيها مجزرة مع أنّ بعض النّاس حرّضوا على الصّلح وقالوا: "من لثغور الشّام بعد أهل الشّام؟ من لثغور العراق بعد هلاك أهل العراق، من للذّراري والنّساء، ألا تذكرون الأرحام؟" وبعيداً عن ضعف الرّوايات التي ذكرت الهول في القتلى لكن بلا شكٍّ أنّ القتل كان عظيماً.
4 - ردّة بعض النّصارى بعد إسلامهم حتّى قالوا: والله لدينُنا الذي خرجنا منه خيرٌ من دين هؤلاء الذين هم عليه، ما ينهاهم دينهم عن سفك الدّماء وإخافة السّبيل وأخذ الأموال. [الطّبريّ]، وقاتلهم عليّ على الردّة.
ثمّ بعد ذلك كلّه عام الجماعة، ثمّ حرب عبد الله بن الزّبير ، ثمّ... ثمّ...
فهذا جانب من حركة الإنسان (أي الإنسان) لا ينبغي أن يُنسى أو توضع عليه الأيدي لنُفهم النّاس أنّ حياة المسلم كلّها قيامُ ليل، وصيامُ نهار، وعفوٌ متكرّر، وعطاءٌ متكرّر، وخيرٌ دائم حتّى اصطبغت صورة الوليّ في خيال الإنسان المسلم على هيئة الغاز المثالي، أي الذي لا وجود له()
الوليّ هو إنسان.. إنسان.. بشر.
المجاهد هو إنسان.. إنسان.. بشر.
أمّا تصوير صورة الإسلام العملي وعالم الإسلام والمسلمين على صورة أفلام الكرتون أو عالم الجنّ والملائكة فهي صورة تُهين الإسلام أكثر ممّا ترفعه.
إنّنا نقول هذا لأولئك القوم الذين يعطّلون عظائم الأمور ويوقفونها لمجرّد بعض الأمور الصّغيرة، فحساسيّتهم أمام الأخطاء تجعلهم يضعون العصبة على عيونهم لحجبها عن رؤية الخير والنّعمة والفضل الإلهيّ.
إنّ الجهاد في سبيل الله تعالى حركة بشريّةٌ، وحركة من أجل السّلطان والمُلك، ففيه تتداخل كلّ انفعالات الإنسان، ومن دعا للسّيف أو حرّض على السّيف، فلا ينتظر أن يناقشه النّاس ويحاربوه بالخطب الرّنّانة والورق الصّقيل، بل عليه أن يحضّر نفسه ليذوق حرّ السّيف، هذه هي سنّة الله تعالى، وللذّكر فإنّ الخلفاء الثّلاثة (الشّهداء) ما ماتوا بيد الكفّار بل ماتوا بيد مسلمين (فسقة، مبتدعين) فأبو لؤلؤة الفارسيّ ليس من أهل الشّرك (ومحاولة إثبات مجوسيّته دونها خرط القتاد وإن نُسب إليها) وأبو ملجم من الخوارج (ولم يكفر أوائلهم إنّما الخلاف فيمن أتى بعدهم)، والثّائرون على عثمان (بعض قادتهم صار من قادة جيش عليٍّ رضي الله عنه).
ولذلك من وضع رجله ويده في هذا السّبيل، سبيل إعادة سلطان الله تعالى إلى الأرض بالجهاد في سبيل الله تعالى، ووقف نفسه للتّحريض ضدّ الطّواغيت، وإزالة عروشهم، ودكّ طغيانهم، فهذا رجل نهايته معلومة، وإن لم يحضّر نفسه لذلك فهو رجل مستريح (أي لاعقل له) فهذا طريق نهايته إمّا بَرْد العدل أو حرّ السّيف.
نعم يسعك أن تُنشئ مجلّة أو نشريّة لتكوِّن حزباً معارضاً، وحزباً ترقيعيّاً تطلب الإصلاح وتنتظر الفرج بإخراج المساجين، أو موت ملكٍ ليأتي غيره فربّما يكون خيراً منه، فحينئذٍ أمرُكَ سهلٌ وهيّن، فأنت رجل سياسة وكلمة، وملفّك عندهم لا يعدو أن تكون معارضاً محترماً، أي تحترم حدود المعارضة السّياسيّة.
أما وقد قلت: الجهاد والقتال، فما عليك إلاّ أن ترتقب، فلست أنت بخير من أسلافك الأخيار، ولست أنت بخير من أقرانك، فليس عبد الله عزّام عنك ببعيد، وليس الشّيخ عمر عبد الرّحمن عنك ببعيد، وليس الشّيخ أبو طلال القاسميّ عنك ببعيد، وليس الشّيخ أنور شعبان عنك ببعيد، وليس أبو عبدالله أحمد عنك ببعيد، وليس... القائمة طويلة يا عبد الله ويكفيك هذا.
فهذا أمر تشيب له الولدان، وليس له إلاّ الرّجال، ففكّر كثيراً قبل أن تخوض، وإيّاك أن تقول: لقد ورّطوني، فما ورّطك أحد، فنحن لم نضمن لك حصول الوزارة والمنصب، ولم نضمن لك ملائكة تجاهد معك لا يخطئون، ولم نضمن لك مسدّساً ينزل من السّماء يعرف المؤمن من الكافر والسّنّي من البدعيّ، ولم نضمن لك نبيّاً قائداً يوحى إليه، فقد نقول لك اليوم قولاً ونرجع عنه غداً، ونقول لك: هذا ما رأينا، وما شهدنا إلاّ بما عَلِمنا وما كنّا للغيب حافظين، فإن أردت (الغاز المثالي) اصعد القمر، فإن أعجزك فالكثير من النّاس قد سلكوا سبيل السّلامة وجلسوا كالعصافير مع أبنائهم في أعشاشهم ، يأكلون ويشربون ويرقبون الحياة من وراء زجاج بيوتهم، هذا في وقت المدافع، فإذا سكنت سيخرجون علينا بمواعظهم العظيمة ليقولوا لنا: لقد قلنا... وقد توقّعنا... وقد أنذرنا... وقد.. وقد... ألسنة طويلة نسأل الله تعالى قصّها.
{سلقوكم بألسنة حداد أشحّة على الخير}.
إنّ الكثير من المُقعَدين يُتقنون نقد لاعبي كرة القدم، ولكنّهم أصحاب أصوات عالية في قيادة المعركة على كرسي النّظارة، وهم شهد الله يعرقون ويتصبّبون عرقاً وتُبحّ أصواتهم لكنّهم يلعبون كرة القدم بأيديهم().ا.هـ
2-أن حُكم قتال المرتدِّين أشدُّ من حكم قتال الكفَّار الأصليين:
من قرأ سيرة الصحابة رضي عنهم في حروبهم وجهادهم رأى بكلِّ وضوحٍ أنَّ جهادهم للمرتدِّين وخاصَّة قتال بني حنيفة أتباع مسيلمة كان من أشق الحروب وأتعبِها عليهم فقد جهِدوا فيها جهداً عظيماً، وقال أهل السيرة أنَّ عدد من قُتِل من المسلمين يقارب الألف، وعدد قتلى بني حنيفة (10) آلاف نفس، وكان عددٌ كبيرٌ من القتلى هم من حملة القرآن، وكانت هذه المقتَلة سبباً في إقبال الصديق رضي الله عنه على جمع القرآن، ثمَّ من نظر في مسيرة التاريخ الإسلامي رأى أن حروب المسلمين لطوائف الزَّندقة كانت من أشدِّ البلاء على المسلمين، أشدّ من قتالهم للكفار الأصليين، ولو تمعَّنا في سبب هذا الخصوص في قتال المرتدين لرأينا أن الأمر يرجع إلى سببن اثنين، وبفهمهما تدرِك جماعات التوحيد والجهاد أن ما هم عليه من أمر هو أمر خاص لا يقوى له إلاّ الرِّجال ولا يقوم له إلا من أخلص وجهه لله سبحانه وتعالى، هذان السببان هما:
1 - أن حُكم قتال المرتدِّين أشدُّ من حكم قتال الكفَّار الأصليين :
قال الغزالي()رحمه الله : والقول الوجيز فيه أنه يُسلك بهم (أي الزنادقة الباطنية) مسلك المرتدِّين في النَّظر في الدم والمال والنِّكاح ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات، أما الأرواح فلا يُسلك بهم مسلك الكافر الأصلي، إذ يتخيَّر الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين المن والفداء والإسترقان والقتل، ولا يتخيَّر في حق المرتد، بل لا سبيل إلى استرقاتهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المنِّ والفِداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم، هذا حكم الذي يُحكَم بكُفرهم من الباطنية، وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم، بل نغتالهم ونسفك دماءهم، فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم. ا.هـ.
فالمرتد أحكامه في القتال أشد من الكافر الأصلي. وكذلك لا يجوز مصالحة ومهادنة وأمان المرتدين، ويجوز مصالحة ومهادنة وموادعة الكفار الأصليين: - قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين، أو طائفة منهم لبُعد دارهم، أو كثرة عدوِّهم أو خلة بالمسلمين (أي اضطراب أمور المسلمين)، أو بمن يليهم منهم جاز لهم الكف عنهم، ومهادنتهم على غير شيء يأخدونه من المشركين، وإن أعطاهم المشركون شيئاً قل أو كثر كان لهم أخذه().
وجاء في «السير الكبير» وشرحه للشيباني بشرح السرخسي()رحمه الله : وإن لم يكن بالمسلمين قوة عليهم فلا بأس بالموادعة، لأن الموادعة خيرٌ للمسلمين في هذا الحال، وقد قال الله عز وجل: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكَّل على الله}.
وقال ابن قُدامة()رحمه الله : وتجوز مهادنتهم على غير مال، لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مالٍ يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى.
هذا في أحكام الكفار الأصليين فإنه يجوز للإمام وللمسلمين موادعتهم ومصالحتهم وبسط أحكام الموادعة وموجباتها مفصَّلةٌ في كُتُب الأئِمَّة، ويـجب الوفاء لهم بهذا، ولا يجوز الغدر ولا الخيانة إلا أن ينقُضوا العهد والمواثيق. أما المرتدُّون فلا يجوز موادعتهم ولا مصالحتهم، قال أبو الليث السمرقنديرحمه الله : إن أخذ الجِزية وعقد الذمة مشروع في حق جميع الكفار إلا مشركي العرب، والمرتدِّين، فإنه لا يقبل منهم الجزية، كما لم يُشرع فيهم الإسترقاق. قال الكاساني() رحمه الله عند شرحه لما تقدَّم: فإنه لا يقبل من المرتد إلا الإسلام أو السيف لقول الله تعالى: {تقاتلوهم أو يسلمون} قيل إن الآية نزلت في أهل الردَّة من بني حنيفة ولأن العقد في حق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لأنَّ الظَّاهر أنه لا ينتقل عن دين الإسلام بعدما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختيار وشؤم طبع فيقع اليأس عن فلاحه فلا يكون عقد ذمة.
قال القرطبي()رحمه الله : قال الأوزاعي: تؤخذُ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذِّب، وكذلك مذهبُ مالكٍ، فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربياً، أو عجمياٌ، تغلبيّاً أو قرشياً كائناً من كان إلا المرتد.
قال ابن تيمية()رحمه الله : وقد استقرت السنَّة بأن عقوبة المرتدِّ أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة، منها أن المرتد يُقتل بكلِّ حال، ولا يُضرب عليه جِزيَة، ولا تُعقد له ذمَّة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزاً عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام ا.هـ.
وعلى هذا فأحكام قتال المرتدين أشد من أحكام قتال الكفَّار الأصليين، ولما علمنا أن حكام بلادنا مرتدُّون فلا يجوز مصالحةُ أحدٍ منهم أو مسالمته أو مهادنته تحت دعوى المصلحة، أي أنه لا يجوز لجماعات الجهاد أن تداهن أحداً من هؤلاء المرتدِّين أو تُسالمه أو تتعاون معه في قتالها لطائفة الكفر في بلدها، فلا يجوز لجماعة الجهاد في الجزائر أن تسالم المرتد الحسن الثاني حاكم المغرب من أجل تحقيق مصلحة الجهاد في الجزائر، ولا يجوز لجماعة الجهاد في ليبيا أن تسالم المرتد حسني مبارك من أجل تحقيق مصالح موهومة للجهاد في ليبيا، ولو زعمت جماعات الجهاد وجود مصلحة ما فهي مصلحة ملغية لا قيمة لها، وهي تفسد الكثير من المصالح المعتبرة التي أمر الشارع بإقامتها، فكيف ستصنع جماعة الجهاد في الجزائر مع إخوانهم المجاهدين في ليبيا أو المغرب إن صالحوا حكام هذين البلدين، ولو أن جماعة الجهاد في ليبيا هي كذلك صالحت حاكم الجزائر فكيف سيكون الحال عندئذ، فإذا وقع هذا وقعت الخصومة بين المجاهدين أنفسهم، خاصَّة أن كل جماعة ترى في حاكم بلدها من الطغيان ما لا يراه الآخر، فأيُّ مصلحة تزعمها أي جماعة هي مصلحةٌ ملغاة، لا يعتبرها الشرع، أما مصالحة ومهادنة الكفار الأصليين وعقد عقود الأمان معهم فإن الشارع الحكيم قد أجازه في بعض الظروف كما هو مبسوط في كتب الفِقه، وعلى المسلمين أن لا يتركوا مصلحة الجهاد خوفاً من إشاعات السوء والفتنة التي نشرها الملاحدة في بلادنا، أي خوف القول بالعمالة، فإن العقل المسلم صار أسير الدِّعاية التي يُطلقها اليساريون والقوميُّون الكفرة، بحجة أن أي عمل يعمله المسلم مع الكافر الأصلي هو عمالة وأجر، حتى لو استوردت السِّلاح منهم، أو عاملتهم بما يوجبه الشارع الكريم، وصار مجرَّد الجلوس مع رجل ما يعدُّ تهمة وسبة في جبين الرجل، مع أن_َّ هؤلاء الملاعين من أصحاب هذه الدِّعايات هم أولى الناس بالدخول في تهمة العمالة والأجرة، نعم لا يجوز لآحاد المسلمين أن يتكلَّم أو يعقد باسم الأمة، بل لا يقوم بهذا إلا أهل الشأن الذين يدرسون الأمر بعناية، وسائقهم في ذلك مصلحة المسلمين والإسلام وليس مصالحهم الذَّاتية، وكذلك لا يقوم بهذا إلا من كان خبيراً بمسالك الحياة قادراً على تحديد الأمور تحديداً شرعياً بضوابطه التي أمر الله تعالى، مع بقاء البغض والبراءة من الشرك وأهله على جميع أصنافه وصُوَرِه وإعلان ذلك وعدم إخفائه.
إذا فهمنا هذا فإن جماعات التوحيد والجهاد تعيش في هذا الزمان حالةً خاصًّة، وهي من أقسى الحالات التي مرت على المسلمين، فإن هذه الجماعات تقدّ في الصخر وتحفِر فيه، فإنها تنطلق من قواعد غير أمينة لتجاهد أعداء الله تعالى من المرتدين.
كان المسلمون الأوائل يخرجون للجهاد وقد حضَّروا أنفسهم وجهَّزوا أمورهم وهم في أرضِهم وبلدِهم آمنون.
أما اليوم انظر إلى واقع الجماعات المجاهدة فإنها جاءت إلى واقع مقفَّل لا منفذ لهم فيه، وقد ترقَّت الدُّوَل العلمانية الكافرة اليوم في الحالة الأمنية الرُّقي الشديد ما لم يكن بمثل هذه الصورة المتينة في أي يوم من الأيام، وليس للجماعات المجاهدة أرض ينطلقون منها، ومع ذلك فهم يواصلون الطريق بكل آلامها وجروحها فلو أصابتهم مصيبة في لقاء ومعركة من المعارك فليس لهم أرض يفيئون إليها، ولا فئة ينحازون إليها، فيا الله ما أعظم هذا النوع من الجهاد وما أشقه!!.
نعم إنَّ جهاد المرتدين اليوم جهاد شاق وفيه من البلاء والعنت ما الله به عليم، والرَّجل المجاهد ملاحَقٌ من بيت إلى بيت، وأهله تحت سطوة الطاغوت وقوَّته، أي أنه مكشوفٌ نصفه، بل أغلبه، فهذا جهاد خاص ولذلك له أجر خاص كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أجر المتمسك بدينه في مثل هذه الأزمان له أجر خمسين من الأوائل، لأن المجاهدين اليوم لا يجدون على الحق أعواناً وكان الأوائل يجدون على الحق أعواناً.
انظر اليوم كم يُعاني الأخ من أجل أن يصل إلى أرض الجهاد، وكم يبذُل من الجهود والتفكير، وكم يلاقي من العذاب والمشقة من أجل أن يصل إلى أرضٍ ليجاهد فيها، وتفكَّر في هذه القيود الأمنية التي يخترقها الشباب المسلم الموحِّد حتى يطبِّق فريضة وعبادة القتال في سبيل الله تعالى ضد المرتدين؟.
هل مّر على المسلمين مثل هذه الحالة من قبل؟.
الجواب :لا.
انظر اجتماع العالم أجمع - كفاراً ومرتدين - من أجل تطويق الجهاد والمجاهدين، وهم لا ظهر يحميهم ولا دولة ترعاهم، ولا إعلام يوصل صوتهم، فهل مرَّ على المسلمين على مدار التاريخ مثل هذه الحالة؟. الجواب: لا.
2 - وأما السبب الثاني فهو موافقة الأمر القدري للأمر الشرعي المتقدِّم وأعني أنه لما جعل الشَّارع الحكيم سبحانه وتعالى حكم المرتد أشد من حكم الكافر الأصليّ إنِّما هو لأن المرتد في نفسه وحاله يستحق هذا الحكم وهو ملائمٌ له وقد أشار الكاساني رحمه الله في كلامه المتقدم إلى هذا المعنى، وهو أن المرتد لم يقع منه هذا الكفر إلا بسبب انحطاط نفسه وخُبثها وعظيم شرِّها، فإن من أسلم وعرف حقيقة هذا الدين وعظَمَته وأثره على النفوس والحياة ثمَّ انقلب عنه بغضاً وكرهاً لما أنزل الله تعالى فإن هذا الشخص يستحق هذا الحكم في حقِّه، وهو أنه لا يستحق هذه الحياة، فليس له أن ينعم بخيراتها ولا يأكل من ثمارها.
ولما كان بغض المرتدين لهذا الدين وكذلك بغضهم لأهله شديداً كان قتالهم للمسلمين شديداً، بخلاف الكفار الأصليين فإن الكثير منهم لا يعرف لماذا يقاتل ولا علامَ يقاتل، بل هو يُساق إلى الحرب سَوقاً، ولذلك بعد أن تضع الحرب أوزارها فإن كثيراً منهم يدخل في دين الله تعالى، وهذا حال الدول والممالك والأقطار التي فتحها المسلمون الأوائل رحمهم الله تعالى، فإن تلك البلاد دخل أصحابها في دين الله تعالى أفواجاً.
وقد أشار الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله في كتاب له «ردَّة ولا أبا بكر لها» إلى حقيقة نفسيَّة هؤلاء المرتدِّين، وأنَّها أعتى نفسية مرَّت على وجه التاريخ، بل هي اقتبست معالمها من نفسيَّة الشيطان ذلك أنه لما رأى نفسه قد حكم الله تعالى عليه الخلود في جهنَّم فإنه طلب من الله تعالى أن يُمهِله إلى نهاية الدُّنيا حتى يفتِن كثيراً من النَّاس فيذهب بهم معه إلى جهنم، فإنه نقم على الناس طُهرَهم وعفافهم وإيمانهم، وكذا المرتد فإنَّه ينقم على الناس إسلامهم، وأذكر أنه الشيخ أبا الحسن قد ذكر في كتابه نفسية هذا المرتد وحلل هذا النوع من الإنسان وأنه يرى نفسه قد ضعف أمام الشهوة، إما شهوة المال أو شهوة المنصب أو شهوة النساء فيرى نفسه حقيراً ذليلاً وهو يرى أمامه شاباً مسلماً قد ترفَّع عن هذه الشهوات وضربها بحذائه واستمسك بدينه فيَنقِم عليه هذه الفضيلة ويستصغر نفسه أمامه فبدل أن يؤوب إلى رشده ويهتدي إلى رحمة الله فإنه لنفسه الخبيثة يحقد على هذا الشاب لأنه يذكِّره بضعفه وعجزه، فيكون له كالمِرآة، ولذلك عندما تسمع أو تقرأ هذه القصص الحقيقية من تعذيب المرتدِّين للمسلمين فإنَّها لهولها تكاد تدخل في عالم الخيال والخرافات، لأن هذا النوع من البشر ليس له مثيل في الظلم والكفر والعدوان.
إذاً فقتال هذا النوع من البشر قتالٌ خاص في شدَّته وهوله وعظمته، وهو يقاتَلُ إلى آخر رمَق وإلى آخر نفس، وإني لأعجب من أصحاب النظر الصوفي الجديد حين يأملون الهداية لهؤلاء المرتدين، إن هؤلاء القوم جدُّ واهمون ولا يعرفون حقيقة حكَّامهم().
ها نحن أمام تجربة معاصرة في فلسطين : المقارنة بين اليهود وعرفات، في مظاهرة واحدة لأهل مسجد في غزة حاول الناس أن يخرجوا في مظاهرة فقُتِل منهم أكثر من (15) شخصاً، وهذا لم يحدث قطُّ في أي مظاهرة في تاريخ اليهود اللعين في فلسطين، فأيُّهما أشدُّ كُفراً وغلظة على المسلمين.
ولعلّ البعض سمعوا عن ذلك الرجل الجزائري حين قبض عليه المجاهدون وهو في صف الطاغوت، فوضعوا المسدس على رقبته وطلبوا منه أن ينطق بالشهادتين فأبى ذلك واستكبر.. فأي نوع من البشر هؤلاء القوم.
كان القدماء يضربون المثل ببطش التتار، ولكن هل بطش التتار يعادل دمويَّة صدام حسين، وهل ظلم الكافرين في كل تاريخهم مع المسلمين يعادل كفر وظلم القذافي؟ وهل خبث اليهود يعادل خبث الملك حسين؟ وهل تعذيب النازيين يعادل تعذيب سجون مصر؟ وهل حكم النصارى في لبنان يعادل حكم النصيريين في سوريا؟.
وهل مرَّ في تاريخ الإنسانية قط نظام يعادل نظام آل سعود: ليس هناك ثمّ وثيقة بين الحاكم والمحكوم، فالحاكم يملك كل شيء والناس عبيده وخدمه.
أي عَرَاقة في الإجرام والكفر تسري في دماء هؤلاء القوم؟!!، كفرٌ ما بعده كفر، وإجرامٌ ما بعده إجرام.
فوالله إنَّ رجلاً من المسلمين يفكِّر لحظة في احتمال وجود الخير في هؤلاء أنه رجلٌ مخبول، وإن رجلاً يفكِّر بطريقة أخرى غير السيف يعالج بها هؤلاء القوم أنَّه رجل مخبول.
إنّ هؤلاء الحكَّام وطوائفهم لا ينفع مهم إلاّ الهرس حتى النهاية()ا.هـ
3—أنّ المسلم المجاهد عليه أن يسعى إلى عدم تسليم نفسه والدعوة إلى ظاهرة الاختفاء :
بل والتحرك لفكّ العاني (الأسير)، ونصرة المظلوم، وردع الظّالم فالمتمعّن لقصص الأنبياء في القرآن الكريم يجد للأنبياء عليهم السّلام قضيّة محوريّة يلتقون حولها جميعاً، ويدعون النّاس إليها، ألا وهي كلمة التّوحيد، ثمّ إنّنا نرى كذلك أنّ النّبيّ كان يأتي ويحمل قضيّة أو قضايا مهمّة مع التّوحيد، وكانت تشكّل هذه القضيّة الأخرى امتحاناً لموضوع الاستجابة لألوهيّة الله على عباده، فلوط عليه السّلام كان مع دعوته للتّوحيد داعياً إلى التّخلّص من الرّذائل الخلقيّة المعروفة مثل إتيان الذّكران والتّبارز بالضّراط في المجالس، وهي التي قال فيها الرّب سبحانه وتعالى: {وتأتون في ناديكم المنكر}، فهذه القضايا التّشريعيّة تشكّل الامتحان لمدى الاستجابة لكلمة التّوحيد، ولقضيّة تأليه ربّ العالمين.
وقد حدّثنا القرآن الكريم كثيراً عن موسى عليه السّلام، وتكرّرت أحاديث القرآن عن هذا النّبيّ العظيم، وهو من أولي العزم من الرّسل، وكانت قضيّة التّوحيد هي مدار دعوته، وحمل معها قضايا مهمّة أخرى، ومن أهمّ هذه القضايا التي نازع موسى عليه السّلام الأرباب الباطلة بها هي إخراج بني إسرائيل من حكم الطّاغية: قال تعالى: {ثمّ بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، وقال موسى يا فرعون إنّي رسول من ربّ العالمين، حقيق على أن لا أقول على الله إلاّ الحقّ قد جئتكم ببيّنة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل} الأعراف.
وقال تعالى: {اذهبا إلى فرعون إنّه طغى، فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى، قالا ربّنا إنّ نخاف أن يفرط علينا أو يطغى، قال لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى، فأتياه فقولا إنّا رسولا ربّك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذّبهم قد جئناك بآية من ربّك وسلام على من اتّبع الهدى} طه.
ثمّ حكى الله تعالى هذه القضيّة في سورة الشّعراء آمراً موسى وهارون عليهما السّلام: {فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول ربّ العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل}.
فهذه قضيّة حكاها القرآن الكريم في ثلاثة مواطن، قضيّة إخراج بني إسرائيل المعذّبين من حكم فرعون الطّاغية، وهي كذلك ههنا في هذا العصر، قضيّة مهمّة، عظيمة القدر؛ قضيّة إخراج المساجين والأسرى والمعتقلين من سجون أهل الكفر والشّرك، ومن سجون المرتدّين.
والسّجن هو إحدى صور العذاب التي يمارسها الطّغاة ضدّ الموحّدين، قال تعالى على لسان فرعون: {لئن اتّخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين} الشّعراء، وقال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال.
وههنا نكتة بديعة على الأنبياء، وهم أعظم النّاس قدراً وأرفعهم منزلة وأوثق النّاس بربّهم، هذا الفعل هو الهروب والتّخفّي، فموسى عليه السّلام خرج من مصر في أوّل الأمر {خائفاً يترقّب} ثمّ خرج ببني إسرائيل على وهدة من عيون فرعون وقومه، وكذلك خروج محمّد صلى الله عليه وسلم من مكّة متخفّياً خوفاً من قريش وبطشها، ولم يعتبر هذا الصّنيع قادحاً في حقّ هؤلاء الأنبياء، أو بخادش رجولتهم وعصمتهم وعظمتهم، وأقول هذا الكلام تنبيهاً على ما سمعت أنّ بعض المشايخ أنّه لمّا عرض عليه الهرب وقد حضر جند الطّاغوت للقبض عليه في منزله أنّه أنِف هذا الفعل، واعتبره خادشاً لكرامته ومكانته، وقال: أنا فلان المشار إليه بالبنان وو ولست لصّاً حتّى أهرب، ولعلّه كذلك أنِف وترفّع أن يتدلّى بحبل من منزله ليخرج من الشّبّاك حتّى لا يقبض عليه جند الطّاغوت، وهذه النّفسيّة هي مصيبة ولا شكّ، فهي تدلّ على أنّ قادة العمل الإسلاميّ إلا من رحم الله هم أبعد النّاس عن نفسيّة الرّجل المقاتِل، أو نفسيّة الرّجل الواعي لطبيعة الصّراع بين الحقّ والباطل.
فالسّجن أحد أساليب الطّغاة في ردع الدّعاة والمصلحين، والسّجون الآن تعجّ بكثرة الموحّدين فيها، وقد تبجّح الكفر الآن وعربد بما لم يكن له مثيل بيومٍ من الأيّام، فما هو السّبيل الشّرعيّ والكونيّ لردع هؤلاء المجرمين عن غيّهم؟! وما هو الطّريق الشّرعيّ والكونيّ لإخراج هؤلاء المساجين من معاقل الطّغاة؟ إنّه ولا شكّ الجهاد في سبيل الله تعالى.
وفكّ العاني واجب شرعيّ على المسلمين حيث وقع لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فكّوا العاني وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)) رواه البخاريّ عن أبي موسى رضي الله عنه. قال ابن حجّر: قال ابن البطّال: فكاك الأسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور. ا. هـ. ويقول عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: (لئن أستنقذ رجلاً من أيـدي الكافرين أحبّ إليّ من جزيرة العرب). ورويَ أنّ الحجّاج بن يوسف الثّقفي غضب على واليه في السّند غضباً شديداً، وذلك بسبب امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السّند فجهّز الجيوش المتواصـلة، وأنفق بيوت الأموال حتّى استنقذ المرأة وردّها إلى أهلها ومدينته() .
وفكّ العاني المسلم هي صورة من صورة الولاء بين المسلم وأخيه المسلم.
وليعلم أنّ ما يعانيه المسلم السّجين هو شيء يفوق الوصف والخيال، حتّى أنهم قديماً كانوا يعدّون السّجين كأنّه منفيّ من الأرض، وأنّه خارج الحياة. يقول الشّاعر
إذا جاءنا السّجّن يوماً لحاجـة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا؟
والحضارة الشّيطانيّة المعاصرة ابتكرت من الأساليب الوحشيّة لتعذيب خصومها شيئاً يفوق الخيال، وليس سجين اليوم هو مجرّد رجل محبوس في جبّ فقط، مع أنّ مجرّد هذا الحبس هو عذاب شديد، ولكنّهم يمارسون على هذا السّجين ألوان العذاب وصنوف القهر ما الله به عليم، فإذا علمنا هذا تبيّن لنا الواجب الشّرعيّ الملقى على عاتق الأمّة في تخليص هؤلاء الأسارى، جاء في "القوانين" لابن جزي() : يجب استنقاذهم (أي الأسارى) من يد الكفّار بالقتال، فإن عجز المسلمون عنه وجب عليهم الفداء بالمال.
قال ابن تيميّة في الرّسالة الماتعة المسمّاة بـ "الرّسالة القبرصيّة"، يدعو فيها صاحب قبرص إلى الإحسان إلى أسارى المسلمين عنده، ويبيّن سعيه الجادّ في استخلاص أسارى المسلمين بل وأسارى أهل الذّمّة يوم ذاك، قال: وقد عرفت النّصارى كلّهم أنّي لمّا خاطبت التّتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم قازان... فسمح بإطلاق المسلمين، ثمّ بيّن بعدها طلبه في إطلاق أسارى أهل الذّمّة.
هذه النّصوص وغيرها تبيّن مدى الواجب الملقى على المسلمين في إطلاق أسارى المعتقلين والمساجين من سجون المشركين والمرتدّين، ولقد بلغ عدد الموحّدين الذين نقم منهم الطّاغوت طهرهم وعفافهم وإيمانهم بالله تعالى الأعداد الكبيرة، ففي مصر لوحدها عدد المساجين من الجماعات المسلمة في سجون الطّاغوت المصريّ أكثر من خمسين ألف سجين، علاوة على أولئك الشّباب الذين ما يكاد الواحد منهم يخرج حتّى تدركه (شرطة) الشّرك وتعيده مرّة أخرى، وههنا نقطة مهمّة، وهي أنّ المسلم المجاهد عليه أن يسعى إلى عدم تسليم نفسه إلى هؤلاء المشركين الملاعين في بلادنا، بل عليه أن يسعى جهده أن يفرّ منهم وإلاّ فليقاتل حتّى يقتل، ووالله قد سعدت وفرحت أشدّ الفرح لهذه السّابقة العظيمة التي للشباب المجاهد في جدة ومكة والرياض والذي أبى أن يسلّم نفسه لزوّار الفجر المشركين من المباحث اللعينة، بل قاومهم() حتّى سقط شهيداً إن شاء الله إذا قتل عزيزا بطلا إذا أسر، ووالله إنّ قتال هؤلاء المرتدّين أحبّ وأفضل من قتال اليهود، لأنّه لم يقع لليهود علينا سلطة، ولم يكن لهم علينا سبيل، إلاّ بحبل هؤلاء المرتدّين الزّنادقة()، وهذه السّابقة التي وقعت في عدم الرّضوخ لتسليم الشّباب المسلم أنفسهم للطّاغوت هي بشرى خير، وهو أنّ هؤلاء الشّباب أتقنوا المسألة، وقد مضت إن شاء الله تعالى تلك الأيّام التي كان الشّباب المسلم المجاهد في الجزيرة العربية يسلّم نفسه إلى المباحث طوعاً واختياراً، ولعلّ الأهوال التي كان يراها المعتقلون من المسلمين في مبنى الرويس أو الحاير هو الذي ردّ الفكرة إلى رؤوسهم: أنّ الموت أفضل بدرجات من أن يساق المسلم كالذّبيحة إلى مسلخه، وقد كان هؤلاء الزّنادقة المرتدّون يدخلون الشّباب المعتقل وهم يتهازجون أهازيج الفرح وكأنّهم في عرس (عليهم من الله اللعائن) لكنّها إن شاء الله بعد اليوم لن تكون زيارة الفجر رحلة سهلة لهم. هذا أملنا وفي الله رجاؤنا، وإنّ تكرار هذه العمليّة سيجعل الذين يفكّرون بالرّاتب الجيّد في العمل مع المباحث محسوباً عليهم أنّ روحه ستكون ثمناً لهذا الرّاتب فها هو الدّم قد سال ومسيل الدّم علامة الفرج وفيه بشرى الإفاقة إن شاء الله().
فليتنبه شباب الجهاد إلى هذه الحقائق وحتى لا يخرج البحث عن المقصود نكتفي بما تقدم سائلين الله العون والفتح والنصر .
خلاصة وخاتمة البحث
بعد هذه الجولة السريعة مع مسألة هي في أمس الحاجة أن تبحث من قبل طلبة العلم المجاهدين الذين لايخافون في الله لومة لائم فيصدعون بالحق في زمن الانبطاح ويرفعون الرؤوس في زمن الخضوع ويتراصون الصفوف في زمن التفرق وقد توصلت في هذا البحث إلى الآتي :
أولا : أن هذا الأقسام المباحث أو الإستخبارات أو مباحث أمن الدولة أو الأمن الوقائي أو الأمن السياسي أو ما شئت من أسماء هي أقسام كافرة مرتدة لا شرعية لها، يجب جهادها وقتالها.
ثانيا : أن تبين الموانع إنما يكون في المقدور عليه وأما المحارب وغير المقدور عليه فليس كذلك.
ثالثا : أن قتال المباحث حتى لو فرضنا جدلا أنهم مسلمون هو من باب دفع العدو الصائل وأن قتيل المباحث إلى النار وقتيل المجاهدين من الشهداء .
رابعا : أن شبهات القوم ردها سهل لمن هداه الله ووفقه ولكنه زمن الغربة لدين الله وأهله .
خامسا : أنه يجب على المجاهدين التفريق بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعيّة والعمليّة .
سادسا : أن حُكم قتال المرتدِّين أشدُّ من حكم قتال الكفَّار الأصليين .
سابعا : أنّ المسلم المجاهد عليه أن يسعى إلى عدم تسليم نفسه والدعوة إلى ظاهرة الاختفاء .
وقبل الأخيرأوجه هذه الدعوة لمن يعمل في ما سبق ذكره() : إلى أولئك الذين هان عليهم دينهم، وسهل عليهم التجسس على المسلمين لصالح الطواغيت باسم الدين، متذرعين بفتاوى بعض المضللين المشبوهين ممن ظاهرهم العلم .. مقابل مبلغ زهيد يعطونه على كل تقرير يكتبونه إلى مخابرات الطواغيت .. لا يحسب هؤلاء أنهم على خير، أو أنهم على شيء .. وليتذكروا أن لهم يوماً سيسألون فيه عما يفعلون .. وينتصف الله تعالى منهم لعباده المظلومين.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من أعان ظالماً بباطل ليدحض بباطله حقاً فقد برئ من ذمة الله U وذمة رسوله "أخرجه الطبراني .
فكيف بمن يعين الطواغيت الظالمين على اعتقال المسلمين الموحدين وقتلهم، وانتهاك حرماتهم ..؟!
فكم من تقرير ظالم كتبه مخبر حقير أدى إلى اعتقال عشرات من الشباب المسلم الموحد ـ لعشرات السنين ـ في أقبية وزنازين الطواغيت .. إن لم يكن سبباً في قتلهم وإعدامهم ..!
وفي صحيح مسلم وغيره:" المؤمن من أمنه المسلمون على أنفسهم وأموالهم .. والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
فالذي لا يأمنه المسلمون على أنفسهم .. ولا يسلمون من شر يده
ولسانه .. فهو بنص الحديث ليس من المؤمنين ولا المسلمين.
فاتق الله يا عبد الله .. واحذر أن تكون ممن يتجسسون لصالح الطواغيت الظالمين .. أو يجادلون عنهم .. أو يُقاتلون دونهم .. فتهلك وتخسر دنياك وآخرتك.
وأخيرا نقولها صريحة واضحة بيِّنة : إننا لا نُكفِّر مسلماً بذنب غير مكفِّر ما لم يستحِلّه ، ولا نكفِّر الناس كلهم بالعموم كما يرمينا بذلك أعداؤنا من الطواغيت ويبهتنا به خصومنا من جماعات الإرجاء وإنّما نكفِّر من هدم التوحيد أو أعان على هدمه أو أتى بشيء من نواقضه أو عادى أهله نصرة لأعدائه من أهل الشرك والتنديد ومظاهرة لهم على الموحدين.
ونعرف أنّ للكفر شروطاً وموانع ولا نكفِّر إلاّ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ونعلم أنّ المرء قد يصدر منه قول الكفر أو عمله، ولا يكفر لقيام مانع من موانع التكفير.
وكل ما تكلمنا به في هذه الأوراق وغيرها إنّما هو في كفر أعداء التوحيد وعساكر الشرك والتنديد الذين مرقوا من الدين وحاربوا أهله ونصروا الدستور الشركي والقانون الوضعي .
وكفر هؤلاء أوضح عندنا من الشمس في رابعة النهار بالأدلّة الشرعية وليس بالهوى أو التقليد أو الاستحسان.
فنقول لخصومنا : اتّقوا الله {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } بيننا وبينكم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم لا نقبل حكماً غير ذلك إيتونا منه بدليل وبرهان ينقض ما قلناه وستجدوننا إن شاء الله تعالى أسعد الناس به وأول من يرجع إليه {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
أمّا الشقشقات الفارغة والسفسطات الجوفاء والاتهامات الباطلة التي لا يسنـدها دليل وبرهـان شرعي ولا تنبني على الكتـاب والسنة فإنها مـردودة على صاحبـها ومن لم يقبل بالدليل الشرعي ويذعن له وينقاد فلا خير فيه ولا ينفع فيه تقصير أو تطويل الكلام .
قال تعالى {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}.
ورحم الله ابن القيِّم إذ يقول في نونيّته عن الكتاب والسنة:
من لـم يكــن يكـفيــــه ذان فلا كفـاه الله شرَّ حـوادث الأزمـان
من لـم يكــن يشــفيـــه ذان فلا شفـاه الله في قلب ولا أبـــدان
من لـم يكــن يـغــنيـــه ذان رمـاه رب العـرش بالإقـلال والحرمان
إنّ الـكلام مـع الكبـار وليـس مـع تلــك الأراذل سفـلـة الحيـــوان
وصلى الله وسلّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
تم تحميل هذه المادة من موقع
منبر التوحيد والجهاد www.tawhed.ws
حقوق النشر غير محفوظة