العودة   شبكة أنصار المجاهدين > ~¤ الأقسـام العــامة ¤~ > منتدى الحدث وقضايا الأمة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-07-2010
عاشق المدينة
أنصاري مجتهد

عاشق المدينة غير متواجد حالياً
 


دعاء: 47
تم الدعاء له 50 مرة في 39 مشاركة
نخبة الإعلام القاسمة لظهور الغلاة |تنزيه إعلام المجاهدين عن عبث الغلاة المفسدين|للشيخ عبد العزيز بن شاكر الرافعي

بسم الله الرحمن الرحيم

نُخْبَةُ الإِعْلامِ الجِهَادِيِّ
قِسْمُ الكُتُبِ وَالمَنْشُورَاتِ

يقدم




تَنزِيهُ إِعْلامِ المُجاهِدِينَعَن عبَثِ الغُلاةِ المُفسدِينَ

لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ
عَبْدِ العَزِيزِ بنِ شَاكِرٍ الرَّافِعِيِّ
حَفِظَهُ اللهُ


[الغلاف]




شعبان 1431 هـ - 7/2010 م



بسم الله الرحمن الرحيم

لمَّا رَأيْتُ الأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا * ....................
*
إذا قِيلَ رِفقًا، قال: للحِلمِ مَوضِعٌ * وَحِلمُ الفَتَى فِي غَيرِ مَوضِعِه جَهلُ

اللهم يسِّرْ وأعِنْ

ورَدَ مِن أحدِ الإخوةِ سؤالٌ هَذا نصُّه: ( ما رأيك في الشيخ أبي أحمد عبد الرحمن المصري وكتاباته؟؟ وما رأيك في تكفيره لمحمد حسان وغيره من الدعاة المنشور على لسان مراسله؟؟ وكثير من الإخوة يقولون إنهم لا يكفرون محمد حسان لكن لا ينكرون على من كفره..)) اهـ

وكان سألني بعضُ الأفاضلِ أن أكتبَ بشأنِ المذكورِ في السُّؤالِ؛ فاعتذرتُ بعُسرِ بيانِ حالِه على وجهٍ يحصلُ به المقصودُ؛ لأنَّ العَيبَ الذي يُمكِنُ بيانُه ما أمْكَنَ حصْرُه، وسَهُلَ أمرُه، ولو كُلِّفَ امرؤٌ عَدَّ منافذِ الغِربالِ، أو حصرَ نجومِ السماءِ؛ لكانَت إجابتُه إلى ذلك أقربَ مِمَّا نحنُ فيهِ وأيسرَ، وما أمْرُ مَن يريدُ حَصرَ ما على المذكورِ مِن مآخذَ، وما له في العِلمِ مِن غلَطاتٍ، وما جنايتُه فيه؛ كلُّ هذا بالشاهِدِ مِن كلامِه، معَ الاستدراكِ على أوهامِه، والردِّ على غُلُوِّهِ وجهلِه، وأنَّه مِنَ العِلمِ وأهلِه كفرعونَ مِن الإيمانِ وأهلِه ...، أقول: ما أمرُ مَن يريدُ بيانَ ذلك بالتفصيلِ إِلاَّ كَأمْرِ مَنْ يُرِيدُ بيانَ السَّوادِ في ليلٍ وَصفَه الشَّاعِرُ المجاهِدُ الشيخُ عبدُ العزيزِ بنُ رشيدٍ – فكَّ الله أسرَه ورفع كُربتَه- بقولِه:
وَلَيلٍ كليلِ الجُبِّ غابَتْ نُجومُه * وأَظلَمَ في عَينِي وَقلْبِي بهِيمُه

فهي ظُلُماتٌ بعضُها زادَ بعضًا! وهل سوادُها معدودٌ فيُحصَر؟ وهل له أفرادٌ فتُذكَر؟ وهل هو دقيقٌ غامضٌ فيُبيَّنُ ويُظهَر؟
وما أحسنَ ما قيلَ: إنَّ الكلامَ إذا بلغَ في الفسادِ المُنتَهَى؛ كانَ الاعتراضُ عَليهِ أَعسَرَ.
وقديمًا قيلَ: مِن المعضلاتِ توضيحُ الواضحاتِ، غيرَ أنَّنا في زمانٍ واضحاتُه مشكلاتٌ، فتعيَّنَ أن يُجابَ الإخوةُ إلى ما سَأَلُوا بإجمالٍ كافٍ لمريدِ الهُدى، وتفصيلٍ عِندَ الحاجةِ لا أطيلُ فيه، مع زيادةِ ما ينفعُ –بإذنِ اللهِ- الأخَ السائلَ وغيرَه مِن النصائحِ اللازمةِ في هذا المقامِ.
واللهُ المستعانُ على الهدايةِ إلى السُّنةِ قَولاً وعَملاً.

فأقولُ للأخِ السائلِ الكريمِ: إنَّه قَد قالَ تَعالَى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} إلى قولِه: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} ، وقالَ تعالَى فِي وَصْفِ المؤمِنِينَ الذين يُجزَون "الغُرْفَةَ"؛ تلك المنزلةَ العاليةَ في الجنَّةِ: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} ، قال شيخُ المفسِّرينَ بعدَ روايتِه لِمَا قيلَ في تفسيرِ "الزُّوْر" : (وأصلُ الزُّورِ تحسينُ الشَّيءِ، ووصفُه بخلافِ صفتِه، حتَّى يُخَيَّل إِلى مَن يَسمَعُه أو يَرَاه أنَّه خلافُ ما هُوَ بِهِ) [تفسيرُ الطبري 19/314] .
وقد عدَّه النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- في أكبرِ الكبائرِ، كما في الصَّحِيحَينِ مِن حديثِ أبي بكرةَ –رضي الله عنه- وغيرِه.
ووَصْفُ (المذكورِ) بالشَّيخِ؛ هُوَ مِن هذا البابِ بل هو داخلٌ فيه دخولاً أولويًّا؛ أمَّا مُطْلَقُ دُخُولِه في قولِ الزُّورِ: فَلِأَنَّه يُفهَمُ –بِدَلالةِ العُرفِ والحَالِ والسِّياقِ- مِن وصْفِه بالشَّيخِ؛ أنَّه مِنْ أهلِ العِلمِ، أو مِن طَلَبَتِهِ المُتَمَكِّنِينَ فيه، أو مِن فنٍّ مِن فُنونِه، وإنْ شِئتَ أن تتوسَّعَ فقُل: أو مِن بابٍ مِن أبوابِه! أو زِدْ وقُلْ: مِن مَسْأَلةٍ في بابٍ، أو مُحَرِّرًا لقولٍ في مسألةٍ! وليسَ (المذكورُ) بشَيخٍ عَلَى أيِّ هذِهِ المراتبِ. وأمَّا دُخُولُه فِي قولِ الزُّورِ بِأولَوِيَّةٍ؛ فَلِأَنَّ فِيهِ أمرَينِ: أنَّها نِسبةٌ دِينيَّةٌ شَرعِيَّةٌ؛ فهو مِنَ القَولِ عَلَى اللهِ بِلاَ عِلمٍ، وَهَذَا مِنْ أكْبَرِ الكبائِرِ. وَأَنَّ فِيها إفْسادًا لِدِينِ النَّاسِ وَإِضْلالاً لَهُم؛ فَلَوْ كانَ هَذَا المَنْسُوبُ إِلَى العِلمِ جاهِلاً ساكِتًا عَنِ الكَلامِ فِيه؛ لكان أهْوَنَ، ولكِنَّه جاهِلٌ مُتَكَلِّمٌ مِهْذارٌ، عَمَدَ إلَى أهَمِّ أبْوابِ الدِّينِ؛ فهَرفَ فِيه وما عَرَف، ونَظَرَ إلَى أعْظَمِ النَّوازِلِ؛ فأفْتَى فيها بأقْبَحِ المَهازِلِ، وأخرَجَ النَّاسَ مِنْ دِينِ اللهِ أفْواجًا، كَأَنَّ شَيطانَ جَهْلِه أَوْحَى إِلَيهِ: أنْ كَفِّرْ مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ!

وقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى جُملةٍ وافرةٍ مِمَّا كتَبَه الخوارِجُ المعاصِرُونَ مِنْ مُختَلِفِ الفِرَقِ؛ مِنْ جَماعةِ التَّكْفِيرِ والهِجْرةِ (جَماعةِ المُسلِمِينَ) ، وَأهْلِ التَّوَقُّفِ، وأصْحابِ بعضِ التَّجَمُّعاتِ فِي مِصرَ والسُّودَان والجَزائرِ وغيرِهِم مِمَّن لَحِقَ بِهِم آخِرًا مِنَ الخَوارجِ؛ فَما رَأَت عَينِي أعْظمَ مِنَ المَذْكُورِ جَهْلاً، وَتَخْلِيطًا، وضَعْفًا فِي الفَهْمِ، وَرَكاكةً فِي المَنْطِقِ؛ لِسَانِيِّهِ وَذِهْنِيِّهِ (وإن كان دونَ مَن ذكرتُ في الغُلُوِّ) ، وإِذَا كانَتْ مَقالاتُهُم تَصْلُحُ ذَيْلاً عَلَى كُتُبِ المِلَلِ والنِّحَلِ، فَإنَّ مَقالاتِه أحسنُ ما تَكُونُ: ذَيلاً عَلَى كِتابِ (اخْتِراعُ الخُرَاعِ) لِصَلاحِ الدِّينِ الصَّفَدِيِّ؛ لأنَّ ما فِيها مِمَّا يُدَّعى عِلمًا، ومَنْطِقَه فيه؛ يُشبِهُ أنْ يَكُونَ هَذَى بِهِ أَبُو خُرَافةَ الهَذَّاءُ! (انظُرْ خبَرَ الكِتابِ في "فُصُولٌ فِي الثَّقافةِ وَالأَدَبِ" للشَّيخِ الطَّنْطاوِيِّ رَحِمَه اللهُ، وَقَدْ جاءَ لَقَبُ أبِي خُرافةَ فِيهِ "الهدّ" وَهُوَ تَصْحِيفٌ) ؛ فَكَأَنَّما قَدْ أَلْزَمَ الرَّجُلُ نَفْسَه (أَنْ لا يَأْتِيَ إلاَّ بِما هُوَ خَطَأٌ مُحَرَّفٌ عَنْ أَصْلِهِ، مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ جادَّةِ الصَّوابِ، مُمَالٌ بِهِ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ) [كما وصفَ الطنطاويٌّ الكتابَ] ، فَلَسْتَ بِقارِئٍ (لِلْمَذْكُورِ) سَطْرًا يَخْلُو مِنْ لَحْنٍ، أَوْ خَطَأِ إِمْلاءٍ! وَإن فاتَه أن يُخْطِئَ فِي سَطْرٍ اسْتَدْرَكَ بِاثْنَينِ فِيما بَعْدَه! حَتَّى قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: إِنَّ عَلَامَةَ كَلاَمِ غَيرِه الَّذِي يَنْقُلُه مِن غَيرِ تَصْرِيحٍ –وَمَا أَكْثَرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ- مِنْ كَلاَمِه الَّذِي يُنشِئُه؛ أَنْ تَجِدَه صَحِيحًا فِي إِعْرَابِهِ وَرَسْمِه! فَمَيِّزْ مَا نَحَلَهُ نَفْسَه -وَلَيْسَ لَهُ- بِهَذِهِ العَلاَمةِ؛ تَعْرِفْ كَثْرَتَه. هَذَا فَضْلٌ، وَما فِيهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ الخَلْطِ المَنْسُوبِ زُورًا إِلَى الشَّرِيعةِ؛ أَصْلٌ، وَلَيسَ لَعِبُه بإعرابِ كَلاَمِ العَرَبِ وَمُسْتَقِرِّ رْسْمِه؛ أقَلَّ –قَدْرًا وقُبْحًا- مِن لَعِبِه بأحْكامِ الشَّرعِ، وكَلامِ العُلَماءِ!
والبَعْرةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ، وَالأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ، أَفَلاَ يَدُلُّ -العاقلَ- لِسانُ هذا؛ عَلَى أَنَّه مَا لَهُ فِي العِلْمِ مِنْ قِطْمِيرٍ؟ فَأسْفَارُ العِلمِ عَرَبِيَّةٌ، وَمَنْ كانَ لَهُ اشْتِغالٌ بِها؛ أَخَذَ مِنْها عِلمًا ولِسانًا وَلا رَيْبَ، وَمَنْ كَانَ لِسَانُه فَاسِدًا كَمَا رَأَيْتَ؛ فَاعْلَمْ أَنَّه فِي عِلْمِه مِثْلُ ذَلِكَ؛ إِمَّا لِضَعْفِ آلَتِهِ فَلَيْسَ يَسْتَفِيدُ إِذَا قَرَأَ وَسَمِعَ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. وافْقَهْ عِلَّةَ تعَدُّدِ جَوابِ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- لِمَن سَألَه: أَيُّ العَمَلِ أفْضَلُ.
مَا كُلُّ مَن طَلَبَ المَعَالِي نَافِذًا * فِيهَا وَلا كُلُّ الرِّجَالِ فُحُولا
وإِمَّا أنَّ عَودَ الفَسَادِ هو إِلَى سُوءِ التَّصَرُّفِ زمَنَ الطَّلَبِ، وَهَذَا بابٌ واسِعٌ لَيْسَ يُمكِنُ بَسطُ الكَلامِ فِيهِ فِي مَقامِنا هَذَا؛ غَيرَ أنَّ الغالِبَ عَلَى أَمْثالِ هَؤلاءِ أنَّ لِلعِلمَ عِندَهم خاصَّتَينِ: يُقرَأُ كَمَا تُقْرَأُ الصُّحُفُ السَّيَّارةُ! وَيُؤْخَذُ نَتْفًا مِنَ النَّشَراتِ وَالبَيَاناتِ والكُتُبِ الفِكْرِيَّةِ وَكُتُبِ الرُّدُودِ، وَمَن كَانَ هَكَذَا شَأْنُه؛ فَلاَ يُرَدُّ جَهْلُهُ إِلَى سُوءِ تَصَرُّفِهِ زمَنَ طَلَبِه، بَلْ إِلَى أنَّه لَمْ يَكُنْ ثَمَّ طَلَبٌ! بَلْ إدْبارٌ عَنِ التعلُّمِ، وأنَفَةٌ مِنْ (لا أَدْرِي) ، وَرَغْبَةٌ عَنْ اتِّباعِ أَهْلِ الشَّأْنِ، ثُمَّ تَصَدُّرٌ وادِّعاءٌ!
كَمَنْ جَعَلَ الحَضِيضَ لَهُ مِهادًا * ويَزعُمُ أنَّ إخوتَه النجومُ!

هَذَا، وَالْحُكْمُ لِلرَّجُلِ بِأَنَّهُ عَالِمٌ، وَبِأَنَّهُ فِي تَأْصِيلِهِ وَتَفْرِيعِهِ وَاسْتِدْلاَلِه وَتَحْقِيقِهِ جارٍ عَلَى سَنَنِ أَهْلِ العِلمِ؛ لا قِيمَةَ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ –أَعْنِي الحُكْمَ- جائِيًا مِنْ أَهْلِ العِلمِ؛ وَالعَاقِلُ يَجِدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ عِلمٍ وَفَنٍّ، وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ فِيمَا (يَعْظُمُ أَمْرُه فِي قَلْبِه) ، فَإِنَّنِي وَإيَّاكَ نَقْرَأُ المَقالةَ فِي الطِّبِّ مَثَلاً؛ وَنَجِدُ فِيها مِنَ الكَلامِ عَنِ الأمْراضِ وَأَسْبابِها وَعِلاجِها، وَنِجُدُ فِيها مِنَ التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ وَذِكْرٍ لِلقَواعِدِ وَالمُصْطَلَحاتِ، وَاسْتِشْهادٍ بِأَقْوالِ أَعْلامِ هَذَا العِلمِ؛ مَا يُخَيَّلُ لَنَا بِهِ أَنَّ كاتِبَها طَبِيبٌ عالِمٌ حاذِقٌ، وَإِذَا قَرَأَها طُوَيلِبُ طِبٍّ مُبتَدئٌ بَانَ لَهُ أَنَّ كاتِبَها مُخَلِّطٌ جَاهِلٌ لاَ يَدْرِي مَا يَخرُجُ مِن رَأْسِه! وَيَكتُبُ هَذَا الطُّوَيْلِبُ ما يَرُوجُ عَلَى أَقْرانِه وَيَظُنُّونَه مُحْكَمَ البِناءِ، وَإِذَا رَآهُ طَبِيبٌ مُبْتَدِئٌ ضَحِكَ مِنْهُ، وَقُلْ مِثلَ هَذَا بَينَ الطَّبِيبِ المُبْتَدِئِ وَالعالِمِ الحَاذِقِ المُمَارِسِ، فَالعِلْمُ طَبَقاتٌ، وَكُلُّ أَهْلِ طَبَقَةٍ يُحْسِنُونَ إِذَا تَكَلَّمُوا فِيما يُحْسِنُونَ، وَيَُهْلَِكُونَ (بِالبِنَاءِ لِلفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ) إِذَا تَسَوَّرُوا عَلَى مَا لاَ يَفْقَهُونَ، وَأَنْتَ لا تَجِدُ مَن يَسْتَشْفِي عِنْدَ مَنْ قَرَأَ فِي الطِّبِّ كِتابَينِ، وَلا مَنْ يَقصدُ لِجِراحةِ القَلْبِ الطَّبيبَ المُبتَدِئَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ رَخصَتْ عِندَه رُوحُه، وَهانَتْ عَلَيهِ نَفسُه، أو خفَّ – حتَّى قَارَبَ الذَّهابَ- عَقْلُه! بَل عُقلاءُ النَّاسِ يَحتَاطُونَ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ الاحتِياطِ وَأَتَمَّه، فَلاَ يَقصدُون فِي صِحَّةِ أَبدَانِهِم غَيرَ المَشْهُودِ لَه بالتَّمَكُّنِ، المَعْرُوفِ بِالخِبرةِ، لا فِي الطِّبِّ وحَسب، بَل في الفَرعِ الذِي يُريدُونَ، فَهَذا لِجِراحةِ القَلبِ، وَذَاك للكُسُورِ، إِلَى آخرِ مَا أَسأَلُ اللهَ لِلقارِئِ وَلِي أَن لا نَحْتاجَه يَومًا!
وَرُبَّما غَلَوا فِي احتِياطِهِم فَأبَوْا أن يَقصدُوا الكُفْءَ المَشهودَ لَه، إِن كَانَ ثَمَّ أَفضَلُ مِنْهُ!
وَهَكَذا أَمرُ الهَندَسةِ، والسِّياسةِ، وَالاقتِصادِ، وَسائرِ العُلُومِ، تَجِدُ أَهلَها عَلَى مَراتِبَ، وَتَجِدُ النَّاسَ يَحتاطُونَ لِمَا أهمَّهُم مِنها فَلاَ يَقصدونَ إلا عُلَماءَها، وتَجِدُها لا تَخلُو مِن مُتَعالِمِينَ يَهذرُون فِيها بِما لا يُمَيِّزُه مِن صَحيِحِ العِلمِ إلا أَهلُه.

وهَكَذَا أمرُ عُلومِ الشَّريعةِ أيضًا؛ تَجِدُ النَّاسَ فِيها عَلَى مَراتِبَ، وتجِدُ فيها مَن يتعالَمُ بكلامِه فيها بما لا يَفقَه؛ فتجدُ العاميَّ يتكلَّمُ، والمبتدئَ يتكلَّم، والمتوسِّطَ يتكلَّم، ومَن لم ترسخْ قدَمُه يتكلَّم، غيرَ أنَّه قلَّ أن تجِدَ مَن يحتاطُ لدينِه؛ ولا يَأخُذُ عِلمَ الشرعِ إلا مِن أهلِه، وقد راجَت مقالاتُ الجَهَلةِ (الخُراعِيِّين) حتَّى كانَت منزلتُها مِن أهلِ زمانِنا منزلةَ مَتينِ العِلمِ عِندَ السَّابقين، فكانَ العاميُّ يَقرأُ مقالةَ أحَدِهم؛ فتُوافِقُ هواه، أو لا يُحسِنُ تزييفَ ما فيها؛ فتَبْدُو له الحقَّ المُصَفَّى، والدينَ كما نَزَلَ على مُحمِّدٍ –صلى الله عليه وسلم- ، فيُسلِّمَ بما فيها، زاعِمًا أنَّه (يَتْبَعُ الدليلَ) ؛ يسمِّي هواهُ بغيرِ اسمِه!
وكمْ ضرَّ بالإنسانِ أكلٌ يخالُه * يُغَذِّي، وكمْ قَتَلَ المَريضَ طَبِيبُه!

وفي [البيان والتحصيل 16/369-370] : (قال ابنُ القاسِمِ: قالَ مالِك: قالَ عمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ: مَن جَعَلَ دِينَه غَرَضًا للخُصُوماتِ؛ أكثرَ التنقُّل. قالَ مالِك: أَراه يَعنِي أصحابَ الأهواءِ.
قال محمَّدُ بنُ رُشدٍ: هذا بَيِّنٌ عَلَى ما قالَه؛ لأنَّ مَن خَاصَمَ أهلَ الأهواءِ والبِدَعِ وجادَلَهم يوشكُ أن يَسمَعَ مِن شُبَهِهِم ما لا يَظْهَرُ له إبطالُه؛ فينتقلَ عَن اعتقادِه إلى ذَلِكَ، فلا يَنبَغِي للرَّجُلِ أن يُمَكِّنَ زائغًا مِن أُذُنِه، ولا ينعمَه عَينًا بالمجادلةِ في بِدعتِه، وبالله التوفيق) انتهى كلامُ ابنِ رشدٍ، وهو نفيسٌ؛ فَعِهِ.

وإنَّ مرادَ اللهِ ورسولِه –صلى الله عليه وسلم- مِن الكلامِ لا يُلقَى في نَفْسِ القارئِ وَحيًا ولا إلهامًا، بل يَفهمُه مَن يفهمُه إذا كان عالِمًا بلغتِه، عالِمًا بسائرِه؛ يَفهمُه بفَهمِ أهلِه، ويَرُدُّ بعضَه إلى بعضِه ليُدرِكَ وجهَه، وليسَ يَحصُل عِلمُ هذا في سنةٍ وسنتين، ولا بالنَّظَرِ في كتابٍ أو كتابين؛ فإنَّ العلماءَ يُفنُونَ أعمارَهم في تحصيلِه، وإنَّ أكثرَ ما كُتِبَ في الإسلامِ كُتِبَ في فِقهِه، تقعيدًا واستدلالا وتطبيقًا وبيانًا لما يَخدمُه، جُعِلَ بعضُه للعاميِّ ليعلَمَ ما يَلزمُه مِنَ الإيمانِ والشرائعِ، وبعضُه للمبتدئِ، وبعضُه للشادي، وبعضُه للمتوسِّطِ، وبعضُه للمتقدِّم، هكذا مراتبُه إلى العالِمِ؛ فإنَّ في العِلمِ كُتبًا لا يَفهَمُها حقَّ الفَهمِ – لا سطحيَّه وظاهِرًا مِنه- إلا العلماء، والعلماءُ في الفَهمِ درجاتٌ أيضًا بحسبِ ما أوتوا مِن سعةٍ في العِلمِ ودِقَّةٍ في الفَهمِ، فمِنهم مَن يَفهَمُه فَهمَ مَن يؤدِّيهِ على وجهِهِ ويحتجُّ له بما سُبِقَ إليه، ومِنهم مَن سبَرَ غَورَه وحقَّقَ فهمَه حتَّى كانَ أهلاً لتجديدِ ربطِه بالوَحيِ، ورَدِّه إلى ما كان عَلَيه السَّلَفُ الأُوَلُ، والتَّصَرُّفِ في قواعِدِه تأصيلاً وتفريعًا وصياغةً بما لا يَخرُجُ عَن حقائقِه، وربَّما كان شأنُه ذلك في بابٍ دونَ غَيرِه، والعُلَماءُ في ذلك بينَ ذلك.
والعاميُّ الصرفُ لا يميزُ (عُمَرَ) العِلمِ مِن (صَبِيغِه) ، ولا يَعرِفُ (شافِعيَّه) مِن (فَردِه) ، ولا (تَيمِيَّه) مِن (مُطَهِّرِه) ، يَقرَأُ لأبي يَحيَى الليبيِّ و(لِلمَذكُورِ) الخُراعيِّ، فيستَوِي عِندَه كلامُ هذا وكلامُ ذاك، وربَّما رجَّحَ التخليطَ على التحقيقِ؛ إذا وافقَ هواه، أو شُبِّهَ له؛ فعِندَ غيرِ الصَّيَارِفَةِ يَرُوجُ الزَّائِفُ، وَهَذَا حالُ كلِّ مَن يَقيسُ الشَّيءَ وَليسَ عِندَه مِقياسُه، وَهَل يُعَدُّ عاقلاً أو يَرجُو صَوابًا مَن وَزَنَ بِالمِسطَرةِ أَو سَطرَ بالمِيزانِ؟
فهل يَجوزُ للعاميِّ – والعاقلُ يعتبرُ بما يَعرِف- أن يَزِنَ عُلومَ الناسِ وهو جاهلٌ لا يَعرِفُ ظاهرَ العِلمِ ويسيرَه فَضلاً عَن دقائقِه ومُهِمَّاتِه؟
وطلبةُ العِلمِ يَعرِفُونَ هذا، وكلُّهم كان يجدُ في نفسِه أنَّ القولَ بكذا في مسألةِ كذا ضعيفٌ، ولمَّا ازدادَ عِلمُه ورَسَخَت قَدَمُه ظَهَرَ له قوَّتُه، وعرَف أنَّه لم يتصوَّرْه فضلاً عَن أن يُصدِّقَه، وكذلك؛ ما أكثرَ ما تجِدُ في كلامِ مَن لا يَفقَه -مِن العلماءِ- في هذا الفنِّ أو ذاك، تضعيفَه لأقوالِ محقِّقيه، واستبعادَه لاستدلالاتِهم؛ لمَّا ضعُفَ اشتغالُه به أو لم يأخذْه عَن أهلِه، وأظهرُ ما يكون هذا لطالِبِه في كلامِ بعضِ مَن عَلا كعبُه في عِلم (الفقه) وزلَّت قدمُه في بابِ السنةِ (الاعتقادِ) ، وضعفَ تحقيقُه لكلامِ السلفِ فيه، وهذا مقامٌ تغني فيه الإشارةُ ليَتَصوَّرَ الناظرُ ما نحن فيه، ولا يُناسِبُه بَسطُ الكلامِ –في هذا- وضربُ المثالِ.

فأحسنُ ما يَفعلُ مَن يخشى اللهَ، أن يَقِفَ حيثُ وقفَ عِلمُه ولا يَمضِي حيثُ مَضَى هواه، فإنَّ ضلالَ الناسِ مِن هذين: الجهل والهوى. وخَيرٌ لمَن يَخشَى اللهَ أن يكونَ جهلُه بما جهل بَسيطًا بأن يَرُدَّ العِلمَ به إلى أهلِه، ولا يَغرَّه الغَرورُ فيَجعلَه لَه مركَّبًا، ويُركِبَه المَوجَ وليسَ يُحسن الملاحةَ ولا السباحةَ!
وكما أنَّ مَن يَخشى التلَفَ على نفسِه لا يُسلمُ بدنَه لكلِّ مَن أمسكَ بمبضعٍ وقرأ كتابين، ولا هو يَرفعُ مقامَ هذا ويُنزلُه بما بَدَا له وهو بالطبِّ جاهلٌ، فإنَّ مَن يخشى التَّلَفَ على دينِه لا يَتبعُ فيه كلَّ مَن أمسكَ قلمًا؛ فقرَّرَ قاعدةً، وسرَدَ أدلةً، وأصدَرَ أحكامًا، ولا هو يَرفعُ مقامَ هذا في العِلمِ وينزلُه منازِلَ العُلماءِ بِمَا بَدَا لَهُ وهو بالعِلمِ جاهلٌ! ومِن خَيرِ عِلمِ الجاهلِ أن يَعلمَ بأنَّه جاهلٌ؛ قلَّ جهلُه أو كَثُرَ، لِيَقصُرَ تَصَرُّفَه في الدِّينِ –قولا وعملا- بَقدْرِ عِلمِه فيه ، وَيَرُدَّ عِلمَ ما جِهلَ إلى مَن عَلِمَه.
والجهلُ المراد: مِنه ما هو تامٌّ، وهو جَهلُ العامِيِّ الصرفِ، وما أكثرَ ما يَقُعُ هذا مُرَكَّبًا بأن يَجهلَ صاحِبُه أنَّه جاهلٌ؛ فيَتَكَلَّمَ بِما يَظُنُّه حَقًّا وَهُو في نَفسِ الأمرِ وعِندَ العلماءِ؛ باطلٌ.
ومِنه ما هو جزئيٌّ قد يلحقُ بالمشتغلِ بالعلمِ ولو كان عالِمًا، وقلَّ أن يكونَ هذا مُرَكَّبًا إلا ما كان بتأويل، ولذا تجد العلماءَ أكثرَ الناسِ إحجامًا عَن الخوضِ فيما يَجهلون، وأقلَّهم تكلُّفًا لِمَا لا يُحسِنون، ورُبَّما وقع مِن بعضِهم ضِدُّ هذا في بابٍ مِن العِلمِ هو أجنبيٌّ عَنه، أو نازلةٍ يَلزمُ لصِحَّةِ الكلامِ فيها علمٌ زائدٌ عَن الشَّرعِيَّاتِ المحضةِ هو فيه جاهلٌ، كمَن تكلَّمَ في بعضِ النوازلِ السياسيةِ المعاصرةِ وبصرُه فيها قليل؛ فعُظَمُ غَلَطُه، وظَهَرَ أثَرُه؛ وكانَ فسادٌ وفتنةٌ وبلايا حلَّت ديارَ المسلمين، أو ساحاتِ الجِهادِ.
وفيما ذكرتُ عبرةٌ تقرِّبُك إلى تصوُّرِ جهةِ الخطأِ عِندَ مَن يَذهبُ –بحسنِ نيةٍ وبغفلةٍ- إلى اتِّباعِ زيدٍ وعمرٍو ظنًّا مِنه -بحُكمِه هو- أنَّهم في العِلمِ على شيءٍ، فافْهَم وقِس واعتبرْ.

وأمَّا أصلُ المسألةِ وهو (حُكمُ كلام الجاهِلِ فيما يجهل) فإنَّه مما لا يكادُ يُنازِعُ في قُبحِه عاقلٌ، وحرمتِه مسلمٌ، والقصدُ إلى تقريرِه -في هذا المقامِ- تطويلٌ لا حاجةَ إليه، وحسبُك أن تتذكَّرَه بقراءتِك لما كَتَبَ عُلَماؤُنا في حُرمةِ العِلمِ وأهلِه، وحسبُك أن تعلمَ أنَّك تدعو اللهَ مِرارًا كلَّ يومٍ أن يُجنِّبَك هذه الأحوالَ الشَّيطانِيَّةَ بِقِراءَتِكَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال المُفَسِّرُون: الضَّالون هُمُ النَّصَارَى؛ عَبَدُوا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا. وقال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وقَرَنَه –تعالى- بالشِّركِ والفواحِشِ في قولِه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وبيَّن –تعالى- أنَّه مِمَّا يَأمرُ به الشيطانُ في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وأمر بردِّ العِلمِ إلى أهلِه وسؤالِهم فيه في قولِه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، قال الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ: بعدَ ذِكرِه آثارًا عَن السَّلَفِ في ذمِّ التَّقلِيدِ : (وهذا كلُّه لغيرِ العامَّةِ؛ فإنَّ العامةَ لا بُدَّ لها مِن تَقلِيدِ عُلَمائها عِندَ النَّازِلةِ تَنْزِلُ بها؛ لأنَّها لا تتبين موقعَ الحُجَّةِ، ولا تَصِلُ -بعدمِ الفَهمِ- إلى عِلمِ ذلك؛ لأنَّ العِلمَ درجاتٌ لا سَبيلَ مِنها إلى أَعلاها إلا بنَيل أسفَلِها، وهَذَا هُوَ الحائِلُ بَينَ العامَّة ِوبَينَ طَلَبِ الحُجَّةِ، والله أعلم.
ولَم تختلفِ العلماءُ أن العامَّةَ عَلَيها تَقليدُ عُلَمائها، وأنَّهم المُرادُون بقول الله -عزَّ وَجَلَّ- {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، وأجمَعُوا عَلَى أنَّ الأعمى لا بُدَّ له مِن تقليدِ غيرِه مِمَّن يثقُ بمَيزِه بالقِبلةِ إذا أشكَلَتْ عَلَيه؛ فكذلك مَن لا عِلمَ له ولا بصرَ بِمَعْنَى ما يَدينُ بِهِ؛ لا بُدَّ مِن تقليدِ عالِمِه .
وكذلك لم يَخْتَلِفِ العُلَماءُ أنَّ العامَّةَ لا يَجُوزُ لَها الفُتيَا، وذلك -والله أعلم- لجَهلِها بالمعانِي التي مِنها يَجُوزُ التَّحليلُ والتَّحريمُ والقولُ في العِلمِ) [جامع بيان العلم وفضله 2/170] ، وقال الله تعالى: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً} .
هذا تذكيرٌ للأفاضل مِن أمثالِكم؛ ممن نحسبُ ونرجُو أنَّهم يعظِّمون حرماتِ اللهِ ويَجتنبون قولَ الزورِ.

وأما (المذكورُ) ، فإنَّ ما وصفتُه به لم يكن لمطلقِ قولِه الباطلَ، ولا لمطلَقِ سلوكِه البدعةَ، ولا لمطلقِ تعالمِه وقولِه على الله بلا علمٍ بما قال؛ فإنَّ النَّاظرَ يَعلمُ أنَّ قولَ الباطلِ أو سلوكَ البدعةِ يرِدُ على العلماءِ ومَن هم دونَهم، وإنَّه إن نظرَ في كلامِهم الباطلِ ميَّزَ فيه نفَسَ العالِمِ الذي زلَّ في هذه المسألةِ، مِن نفسِ العالِمِ الذي لم يُحقِّقِ البابَ كلَّه، مِن نفَسِ الأجنبيِّ عَن هذا العِلمِ العالِمِ بغيرِه، مِن نفَسِ الطالبِ المتقدِّمِ الذي لم ترسخْ في العِلمِ قدمُه، مِن نفَسِ المتوسطِ، وربما اشتبَه عليه كلامُ المبتدئِ بكلامِ العاميِّ. أقول: النَّاظِرُ يُمَيِّزُ هذا مِن ذاك، وكلُّ أولئك غيرُ معصومٍ مِن أن يقول باطلاً وبدعةً متأوِّلاً أو جاهلاً.

و(المذكورُ) يَجزمُ مَن يقرأ كلامَه أنَّه مبتوتُ الصلةِ بالعِلمِ، وأنَّه ليس على أيٍّ مِن درجاتِه، غيرَ أنَّ زمانَنا زمانٌ يَقتنِي فيه الكتبَ (الموافقاتِ والظلالَ وحدُّ الإسلام) أعلمُ الناسِ وأجهلُهم! ثم عَظُمَ الأمرُ بأن كانَت هذه الكتبُ في (الشبكة) ؛ فتيسَّرَ الاطِّلاعُ عليها:
إنَّ السِّلاحَ جَمِيعُ النَّاسِ تَحمِلُه * وَلَيسَ كُلُّ ذَوَاتِ المِخلَبِ السَّبُعُ
فكان يَقتِبِسُ مِنها هذا وذاك؛ هذا عالمٌ بما فيها، وذاك علمُه به كعِلمِ المُفَوِّضةِ بصفاتِ اللهِ! تستوي عِندَهم (اسْتَوَى) و(يَضحَكُ) و(يَعجَبُ) و(غَضِبَ)! ويستوي في فهمِ هذا (الحكم: تكليفي ووضعي) و(المعلوم من الدين بالضرورة) و(جاهلية المجتمع) و(من لم يكفر الكافر فهو كافر) و(لا عذر بالجهل) و(التشريع شرك) ، غيرَ أنَّه يجمَعُها؛ فيخلطها ويعجنها في عقله (الخراعيِّ) ، فتخرج لنا –بالسلامة- مقالاتُ (فضيلةِ الشَّيخِ أبي خُرافةَ الهذَّاءِ) ! فيُدَّعى ما فيها علمًا، ويُدَّعى منهجًا، ويُدَّعى سُنَّةً، وما هو إلا أخبار أبي خرافةَ، لكن بأحكامِ الخوارجِ!

وقد قدَّمتُ أنَّ حصرَ ما عِندَ المذكورِ مِن مهَلْهَلِ الأفكارِ عسِرٌ، لكنني أمثِّلُ لبعضِه بأمثلةٍ تبيِّنُ للمشتغلين بالعِلمِ أنَّه ليس مِنهم، ولأصحابِ السُّنَّةِ في باب الإيمانِ أنَّه ليس مِنهم، وكذلك للعقلاءِ أنَّه ليس مِنهم، وتبيِّنُ لطالبِ الرَّشَادِ والهُدَى أنَّه ليسَ على رشادٍ ولم يُدركْ هُدًى، وأنَّه في المسائلِ العظيمةِ مِن الدينِ يتكلَّم بأنواعٍ مِن الكلامِ: (صاحبُها إلى الاستتابةِ والتَّعزيرِ والتَّعليمِ والتَّفْهيمِ؛ أحوجُ مِنه إلى الردِّ عَلَيه، والمناظرةِ له) [مجموع الفتاوى 27/238] .

فمِن ذلك؛ فهمُه لما يسمِّيه العلماءُ بالمعلومِ مِنَ الدِّينِ بالضرورةِ، وما رتَّبَه عليه مِن أحكامٍ، (فالمذكورُ) قد صرَّح -في غيرِ موطنٍ- بأنَّ كفر حركة (حماس) وجماعة (الإخوان المسلمون) مِن المعلوم من الدين بالضرورة، ودعك مِن كونِ تكفير مَن ذكرَ لا يقولُ به عالمٌ ولا سنِّيٌّ، لكنَّ كلامَنا هنا في وصفِه لهذا التكفير بأنَّه (معلوم من الدين بالضرورة) .
أمَّا المعلوم من الدين بالضرورةِ فقد تعدَّدَتْ عباراتُ العُلماءِ عَنه، وأمثلُ عبارةٍ عَنه قولُ الإمامِ الشافعيِّ رحمه الله: (العلمُ عِلمان: عِلمُ عامَّةٍ؛ لا يَسَعُ بالغًا غيرَ مغلوبٍ على عقلِه جهلُه، مثل الصلواتِ الخمسِ، وأنَّ للهِ على الناسِ صَومَ شهرِ رمضانَ وحجَّ البيتِ إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالِهم، وأنَّه حرَّمَ عَلَيهم الزِّنَا والقتلَ والسرقةَ والخمرَ، وما كان في مَعنَى هذا، مِمَّا كُلِّفَ العبادُ أن يَعقِلُوه ويَعمَلُوه ويُعطُوه مِن أنفسِهم وأموالِهم، وأنْ يَكُفُّوا عَنه: ما حرَّم عليهم مِنه، وهذا الصنفُ كلُّه -مِن العلم- موجودٌ نصًّا في كتابِ اللهِ، وموجودًا عامًّا عِندَ أهلِ الإسلامِ يَنقلُه عوامُّهم عن من مَضَى مِن عوامِّهِم، يَحكُونَه عَن رسولِ اللهِ، ولا يتنازعون في حكايتِه، ولا وجوبِه عَلَيهم.
وهذا العلمُ العامُّ الذي لا يُمكِنُ فيه الغلطُ مِنَ الخبرِ، ولا التأويلُ، ولا يَجُوزُ فيه التنازُعُ...) ثم ذكر عِلمَ الخاصَّةِ [باختصارٍ يسيرٍ، مِن الرسالة ص357-359] . وبنحو كلامِه عبَّر غيرُه.
فالمعلومُ مِن الدينِ بالضَّرورةِ هو ما انتشرَ عِلمُه وذاعَ وعُرِفَ حتى بَلَغَ أن لا يكونَ مُنكرُه غيرَ كافرٍ مكذِّبٍ أو جاحد، ولا يُتَصَوُّرُ في إنكارِه جهلٌ أو تأويلٌ إلا لأصنافٍ هم مظنَّةُ جهلِه، كحديثِ عهدٍ بإسلامٍ ونحوه.
وأمَّا إذا أنكَرَه مسلمٌ –ولو عاميًّا- ووقع إنكارُه على عَينِ المعلومِ مِن الدينِ بالضرورةِ؛ كَفَرَ، كأن يستحلَّ الخمرَ أو الزنا، أو يُحرِّمَ الخُبزَ والماءَ، أو ينكرَ وجوبَ الصلواتِ الخمسِ، وما كان في معنى ذلك.

وفي دعوى (أبي خرافةَ) أنَّ كُفرَ الإخوان وحماس معلوم من الدين بالضرورةِ؛ نظران:
الأوَّلُ: أنَّه لا يُنكِرُ -إلا المكابر العالم بكذبِه- أنَّ أكثرَ الأمَّةِ لا يُكفِّرونَ الحركتين ولم يخطُر لهم هذا ببالٍ، بل العامَّةُ أكثرُها لا يُكفِّرُ الطواغيتَ المرتدين المتسلطينَ على بلاد المسلمين؛ وعَلَيهِ: فإنَّه يجبُ – على الدَّاري بالخارجِ مِن رأسِه- أحدُ أمرين: إمَّا تكفيرُ أكثرِ الأمَّةِ، والجهرُ بأنَّها أمةٌ كافرةٌ، وأنَّ المسلمينَ هم أولئك الذين قالوا بالمعلوم من الدين بالضرورةِ وكفَّروا الحركتين، وإمَّا الرجوعُ عَن دعوى أنَّ كفرَ الحركتينِ معلومٌ مِن الدينِ بالضرورةِ.

وأُنَبِّهُ إلى أنْ لا يَغْرُرْ أحدًا زعمُ (الخُراعيِّ) بأنَّه يناصرُ المجاهدين ويحبُّهم ويتولاهم، فإنَّه لا أحدَ مِن علماءِ المجاهدينَ أو قادتِهم أو مَن هم دون ذلك مِنهم؛ كفَّرَ الحركتين؛ فتكفيرُ المجاهدينَ كلِّهم لازمٌ لمقالاتِ الخُراعيِّ البِدعيةِ، وقد كان قبلَه مَن يدَّعي نصرةَ المجاهدين، ويُكفِّرُ الحركاتِ الإسلاميةَ بل يكفِّرُ تياراتٍ بأكملِها، ظانًّا أنَّ المجاهدينَ يقولون بما يقول، ولمَّا تبيَّن له براءةُ المجاهدين مِن ذلك؛ كفَّرَهم، حتَّى اشتهرَ بذلك، وهذا ما سيؤولُ إليه الخُراعيُّ؛ إمَّا أن يكفِّرَ المجاهدين إذا بَانَ له رأيُهم فيما يقول، أو يتوبَ إلى اللهِ ويَلزَمَ السنةَ، وإمَّا أن يبقى متناقِضًا ولا يُكفَّر مَن يُنكر المعلوم مِن الدين بالضرورة (الأمةَ والمجاهدين) .

وأمَّا الثاني: ففي بنائِه لقولِه هذا؛ فانظُرْ كيف صنَعَ:
نَظَرَ في جِرابِ عِلمِه فوَجَد جماعة (الإخوان) وحركة (حماس) تقولانِ بالديمقراطيةِ، وبالعلمانيةِ، والديمقراطية والعلمانية كفرٌ، وهذا معلوم من الدين بالضرورة؛ فهم كفارٌ، وهذا معلومٌ مِن الدين بالضرورةِ. انتهى تخريجُ الغلوِّ.

دعْك مِن دعواه أنَّهما تقولان بالديمقراطيةِ والعلمانيةِ؛ وتكفيرُه لهما بذلك، فإنَّ نَظَرَنا في عَدِّهِ هذا مِن المعلوم من الدين بالضرورةِ، وأمَّا كونُه حقًّا أو باطلاً فليس مرادَنا؛ وإن كان عِندَنا -وعِندَ كلِّ سُنِّيٍّ- افتراءً وباطلاً ولم يَقُل به منسوبٌ إلى العِلمِ، إلا أن تكونَ كنسبةِ هذا (المذكورِ) إليه، على ما عِندَ الحركتين مِن أخطاء وانحرافات ما هاهنا تُذكَر.

سلَّمنا له –تَنَزُّلا- في تكفيرِه لحركتي الإخوان وحماس، وأنَّه الحقُّ قطعًا، ولا يجوز غيرُه ...إلخ مما يصف به الجهلةُ أقوالَهم، فهل هذا يجعلُه مِن المعلومِ مِن الدين بالضرورةِ؟ اللهم لا؛ وبيانُه:

أولاً: بأنَّ قولَ الجماعتين بما كفَّرهما به غيرُ معلومٍ بالضرورةِ، وأكثرُ الناسِ لَم تسمعْ به، ومَن سمع به –وهم المتابعون للحركات الإسلامية، وهم قلةٌ في الأمَّةِ- تأوَّلَه بأنَّ مرادَهم مِن الديمقراطية كذا لا معناها الذي يكفر قائلُه، وأنَّهم -وإن شابَهم شَوبٌ- يقولون ببطلانِ العلمانيةِ في كثيرٍ مِن مؤلفاتِهم وتصريحاتِهم ...إلخ، فليس العلمُ بهذا ضروريًّا.
وثانيًا: بأنَّ دعواه بأنَّ (كفر الديمقراطية والعلمانية) معلوم من الدين بالضرورةِ هكذا بإطلاقٍ؛ كذبٌ، نعم أجمعَ العلماءُ على أنَّ الديمقراطيةَ والعلمانيةَ بمعناهما الحقيقي باطلٌ وكفرٌ، ولم يخالف في هذا عالمٌ إلا أن يكونَ مرادُه من الديمقراطيةِ غيرَ معناها؛ لكنَّ الإجماعَ أخصُّ مِن عِلمِ الضرورةِ، فليسَ كلُّ إجماعٍ معلومٌ مِن الدينِ بالضرورةِ، وأكثرُ العامَّةِ لا تَتَصَوَّرُ حقيقةَ العلمانيةِ والديمقراطيةِ، وكثيرٌ ممَّن يَعلمون معناها؛ لا يَعرفون حكمَ الشرعِ فيها مِن حيثُ الإسلامُ والكفرُ، وإن عرفوه –أعني مَن تَصَوَّرَ مَعناهما كما هو- مِن حيثُ الصحةُ والبطلانُ.
وثالثًا: بأنَّ القولَ بأنَّهما كفرٌ؛ بابٌ، وتكفيرُ مَن قال بهما بابٌ آخر، ولو سُلِّمَ بأنَّ وصفَهما بالكفرِ معلومُ مِن الدين بالضرورةِ، فإنَّه لا يَلزَم مِن ذلك كونُ تكفيرِ القائلِ بهما بعينِه معلومًا مِن الدينِ بالضرورةِ، فإنَّه قد يَتَوقَّفُ العالِم أو العاميُّ فيه لشبهةِ عُذرٍ ونحوِه وإن لم يكن في نفسِ الأمرِ معذورًا.
وإذا سقَطَ عَن إحدى هذه المقدماتِ عِلمُ الضرورةِ لم تكن النتيجةُ ضروريةً؛ كيف وهو عن ثلاثتِها ساقطٌ؟

ثمَّ أقولُ:
إنَّ أكثرَ ما يقعُ مِنه الخطأُ في هذا البابِ لمَن عِندَه شيءٌ مِن العِلمِ؛ الخلطُ بين (الإجماع) و(المعلوم من الدين بالضرورة) ؛ والثاني بعضُ الأولِ وليس هو، وأكثرُ ما في مسألتِنا هذه لم يُجمَع عليه؛ فليس بمعلوم من الدين بالضرورة مِن طريقٍ أولى.
ومثل هذا مَن يخلِطُ بين (القول الذي لا يسوغ غيرُه) و(ما ظهر بنصٍّ وسنةٍ) ، وبين ما أُجمِعَ عليه؛ فقد يكون القولُ هو الحقَّ الناصعَ والبدرَ الطالِعَ والسُّنَّةَ المقطوعَ بها، ولكن لا يكون محلَّ إجماعٍ لخلافِ مَن خالف؛ فلا يجوز فيه دعوى الإجماعِ إن لم يكن ثمَّ إجماع حقيقي، والتسويةُ بين الأمرين تزيُّدٌ وكذبٌ.
ومثلُه ظنُّ أنَّ الظهورَ والخفاءَ، والقطعَ والظنَّ، أوصافٌ ذاتيةٌ للمُدرَكاتِ في نفسِ الأمرِ، والصوابُ أنَّها أوصافٌ إضافيةٌ، قد تتفاوتُ في المُدرَكِ الواحدِ؛ فقد يقطعُ عالمٌ بكفرِ معيَّنٍ، ويظنُّه آخر، ويخفى على ثالث، وقد يكون الأمرُ ظاهرًا في عصرٍ أو مِصرٍ لا في غيرِه، وقد يكون ظاهرًا عِندَ طبقةٍ مِنَ المكلَّفينَ لا عِندَ غيرهم، ومَن يحكمُ على المخالِفِ في المسألةِ بمَرتَبَتِها عِندَ نفسِه؛ فقد فحشَ خطؤه، قال شيخ الإسلام: (فإنَّ القولَ الصِّدقَ إذا قيل؛ فإنَّ صفتَه الثبوتيةَ اللازمةَ: أن يكونَ مطابِقًا للمُخبَرِ، أمَّا كونُه عِندَ المُستَمِعِ معلومًا أو مظنونًا أو مجهولاً، أو قطعيًّا أو ظنيًّا، أو يجبُ قبولُه أو يَحرُم، أو يكفرُ جاحدُه أو لا يكفُرْ؛ فهذه أحكامٌ عمليةٌ تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ....
فهذا أصلٌ عظيمٌ؛ فتدبَّرْه فإنَّه نافعٌ: وهو أن يُنظَرَ في شيئين في المقالةِ:
هل هي حقٌّ أم باطل أم تقبلُ التقسيمَ فتكون حقًّا باعتبارٍ باطِلاً باعتبار؟ وهو كثيرٌ وغالبٌ.
ثم النظرُ الثاني: في حُكمِه إثباتًا أو نفيًا أو تفصيلاً، واختلافِ أحوالِ الناسِ فيه؛ فمَن سلك هذا المسلكَ أصابَ الحقَّ قولاً وعَمَلاً، وعَرَفَ إبطالَ القولِ وإحقاقَه...) [مجموع الفتاوى 6/60-61] .

ثُمَّ قد يقعُ الخطأُ في هذا البابِ؛ مِن الخلطِ بين عينِ (المعلومِ مِن الدينِ بالضرورةِ) ، وبين لازِمِه ومقتضاهُ وأفرادِه إذا كان جِنسًا أو قاعدةً كليًّةً. وعَدمُ التفريقِ بين الأمرين لا يصحُّ إلا على مذهبِ أبي خرافةَ؛ فرُبَّما غاب اللازمُ عَن الذهنِ، وربما لم يُسلَّمْ بلزومِه، وربمَّا كان إلحاقُ الفردِ بجِنسِه أو بالقاعدةِ الكليةِ نظريًّا –وهذا غالبٌ- ، وربما لم يكن مقطوعًا به؛ وكان محلَّ نزاعٍ سائغٍ، أو غيرِ سائغٍ، إلى آخرِ ما يردُ على الاستدلال أو الإلحاق في المسائلِ النظرياتِ.
ومثال هذا: قولُ بعضِ الجهلةِ (إن تحريمَ الخمر معلومٌ من الدين بالضرورة) وهذا حقٌّ، ثمَّ قولُهم (والنبيذُ خمرٌ) وهذا حقٌّ نقطع به، ثم قولُهم (إنَّ الحنفيةَ قد استحلوا المعلوم من الدين بالضرورة؛ ففي مذهبهم كفرٌ) ! وهذا جهلٌ وباطلٌ.
ومثلُه: إيماءُ عبدِ المحسنِ العُبَيكانِ إلى كفرِ مجاهدي القاعدةِ؛ لقتلِهم –مستحلين- مهندسَ الأباتشي الأمريكيِّ، وهو عندَه معاهد، وحرمةُ المعاهدِ مِنَ المَعلومِ مِنَ الدِّينِ بالضَّرُورةِ يَكفُرُ مُستَحِلُّ قتلِه. وشتَّان بين استحلالِ قتلِ المعاهدين، واستحلالِ قتلِ المعيَّنِ مِنهم لشبهةِ عدمِ العهدِ، لو سلمنا له بأنَّ ذاك المحاربَ معاهدٌ، وأنَّى.

وانظرْ كيف استحلَّت الخوارجُ دماءَ المسلمينَ وأموالَهم، وأجمعَت الأمةُ على أنَّ تأويلَهم ليس بمسوِّغٍ لقولِهم وأنَّ قولَهم بدعةٌ، لكن لم يُكفرهم الصحابةُ والمحقِّقون مع أنَّ (حرمةَ المسلم معلومةٌ من الدين بالضرورةِ) ؛ لأنَّ نزاعَهم ليس في عَين حرمةِ المسلم، بل في إسلامِ مَن كفَّرُوهم مِن المسلمين، وهو ما تَتَرَتَّبُ عليه الحرمةُ؛ فلم يكفرهم الصحابةُ والمحققون – مع أنَّ إسلامَ مَن كفَّرَ الخوارجُ مقطوعٌ به- لمَّا كان نزاعُهم لا في عين الأصلِ الكليِّ المعلومِ مِنَ الدينِ بالضرورةِ، لكن في تحقُّقِ موجِبِ ذلك الأصل في الأفراد، وكان نزاعُهم في تحقُّقِه بتأويلٍ وشبهةٍ، ولم يكن جحودًا أو عِنادًا، قال ابنُ عابدين في [حاشيته 4/263] فيمَن يَكفرُ بالاستحلالِ: (مَن يستحلُّ دماءَ المسلمين وأموالَهم ونحو ذلك مِمَّاْ كَاْنَ قَطْعِيَّ اَلتَّحْرِيْمِ، وَلَمْ يَبْنِهِ عَلَى دليلٍ كما بناه الخوارجُ -كما مَرَّ- ؛ لأنَّه إذا بناه على تأويلِ دليلٍ مِن كِتابٍ أو سُنَّةٍ؛ كان في زعمِه اتِّباعَ الشَّرعِ لا مُعارضتَه ومنابذتَه، بخلاف غيره) .

ومثلُه: أنَّه لم يكفِّرِ العلماءُ وطلبةُ العلمِ الذين زعموا أنَّ الكافرَ الداخلَ إلى أرضِ المسلمينَ بتأشيرةٍ مِن الحاكمِ الكافرِ؛ معاهَدٌ أو مستأمَنٌ أو له شُبهةُ أمانٍ؛ لم يكفروا طوائفَ المجاهدين الذين استحلُّوا قتلَ هؤلاءِ؛ لَمَّا لم يكن هذا مِن بابِ استحلالِ قَتلِ المُعاهد بل هُوَ مِن بابِ النِّزاع في دخولِ هؤلاء في مُسَمَّى (المعاهد) .
والمقصودُ أنَّ القاعدةَ الكُلِّيَّةَ قد تكون معلومةً من الدين بالضرورةِ؛ ثم يكون إلحاق أفرادها بها ضروريًّا أو نظريًّا، ونظريُّه يكون مجمَعًا عليه، ويكون قطعيًّا، ويكون اجتهاديًّا لا تثريبَ فيه فكيف بالتكفير؟ وجعلُه كلِّه بمثابةٍ واحدةٍ مِن أعظمِ الضَّلالِ.

ومِن هذا ما يقعُ في تَكفيرِ المعيَّنِ إذا وقع في كفرٍ يُعلَم من الدين بالضرورةِ كونُه كفرًا؛ فإنَّه لا يقالُ –بإطلاقٍ- إنَّ مَن توقَّف في تكفيرِه فهو كافرٌ كما تقولُ الخوارجُ المعاصرةُ، بل السُّنَّةُ أنَّ مَن توقَّفَ في تكفيرِ هذا لا يَكفُرُ إن كان لشُبهةِ وجودِ مانعٍ ونحوها؛ وإن كانَ -الواقعُ في الكفرِ- في نفسِ الأمرِ كافرًا، كما تتوقفُ العامَّةُ –أكثرُها- وكثيرٌ مِن طلبةِ العِلمِ في تكفيرِ المقطوعِ عِندنا بكفرِه مِن الطواغيتِ المتسلطةِ على بلادِ المسلمينَ، مع وقوعِ بعضِهم فيما كونُه كفرًا معلومٌ مِن الدين بالضرورةِ، ووقوعِ سائرِهم فيما كونُه كفرًا لا تجهلُه الخاصةُ، وفيما كونُه كفرًا محلُّ إجماعٍ صحيحٍ؛ بشبهةِ أنَّ ثمَّ مانعًا مِن تكفيرِ أولئك الطواغيتِ، ومِنهم مَن ينازعُ في كونِ بعضِ المكفِّراتِ المُجمَعِ عليها مكفراتٍ؛ لشبهةٍ، كمظاهرةِ الكفارِ على المسلمين، والحكمِ بالقوانينِ المضادَّةِ للشرعِ بلا استحلالٍ، ولم يكفِّرْ هؤلاءِ بإطلاقٍ أحدٌ على السُّنَّةِ.
وانظر في فتوى الشيخ (أبي عبد الرحمن عطية الله) فيمَن لم يكفِّر القذافي -وهو أكفرُ أولئك الطواغيت وأظْهَرُهم كفرًا- وكيف قيَّد تكفيرَه لمن لم يكفِّر القذافي بقيودٍ ثِقالٍ؛ تَعْرِفِ الفرقَ بين منهج المجاهدين السنيِّ في التكفير، ومنهجِ الجهلةِ البِدعيِّ فيه.

هذا كلُّه يقالُ تنزُّلاً بالتسليم بصحةِ ما ادَّعى هذا ضروريتَه؛ لنقاشِ هذه الدعوى، وبيان وجوه الخطأِ في عدِّ ما ليس بضروريٍّ من الدينِ ضروريًّا، وبيانِ أنَّ أبا خرافةَ قد بَعُدَ مذهبُه حتَّى كفَّرَ بعينِ ما تُكفِّرُ به الخوارج.
وأمَّا كونُه مِن الدينِ أو لا؛ فقد تقدَّم الإشارةُ إلى كونِه ليس مِنَ الدينِ أصلاً، ولم يقل به منسوبٌ إلى العِلمِ، وليس عليه دليلٌ مِن كتابٍ أو سنةٍ إلا كما تستدلُّ الخوارجُ والمعتزلةُ لبِدَعِها بالشُّبُهاتِ؛ وتعدُّها من الضرورياتِ!
قال شيخ الإسلام: (ولكنَّ مِن شأنِ أهلِ البِدَعِ أنَّهم يَبتَدِعُون أقوالاً يَجعَلُونَها واجبةً في الدِّينِ، بل يَجعَلُونَها مِنَ الإيمانِ الذِّي لا بُدَّ مِنه، ويُكَفِّرُون مَن خالَفَهم فيها، ويَستَحِلُّون دَمَه؛ كفِعْلِ الخوارجِ والجهميةِ والرافضةِ والمعتزلةِ وغيرِهم. وأهلُ السُّنَّةِ لا يَبتَدِعُون قَولاً، ولا يُكَفِّرُون مَن اجتَهَدَ فأخْطَأَ، وإن كان مخالِفًا لَهُم مسْتَحِلاًّ لدِمائِهِم) [مجموع الفتاوى 19/212] .
فإنَّهما ظُلمتان: ادِّعاءُ أنَّه مِنَ الدِّينِ، ثُمَّ ادِّعاءُ أنَّه ضروريٌّ؛ وابتداعُ المقالاتِ ثمَّ جعلُها من المعلومِ من الدينِ بالضرورةِ مِن منهجِ أهلِ البِدَعِ، وطريقتُهم في هذا معروفةٌ؛ كما قال شيخُ الإسلامِ، وابنُ الوزير في إيثار الحق، وغيرهما من أهل العلم؛ فهم يُوَسِّعون مفهومَ أصلِ الإيمانِ الذي يجبُ على كلِّ مكلَّفٍ ويكفرُ تاركُه ولو لجهلٍ وتأوُّلٍ؛ ليشملَ ما لا تعلمُه إلا الخاصة، وما لا يُعلَمُ إلا بنظرٍ واستدلال، وما نازَعَ فيه بعضُ أهلِ القبلةِ، وما اختلفَ فيه السَّلَفُ، وما هو بِدعةٌ وضَلالةٌ؛ يُلزِمون الناسَ به، ويعدُّونَ مخالفَهم فيه لا يَعرِفُ التَّوحيدَ ولا شمَّه! وما نفع المعتزلةَ أن سمَّت تعطيلَها توحيدًا، ولا يَنفعُ هؤلاء أن يُسمُّوا ضلالَهم إيمانًا وتوحيدًا.
وتأمَّل ما يلزمُهم -وإن كابروا- مِن تكفيرٍ لسوادِ الأمَّةِ وعلمائها ومجاهديها، ما أشبهَهم فيه بسائرِ المبتدعةِ! وفي هؤلاء قال السمعانيُّ رحمه الله: (ومِن قبيحِ ما يَلزَمُهم في اعتقادِهم؛ أنَّا إذا بَنَينا الحقَّ على ما قالوا، وأوجبْنا طلبَ الدينِ بالطريقِ الذي ذَكَرُوه؛ وَجَبَ مِن ذلك تكفيرُ العوامِّ بأجمعِهم؛ لأنَّهم لا يَعرِفُون إلا الاتِّباعَ المُجَرَّدَ...
وإنَّما غايةُ توحيدِهم التزامُ ما وَجَدُوا عَلَيه سَلَفَهُم وأئِمَّتَهم في عقائدِ الدينِ، والعَضُّ عَلَيها بالنواجِذِ، والمُواظَبةُ على وظائفِ العباداتِ، ومُلازمةُ الأذكارِ بقلوبٍ سليمةٍ طاهرةٍ عَنِ الشُّبهاتِ والشُّكُوكِ، تَراهُم لا يَحيدُون عمَّا اعتقَدُوه وإن قُطِّعُوا إربًا إربًا، فهنيئًا لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة، فإذا كفَّرُوا هؤلاءِ الناسِ -وهم السَّوادُ الأعظمُ وجُمهورُ الأمَّةِ- فما هذا إلا طيُّ بساطِ الإسلامِ، وهدمُ منارِ الدِّينِ، وأركانِ الشريعةِ، وأعلامِ الإسلامِ، وإلحاقُ هذه الدارِ -أعني دارَ الإسلامِ- بدارِ الكُفرِ، وجَعْلُ أهليهِما بمنزلةٍ واحدةٍ، ومَتَى يُوجَدُ في الأُلوفِ مِن المسلمين على الشَّرطِ الذي يُراعُونَه لتَصحيحِ معرفةِ اللهِ تعالى؟ أوَ لا يِجِدُ المُسلمُ أَلَمَ هذه المقالةِ القبيحةِ الشَّنيعةِ في قلبِه؟ بل لو تقطَّعَ حَسَراتٍ مِن عَظيمِ ما اختَرَعُوه في الدِّينِ ومَوَّهُوه عَلَى الناسِ؛ كان جديرًا بذلك. وإن قالوا: إنَّا لا نُكَفِّرُ العوامَّ؛ فقد ناقضُوا أصولَهم حينَ أثبتُوا حقيقةَ المعرفةِ والإيمانِ بغيرِ طريقِها على أصولِهم...
واللهُ يَكفِي أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ شرَّهُم، ويَرُدُّ كَيدَهُم في نحْرِهِم، ويُلْحِقُ بِهِم عاقبةَ مَكرِهِم، بقُدرتِه وعظيمِ سطوتِه) [الانتصار لأصحاب الحديث ص73-74] .

ومِمَّا يَظهَرُ لك به –مع تهلهل منطقِ (المذكورِ) - جُرأتُه على القولِ على اللهِ بلا عِلمٍ، تَكرارُ تكفيرِه للمسلمينَ مِن العلماءِ وطلبةِ العِلمِ والدعاةِ بمكفِّرٍ ضلَّتْ عَنه أمَّةُ الإسلامِ وهُدِيَ إليهِ هو، أعني دعواه (أنَّهم يُعطون الشرعيةَ للعلمانية) ، وإنَّك تنظر في هذا الوصفِ لتعرفَ حدَّه وضابطَه ومَن يدخُلُ فيه؛ فلا تفلحُ، وليس يُكفِّرُ بمثلِ هذه الأوصافِ إلا مَن عظمَ جهلُه، وأفنَ عقلُه، ورقَّ دينُه؛ حتى كان جريئًا على أحكامِ الشريعةِ، وعلى أعراضِ المسلمين، فالتكفيرُ لا يكونُ إلا بأوصافٍ دقيقةٍ دلَّ الدليلُ الشرعيُّ على أنَّها مكفِّرةٌ، غيرَ أنَّ سعةَ مدلولِ هذه العبارةِ وإجمالَه ييسِّرُ له مرادَه مِن تكفيرٍ للمسلمينَ، لأنَّها مما تستقبحُه نفسُ المسلمِ، وقد لا يَتَنَبَّه لإجمالِها، فيدفعُ بها (المذكورُ) للتهويلِ والتَّضليلِ، وهذا -كذلك الماضي- سبيلٌ تسلكُه المبتدعةُ أيضًا؛ فكما أنَّ (للمذكورِ) (إعطاء الشرعية للعلمانية) ، فللجهميةِ (الأعراضُ والأغراضُ والأبعاضُ والحوادثُ والجسمُ) وغيرها مما يحتملُ مِن حيث المعنى حقًّا وباطلاً، ونحن نستنُّ بما في الكتاب والسنةِ مما عمل به أسلافُنا أهلُ السنةِ مع أسلافِه، فننظرُ هنا نظرين:
الأول: في المعاني التي تحتملها هذه العبارة، وما يترتب على كلِّ مَعنى؛ مِن حُكمٍ بإيمانٍ وكُفرٍ.
الثاني: في صحةِ نسبتِها لمَن كفَّرَهم بها. وننتقي أمثلةً تعتبر بها؛ فإنَّ المرادَ كشفُ قدرِ (المذكورِ) في العِلمِ وزَيغِه في الطريقةِ.

أمَّا الأولُ: فإنَّ المذكورَ قد التزم بمذهبِه (الخُراعيِّ) فيه، ولم يَثبُتْ على معنىً معيَّن، وهذا -كما أسلفتُ- مِن بابِ تيسيرِ التكفيرِ. ولعلها جاءت في ذهنه هكذا: التَّكفيرُ دِينًا، والدِّينُ يُسرًا والتَّيسيرُ (مِن مَقاصِدِ الشَّريعةِ) َ ؛ فشُرِعَ القصدُ إلى تَيسيرِ التَّكفيرِ (وما رأيتَ مِن الأخبارِ مُنتصِبًا فمُبتَدَؤُه ناصِبُه، لا تنسَ أنَّها حكايةٌ عَن ذِهنِ الخُراعيِّ) .
والمقصودُ:
أنَّ المذكورَ تارةً يُلحِقُ ذلك الوصفَ الذي يكفِّرُ به؛ بمَن سمَّى حاكِمًا كافِرًا وليَّ أمرٍ.
وتارةً: يُلحِقه بمَن لم يكفِّر الحاكِمَ الكافِرَ.
وتارةً: يُلحِقُه بمَن أومأ إلى صحةِ ولايةِ حماس.
وتارةً: بمَن لم يكفِّر حماس أو الإخوان.
وتارةً يزدادُ فجورُه: فيصفُ به مَن مَدَحَ المُجاهِدِين فِي مَوطِنٍ وَسَكَتَ فِي مَواطِنٍ، فإنَّه في حقيقتِه –كما قال- يعطي الشرعية للعلمانيين، إذا سكت عَن تكفير الطاغوت.
وأنتَ إذا نظرتَ في التَّقسيماتِ التي يَذكُرُها؛ لم تجدْها راجعةً إلى نظرٍ صحيحٍ يتضمَّنُ دليلاً، ولا شِبهَ دليل؛ ووجدتَ وصفَه هذا يتمدَّدُ بالحرارةِ، ويتقلَّصُ بالبرودة!
فهو يُكفِّرُ مَن شاء بهذه الحجةِ، ثم يمدِّدُها ليَدخُل في مفهومِها مَن كفَّرَه، كما فَعَلَ مع الشيخ محمد حسان، والشيخ حامد العلي وغيرهما ممَّن سأذكر، وأمَّا إذا انطبق هذا الوصفُ المكفِّرُ –عِندَه- على المشايخِ المجاهدين –كالشيخ أبي الوليد الأنصاري والشيخ عطية الله- قلَّصَ مدلول تلك العبارة لئلا يُكفِّرَهم؛ فإنَّه يعلم أنَّ في هذا انفضاضَ مَن اغترَّ به عنه، ووَصَفَ كلامَهم بالخطأ، أو تأوَّلَه ليبدو موافقًا لكلامِه، لئلا يكفرهم، ولعلها مسألة وقت.
والأوصافُ المذكورةُ كلُّها لا تصلحُ سببًا مكفِّرًا بإطلاقٍ دون نظرٍ إلى ظهورِ كفرِ ذلك الطاغوتِ والشبهةِ في عدمِ تكفيرِه، وحالِ هذا الذي لم يكفِّرْه، إلى آخرِ ما لا يُهمِلُه إلا متسرِّع.
وأعلى تلك المعاني: تسميةُ الحاكم الكافرِ وليَّ أمر، وهذا فرعٌ –عِندَ مَن فعلَه- عَن عدمِ تكفيرِه، ولهم فيه شبهةُ إطلاق العلماء تصحيح ولاية المتغلِّب بلا شرطٍ غير إسلامِه، ولهم في إسلامِه شبهٌ كثيرةٌ مِن جهةِ تحقُّقِ علمانيتِه، ومِن جهةِ إعذارِه فيها بالجهلِ وأنَّه يُفتَى له وأنَّه لم تقم عليه حجة، ومِن جهةِ أنَّه عاجز عن الحكم بالشرعِ، ومن جهاتٍ كثيرةٍ، كلُّها شُبَهٌ باطلةٌ لا تردُّنا عن القطعِ بكفرِ أولئك الطواغيت وأنَّهم أئمةُ كفرٍ، لكنَّها تنفعُ -في الظاهر- مَن لم يكفِّرْه؛ فلا يَجُوزُ الإقدام على تكفيرِ هذا، إلا أن يظهر لعالِمٍ، متمكِّنٍ، متجرِّدٍ مِن الهوى والخصومةِ، عارفٍ بحالِه، بقرائنَ ظاهرةٍ يُعمَلُ بمثلِها؛ أنَّه لم يكفِّرْه ردًّا لحكمِ اللهِ أو تكذيبًا له، لا تأوُّلاً للأدلةِ والقواعِدِ الشرعيةِ، وفي مثلِ مسألتِنا هذه: احتمالُ التأويلِ في عدمِ تكفيرِ أولئك الطواغيت قويٌّ في مستورِ الحالِ من المسلمين، مِن جهةِ حُسنِ القصدِ وطلبِ حكمِ الشرعِ، ويجبُ العملُ به، ولا يغلبُ هذا الاحتمالَ غيرُه إلا بقرينةٍ بالشروطِ التي ذكرتُ، وأمَّا إذا كان المنظورُ في أمرِه مِن أهلِ الديانةِ مِن طلبةِ العِلمِ وأهلِ الدعوةِ؛ فإنَّ أمرَه أعظم، وتكفيرَه –هكذا- أقبح، ويُحتاطُ في شأنِ مثلِه ما لا يُحتاطُ في شأنِ غيرِه، وقد سُئل شيخ الإسلام (في رجلٍ مِن أهلِ العِلمِ شَتَمه شريفٌ؛ وقال له: يا جاهل! فقال هو للشريفِ: الجاهلُ جَدُّك، ولم يعلم أنَّه شريفٌ، فقال له الشريف: كَفَرتَ؛ لأنك شَتمتَ جَدِّي رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ...) فانظر في جوابِ الشَّيخِ وتدبَّرْه واعمل بما شئتَ: بعلمٍ أو خُراع، قال الشيخ: (لا يَحِلُّ تكفيرُ المسلمِ بمِثلِ ذلك، ومَن عُرِفَ إيمانُه لا يَقصِد بمثل هذا اللفظ لرسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فمن ادَّعى على معروفٍ بالخير والدين أنه قصدَ بذلك رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنَّه يُعزَّر هذا المفتري على أهل الخير والدين...
وسواء كان المتكلم بهذا يعلم أن المخاطبَ شريفٌ أو لم يكن يعلم؛ لا يُحمَل ذلك على مرادِه النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إلا أن تكون هناك قرينة تدلُّ على ذلك، مثل أن يكون القائل معروفًا بالنفاق والاستهزاءِ بالرسالةِ والقرآنِ ودينِ الإسلام ونحو ذلك، فمتى ظهرتْ هذه الكلمة مِمَّن هو معروف بالنفاق كان ذلك قرينةً تُقَوِّي إرادتَه النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فيُحبَس –حينئذٍ- المتَّهَمُ، ويُكشَف عن بقية أحوالِه، ويُعاقَب إما بالقتل وإما بدونه، لئلاّ يجترئ أهل النفاق والزندقة على انتهاكِ حرمةِ الرسالةِ) [جامع المسائل 3/393] .
وانظر تَكرارًا في فتوى الشيخ عطية الله المذكورة؛ تعلمِ الفرقَ بين العِلمِ والجهلِ، وسلِ اللهَ العِلمَ النافعَ.
وأمَّا عدُّ مَن لم يكفِّرِ الحركاتِ الإسلاميةَ معطيًا الشرعيةَ للعلمانيةِ فأظهرُ بطلانًا من أن يُشتغلَ بردِّه ولو بإشارةٍ، وتقدَّم ذِكرُ لوازِمِ ذلك التي لا يجرؤُ –الآنَ- المذكورُ أن يَلتزمَها.
والمعنى المحتملُ لتصحيحِ تكفيرِ مَن يعطي العلمانيةَ الشرعيةَ؛ أن يَعُدَّها مشروعةً وحقًّا؛ وهذا لم يقل به أحدٌ ممَّن كفَّرَهم هذا، وليس بمستطيعٍ أن ينسبَ إلى أحدٍ مِنهم هذا إلا بتصييرِه ما توهَّمَه لازمًا لأقوالِهم أقوالاً لهم يكفِّرُهم بها، وهذه طريقةُ أهلِ البِدَعِ، وأمَّا أهلُ السنةِ فلا يكفِّرون باللوازمِ ما لم تُلتَزَمْ؛ لأنَّ مَن لَزِمَه المَعنَى الكفريُّ قد يغفلُ عَنه، أو لا يسلِّمُ بلزومِه. فلو قلنا بأنَّه يلزم مِن كلامِ أولئك (إعطاء الشرعية للعلمانية) لم يجز تكفيرُهم به، كيف وهو ليس بلازمٍ لأقوالِهم بل ادعاءُ هذا مِن الكذبِ والافتراءِ.

وأسوقُ أمثلةً لبعضِ مَن هم –على طريقةِ المذكورِ- يُعطون الشرعيةَ للعَلمانيةِ، ويجب عليه تكفيرُهم كما كفَّر العليَّ وحسان؛ مِثلاً بمثلٍ، وسواءً بسواء.

الأوَّلُ: الشيخ أيمن الظواهري حفظه الله؛ فإنَّه كأخيه حامد العلي يعطي "الحركات العلمانية" شرعيةً؛ انظر مثلاً إلى قولِه في الحصاد المر: (ولم يكتفِ الإخوانُ بالقعودِ عَن الجهادِ الواجبِ، بل وصفوا الحكوماتِ الكافرةَ بالشرعيةِ، وشاركُوها في أساليبِ الحُكمِ الجاهليةِ مِن ديمقراطيةٍ وانتخاباتٍ وبرلمانات) انتهى كلامُه، ومِثلُه كَثيرٌ في الحَصادِ المُرِّ، وفيه إثبات عِلمِ الشَّيخِ بأمْرَين: أنَّهم وصفوا الحكوماتِ المرتدةَ بالشَّرعِيَّةِ، وأنَّهم شارَكُوها في أسالِيبِ الحُكمِ الجاهِلِيَّةِ.
والشيخُ لا يخلو شأنُه –على المذهب الخراعي- مِن أحدِ أمرين:
الأول: أن يكفِّرَ جماعة الإخوان؛ فيسلمَ دينُه له.
والثاني: أن لا يكفِّرَها؛ فيكون ممن يُعطِي الشرعية للعلمانية بعدم تكفيره لهذه الحركة "العلمانية"؛ فيَكفُر كما كفَرَ أخوه حامد العلي، وأمَّا تكفيرُه فله حالان:
أن تتحقق الشروط في الشيخ الظواهري وتنتفي عنه الموانع، ويكون في تكفيرِه مَصلحةٌ شرعية؛ فيُحكَم بكفرِه.
والحال الثانية: أن يكون ثَمَّ مانعٌ مِن موانعِ التكفير، أو يكون في تكفيرِه مفسدة؛ فالشَّأنُ إذًا: أنَّه كافر حقيقةً، نعتقدُ كفرَه، ولكن لا نحكمُ به! قال أبو خرافةَ: فإنَّ الحقائقَ لا تتغيَّرُ بوجودِ مانعٍ أو لمصلحةٍ، لكن الأحكامَ تتغيَّر؛ فمَن وقع في كفرٍ فهو كافرٌ حقيقةً وحُكمًا، وإن كان ثمَّ مانعٌ، أو مصلحةٌ؛ فهو كافرٌ لا نحكم بكفرِه، لكن نعتقدُه! (هكذا واللهِ قرَّرَ مِرارًا! وهو يجعلُ نفسَه بهذه القواعدِ ضُحكةً لمَن عِندَه شيءٌ مِن العِلم؛ فإنَّها هذرٌ لا قيمةَ له) .
هذا محتملٌ؛ لكننا لا نبغي على (المذكور) ، والأظهرُ أنَّه لا يكفِّر –الآنَ- المجاهدين وإن لزِمَه تكفيرُهم؛ غيرَ أنَّه قال محقِّقو (المذهب الخُراعيِّ) بأمرٍ ثالثٍ يُبطلُ اللزومَ: وهو أنَّ التكفيرَ بإعطاء الشرعية للعلمانية يتمدَّدُ ويتقلَّصُ ليُكفِّرُوا به مَن شاؤوا ويتهرَّبوا مِن تكفيرِ مَن هابُوا.
هذا لأنَّ الشيخَ أيمن يَعلمُ بما عِندَ الإخوانِ مِن مخالفاتٍ تجعلهم علمانيين عِند (المذكورِ) كما تقدَّم النقلُ عَنه، ثم هو لا يُكفِّرُهم، ويزيدُ على هذا؛ فيثني عليهم وعلى جهودِهم ويعترفُ بفضلِهم، ويعارضُ مَن يسوِّي حماس بفتح العلمانيةِ؛ فهو بهذا يعطي العلمانيةَ الشرعيةَ، لكن تنبَّه؛ فإنَّه لا يَكفرُ لقاعدةِ التمدُّدِ والتقلُّصِ، ويحتمل أنْ نعتقدَ كفرَه –على المذهب الخُراعيِّ- لكن لا نحكم به؛ للمصلحةِ!

المثال الثاني: وكنتُ أريد أن أجعلَه في عُلماءِ نجدٍ -رحمهم الله- مِمَّن كان مع عبدِ العزيزِ بنِ سعودٍ عميلِ بريطانيا، وكان مِنهم: الشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، وغيرهم من الأعلام، كنتُ أريد أن ألزمَه بوصفِهم بأنَّهم علماءُ سلطةٍ، وأنَّهم يُعطون الشرعية للعلمانية، وبتكفيرِهم بذلك، غيرَ أنَّني وجدتُه يصرِّحُ بكونِهم علماءَ سلطةٍ وأنَّهم يُعطون الشرعيةَ للعلمانيةِ!
فذهبتُ إلى مَن تجِدُ في كلامِ (المذكور) ثناءً عليه وترَحُّمًا، انظر مثلاً في الشيخِ أحمد شاكر رحمه الله، فقد كان الشيخُ يكفِّرُ مَن يحكمُ بالقوانينِ الوضعيةِ، وفتاواه في هذا كثيرةٌ جِدًّا، ويكفِّرُ مَن أعانَ الكفَّارَ مِن الإنجليزِ بشيءٍ، ولم تكن العامَّةُ – فكيف بالشيخ- تجهل أنَّ مصرَ كانَت تُحكَمُ في عصرِ فاروق وأبيه وأسلافِهم بالدساتيرِ الوضعيةِ، وكان في قوانينِها ما يضادُّ الشرعَ مضادَّةً صريحةً؛ كترخيصِ دورِ البِغاءِ قبلَ منعِها، والشيخُ قطعًا يعلمُ هذا، لا لكونِ العِلمِ به مشتهرًا في أهلِ زمانِه، ولا لكونِه ضروريًّا للقضاةِ وهو كان قاضيًا، بل لكونِه قد كتب فيه مِرارًا؛ فاحتمالُ جهلِه بهذا معدومٌ قَطْعًا، وادعاؤه كذبٌ ظاهر، ولا تنسَ – في السُّطوُرِ الآتيةِ- عمالةَ أولئك الملوكِ –وفاروق مِنهم- للمحتلين الكفارِ، وهذا لا يخفى.
وإذا كان الشيخُ يكفِّرُ بالحكمِ بالقوانين، ويعلمُ قطعًا أنَّ الملك يحكم بها، وبأقلِّ معاونةٍ للإنجليزِ، وعمالةُ فاروق لهم مِن العِلم المستفيضِ، فما كان موقف الشيخ مِن فاروق؟ قال الشيخُ رحمه الله: (إنَّ اللهَ قد مَنَّ علينا في هذه السنين الشِّدادِ بمليكنا الفاروق الملكِ الحازمِ النقيِّ، نِعمَ القدوةُ هو لشبابِ أمَّتِه وكهولِها وشيوخِها، مُلئَ قلبُه إيمانًا وحكمةً، يقودُ أمَّتَه إلى المجدِ بخطواتٍ سراعٍ، مهتديًا بهدي الإسلام، متمسِّكًا بعروتِه الوثقى) [جمهرة مقالاته 2/695] .
وقال: (أوَّل ما يجبُ أن نبدأَ به، ونحن نستبشرُ بعامٍ جديدٍ: أن نرفع تحياتِنا وتهانينا إلى سيِّدِ مضر [كذا ولعلها: مصر] وموضعِ فخرِها، وإمامِ المسلمين، وقائدِ نهضتِهم، حضرةِ صاحبِ الجلالةِ فاروق الأول، أعزَّ الله الإسلام بتأييده، وهو الذي تَوَسَّمْنا في طلعتِه الكريمةِ أن سيبعث الله لها شأنًا، وأن سيهب لها بيمين نقيبته مِن بعدِ ضعفٍ قوَّةً، ومِن بعدِ استكانةٍ عِزًّا ومَجدًا. وهو الملك الحازمُ الموفق إن شاء الله.
أيُّها السادة:
إنا نستقبل عامًا جديدًا، ونستقبلُ عهدًا جديدًا، في مُلْكِ مَلِكٍ رشيدٍ...
ومِن محاسنِ المناسباتِ أن يكونَ إمامُنا (الفاروق) سَمِيَّ أمير المؤمنين الفاروق ...) [جمهرة مقالاته 2/703 والموضعان عن مجلة الهدي النبوي] .

فانظر إلى ما قاله الشيخ حسان في طاغوت مِصرَ في عصرِه، وما قاله الشيخ أحمد شاكر في طاغوت مِصرَ في عصره، تعرفْ أنَّ تكفيرَ المتأخِّرِ وتركَ المتقدِّمِ تفريقٌ بلا مفرِّق، بل الشيخ أحمد شاكر أَولَى؛ فإنَّ كلامَه أعظم، وإنَّه –من حيثُ التقعيد- يكفِّرُ بالحُكمِ والإعانة، وإنَّه وَصَفَ الملكَ بما لم يصف به حسان الرئيسَ! بأنَّه الفاروق، وأنَّه نعم القدوة، وأنَّه مُلئَ قلبُه إيمانًا، وأنَّه مهتدٍ بهدي الإسلام، متمسكٌ بعروتِه الوثقى، وأنَّه سيد مصر، وأنَّه إمام المسلمين، وبغيرِ ذلك مما هو فوق ما وَصَفَ به حسان طاغوتَ مصرَ -الهالكِ عَن قريبٍ بإذن الله- وبعضَ أعوانِه المُجرمينَ.
ففي كلام الشيخ أحمد شاكر –على مذهبِ (المذكورِ) - إعطاءٌ للشرعيةِ للعلمانيةِ وللعمالةِ! فهو يثني على الطاغوت، ويسميه مؤمنًا، ويعدُّه وليَّ أمرٍ إمام، هذا مع دعوتِه إلى سلوكِ السبيلِ الدستوريةِ! ودخولِ الانتخاباتِ، ودعوتِه إلى وضعِ تشريعاتٍ وضعيةٍ تخالفُ الشرعَ، فيها تقليلٌ للشرِّ ما دام لا سبيلَ عند أصحاب القوانين إلى إقرارِ الشرعِ، وهذا –على مذهب (المذكور) - تشريعٌ مركَّبٌ للعلمانيةِ، ويُدخِلُ الشيخَ في أعلى الصورِ التي يكفِّرُ (المذكورُ) بها العلماءَ وطلبة العلم والدعاة.

وكنتُ قد ذكرتُ أنني لن أشتغلَ بتَتَبُّعِ غلطاتِه وسقطاتِه لما تقدَّم مِن وصفِها، وحسبك ما مثَّلتُ به؛ فإنَّه يَكشفُ لك أنَّه جاهلٌ بينَه وبين العِلمِ بُعدَ المشرقين، وأنَّ مثلَه لا يُحَصِّلُه ولو انقلَبَ إلى الجِدِّ في طلبِه إلا أن يشاء اللهُ.
وغيرُ ما ذكرتُ كثيرٌ وتقدَّم –منها- عرَضًا قاعدتُه في التفريقِ بين الحكمِ والاعتقادِ، وهو فهم سقيم لمسألة (عدم العذر بالجهل) التي قررها بعض العلماء، وعدمُ فهمٍ مِنه لموضعِها عِندَهم، ومرادِهم من نفي الكفر وإثبات الشرك، وهذا مِنه كثير: أعني نقلَه عَن بعضِ أهلِ العِلمِ عبارات مجملة حيث نَقَلَ، محكمة حيث وردت، كنفي العلماء لنفعِ الكافرِ تأويلُه وأنَّه لا يغيِّرُ حقيقةَ كفرِه، فيحمله هو على المسلم إذا وقع في مقالةٍ كفريةٍ، وهذا الجنس من الخطأ لا يكاد يحصر في كلامِه، وقد يقعُ للمرءِ أن ينقلَ عَن أهلِ العِلمِ نقلاً مبتورًا يحيل المعنى، وهذا يقلُّ أو يكثر: بحسب أمانةِ النَّاقلِ وعِلمِه وفهمِه، ولكنك لستَ تجِدُ مثلَ (المذكور) ؛ فلم يكفِه إكثارُه مِن هذا، حتَّى ذهبَ إلى بترٍ يُجرِّدُ الكلامَ مِن أيِّ معنى لا مِن مرادِ صاحبِه وحسب! فكم جملةٍ ترك بعضَها الذي لا يصحُّ معناها –من حيث اللغة- إلا به!

وأنبِّه هنا إلى أنَّ الرجلَ مع ما تقدَّم مِن وصفِ حالِه، هو كذلك ينقلُ مِن هنا وهناك وقد لا يحيل، ونبَّهتُ إلى أنَّ علامةَ منقولِه أن لا تجِدَه ركيكًا ملحونًا، وأنْ تجدَ همَزاتِه صحيحةَ الرسمِ وصلاً وقطعًا، وأنبِّه كذلك إلى قرينةٍ ظاهرةٍ جِدًّا تدلُّ على ذلك؛ فأنتَ تجد طرقَ المعاصرين في العزوِ تختلف، فبعضُهم يكتبُ المصدرَ والجزءَ والصفحةَ بين قوسين؛ هكذا: (جمهرة مقالاته 2/703) ، وبعضُهم يكتبها هكذا: (جمهرة مقالاته) 2/703 ، وبعضُهم يكتبها هكذا: جمهرة مقالاته 2/703 بدون أقواس، وبعضُهم بالرَّمزِ للجزءِ والصفحةِ هكذا: جمهرة مقالاته جـ2 ، ص703 ، وبعضُهم يُتبع هذا بنقطة بعدَ القوسِ مباشرةً: (جمهرة مقالاته 2/703). وبعضهم يفصل بينهما، وبعضهم لا ينقط هذه المواضع، هذا كلُّه اصطلاحٌ، لكنَّك لا تجد أحدًا يفعلُ هذا وهذا وهذا في مقالٍ واحدٍ! ما لم يكن يأخذُه كما هو من مصادر مختلفة لا يشير إليها، ولا يوحِّدُ ترقيمَه غفلةً مِنه، وهذا هو صنيعُ المذكورِ فيما ينشر، وكم يزيد فيَأخُذ تعليقًا كاملاً أو تخريجًا مِن مصدرِه بنفسِ طريقةِ ترقيمِ المصدرِ –أعني العلامات- وإن كانت مخالفةً لتَرقِيمِ ما يُنشئ، وفي رسالةِ الشيخ الفهد (هدم التماثيل) الخبر اليقين.
وأذكرُ طرفةً أنَّ بعضَهم قال في مذكرةٍ له: حدثني بذلك شيخنا تقيُّ الدين! فما أحسنَ أنَّهم حتى في الإساءةِ لا يُحسنون.

وأجيبُ عن سؤالِك باختصارٍ فأقول:

أمَّا تكفيرُه للشيخ محمد حسان فهو فيه على طريقةِ الخوارجِ الغلاةِ التي وصفتُ، وأمَّا الشيخ محمد أصلح اللهُ أحوالَه: فهو داعيةٌ معروف، وطالبُ عِلم، وله مِن الحسناتِ ما لا يُنكِرُه إلا جاهلٌ به أو جاحد، ومِن الاجتهادِ ما ننازعُه فيه، ومِن الأخطاءِ الجليةِ والتصرفاتِ غيرِ المرضيةِ ما هو ضلالٌ؛ أسبابُه –من جهةِ الشيخِ وبيئتِه- ظاهرةٌ، وهذا يجبُ إنكارُه ولا يجوز إقرارُه، لكن يُنكَرُ بعلمٍ وعدلٍ وبما يحقِّقُ المصلحةَ الشرعيةَ مِن إغلاظٍ أو غيرِه؛ مِمَّن يُحسنُ تقديرَ هذا وضبطَه بالشَّرعِ لا بالطِّباعِ الجِبِلِّيَّةِ، بلا غفلةٍ عَن منزلتِه وحسناتِه، أو ذهولٍ عَمَّا لأخطائِه مِن المآلاتِ الخطيرةِ، وبلا تكلُّفٍ؛ بعدِّ أخطائه كلِّها ممَّا هو ضلالٌ قطعًا، أو عدِّهِ كافرًا أو مِمَّن تكفيرُه محلُّ اجتهادٍ، فليس في أفعالِه الظاهرةِ ما هو كفرٌ، وإن وَقَع مِنه ما نعدُّه مداهنةً قد يكونُ بها في الباطنِ فاسقًا أو لا، لكنَّ ظاهرَه أنَّه فيها متأوِّلٌ لا يَفسُق، يتَأَوَّلُ فِعلَه أنَّه مداراةٌ لتحقيقِ المصالِحِ الدِّينيةِ للدَّعوةِ، وأمرُه إلى الله، ونحن ننكر عليه بعضَ هذا ونعذره في بعضِه، ونحذِّرُه مِن مآلاتِ توسُّعِهِ فيه وأنَّه هو ما فيه فسادُ لُبِّ الدَّعوةِ لا تركُه.
والمقصود: أنَّ مَن كفَّرَه أو ظَهَرَ له فسقُه بأفعالِه؛ بشيءٍ باطنٍ يعلمُه ولا يعلمُه غيرُه؛ فليُبرِزْه، وإلا فظاهرِه أنَّه قولٌ مُنكَرٌ غيرُ سائغٍ، وأمَّا تكفيرُه بطريقةِ المذكورِ فبدعةٌ ولا رَيبَ.
وأمَّا (التجاسُرُ على تكفيرِ مَن ظاهرُه الإسلامُ، مِن غَيرِ مُستَنَدٍ شرعيٍّ، ولا بُرهانٍ مَرضِيٍّ، [فـ]ـيُخالِفُ ما عَلَيهِ أئمَّةُ العِلمِ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وهذه الطريقةُ هي طريقةُ أهلِ البِدَعِ والضَّلالِ، ومَن عُدِمَ الخشيةَ والتَّقْوَى فيما يَصدُرُ عَنه مِن الأقوالِ والأفعالِ) [قاله الشيخ عبد اللطيف في الدرر 10/423 ، والفاء زدتُها للجوابِ] .

ولا يَجوزُ أن يُقالَ إنَّ مَن أكفرَ مُسلِمًا وأخطأ باجتهادِه فهو معذورٌ مطلقًا، فالعذرُ في هذا كالعذرِ في سائرِ الاجتهاداتِ الدينيةِ، يُشترطُ له الأهليةُ للنظرِ والاجتهادِ، ثمَّ بذلُ الوُسعِ فيه وتحرِّي حقائقِه الشَّرعيةِ والحالِيَّةِ، والتجردُ مِن الأهواءِ؛ ليكونَ على الطَّريقةِ السُّنَّيَّةِ؛ وإلا فسقَ المخطئُ أو أثِمَ دونَ ذلك، وقد يكون به مبتدعًا، وقد قال الشيخ عبد اللطيف: (وأمَّا مَن كفَّرَ مَن ليس مِن أهلِ الكُفرِ لكنَّه مُتَأَوِّلٌ يَسُوغُ تَأويلُه؛ فَهُوَ أيضًا مِنَ الأئمَّةِ المرضيينَ إذا تَمَّتْ لَهُ شُرُوطُ الإمامةِ، وخطؤُه مَغفورٌ لَه بِنَصِّ الحدِيثِ، وأمَّا مَن يُكَفِّرُ لِهَوى، أو عَصَبِيَّةٍ، أو لمُخالَفةٍ في المذاهِبِ، أو لأنَّه يَرَى رأيَ الخوارِجِ؛ فهو فاسق) [الدرر 12/265] ، فمَن أقدَم على التَّكفيرِ ببضاعةٍ كما رأيتَ؛ أثِمَ بنفسِ إقدامِه لا بأثرِه، فلا يتخلَّفُ عَنه الإثمُ بأن وافَقَ الصَّوابَ برميةٍ مِن غيرِ رامٍ، أشبَهَ المجنونَ لو قال كُفرًا لكن بعَكسِه. وقال الإمامُ الشافعيُّ: (ومَن تكلَّف ما جهِل وما لم تُثبِتْه معرفتُه كانت موافقتُه للصوابِ -إن وافقه مِن حيثُ لا يعرِفُه- غيرَ محمودةٍ ، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذورٍ، إذا ما نَطَقَ فيما لا يُحيطُ عِلمُه بالفَرْقِ بين الخطأِ والصوابِ فيه) [الرسالة ص53] .

وأمَّا الاستدلالُ لذلك بقولِ عمرَ عَن حاطبٍ –رضي الله عنهما- إنَّه قد نافَقَ، فإنَّه جنايةٌ في الدِّينِ مستقلةٌ، لتضمُّنِه لتكذيبِ النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- ، وما فيه مِن طَعنٍ في الفاروقِ وسائرِ الصحابةِ؛ ولا يَشُكُّ صاحبُ سنَّةٍ عِندَه ما عِندَ أوساطِ العامَّةِ مِن عِلمٍ؛ أنَّ الفاروقَ –رضي الله عنه- مِن أعلمِ الصحابةِ وليسَ بجاهلٍ، وإذا لم يكن فاروقُ الأمَّةِ وخليفةُ خليفةِ رسولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- مؤهَّلاً للاجتهادِ فمَن لهذا المقام؟
فانظُرْ كيف يُستَدَلُّ لهذه المقالاتِ الرديئةِ! تَعرفْ بُعدَها وبُعدَ أهلِها عَن العِلمِ، وانجُ بدينِك مِن هذه المهازِل، واسمُ بنفسِك عَن هذه المنازِلِ.
وإذا تقرَّرَ عِندَكَ أنَّ الفاروقَ أهلٌ للاجتهادِ في الدِّينِ، فاقتدِ به؛ في رَدِّه العِلمَ إلى مَن هو أعلمُ مِنه، وكيف كانَت سيرَتُه في الاجتهادِ بعدُ، في هَيبتِه وتحرُّزِه ومشاورتِه للعلماءِ مع عُلُوِّ مكانِه مِنهم، وهكذا سُنَّةُ العُلماءِ.
وتأمَّلْ: فإنَّ قَدرَ العِلمِ، وخطورةَ الفتوى: مِن أجلِّ ما يَعلمه العالمُ ويعمل بمقتضاه، فيَكثُرُ أن يُمسِكَ، ومِن أخطرِ ما يجهلُه الجاهلُ، وأنتَ راءٍ عمَلَه بمقتضى جهلِه؛ في أيِّ المهالِكِ يوقِعُه، والجهلُ كلُّ الجهلِ: أن يُظَنَّ المُمسِكُ هيبةً للعِلمِ جاهِلاً، والجريءُ فيه عالِمًا:
وقد يُظَنُّ شُجاعًا مَن بِهِ خَرَقٌ * وَقَد يُظَنٌّ جَبانًا مَن بِهِ زمَعُ
وفي هذا المعنى عن أبي الدرداء: (لن تفقهَ كلَّ الفقهِ حتى ترى للقرآن وجوهًا كثيرة) قال حماد بن زيد لأيوب: (أهو أن يرى له وجوهًا فيهاب الإقدام عليه؟) قال: (هذا هو، هذا هو) [انظر بعض الآثار عن السلف في هذا، في جامع بيان العلم وفضله 2/26 وما بعدها] .

وأمَّا (المذكورُ) وأمثالُه، فلا يحلُّ لهم الكلامُ في دينِ الله، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُمَكِّنَهم مِن ذلك؛ لما في كلامِهم مِن جهلٍ عظيمٍ، ولعبٍ بأحكامِ الشريعةِ، وافتراءٍ على أعراضِ المسلمين؛ بالإثمِ والعدوان، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} وإذا كان الراضي كالفاعلِ في الإثمِ، فإنَّ مَن أعانَ على ذلك أولى بأن يبوءَ بالوِزرِ، وأيضًا فإنَّها مما يترتَّبُ عَليه فسادٌ وضلالٌ وفِتَنٌ، قال شيخ الإسلام فيما هو دون ما نحن فيه بكثير: (والواجبُ عَلَى ولاةِ الأمورِ المنعُ مِن هذه البدعِ المُضِلَّةِ، وتأديبُ مَن يُظهِر شَيئًا مِن هذه المقالاتِ المُنكرةِ، وإن غلط فيها غالطون؛ فمَواردُ النِّزاعِ إذا كان في إظهارِها فسادٌ عامٌّ؛ عُوقِبَ مَن يُظهِرها) [جامع المسائل 5/279] ، فكيف والأمرُ على ما ذكرنا؛ فلا يَبعُدُ أن يدخلَ المُعِينُ على هذا فيما جاء مِن وعيدٍ لِمن آوى محدثًا؛ فهو في معناه، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يحسِّنَ مقالاتِ هؤلاء، أو يُوهِمَ الناسَ أنَّهم على عِلمٍ وسنةٍ، أو يفتَحَ لهم منتداه ليُضِلُّوا المسلمين، أو ينشرَ لهم مقالاتِهم، ولو بدعوى تعدِّدِ الآراءِ؛ فإنَّ دينَ اللهِ ليسَ مُمتَهنًا بآراءِ هؤلاءِ وأذواقِهم، وليس مباحًا للناسِ ليَقُولوا فيه بما شاؤوا، وأمَّا إذا كان مَن يفعلُ ذلك محسوبًا على الحركةِ الجهاديةِ مِن المنتدياتِ والمؤسَّساتِ الإعلاميةِ؛ فإنَّ الأمرَ أعظمُ؛ لأنَّ فاعلَ هذا مشاركٌ مِن حيث لم يدرِ في تصويرِ المجاهدين للناس بأنَّهم غلاةٌ وجهلةٌ يتصدَّرُهم مثلُ هذا، وهو مشاركٌ أيضًا في نشرِ تلك البِدَعِ فيمن يُحبُّون المجاهدين ويُعَظِّمونَهم مِن العامَّةِ، وفي نشرِها بين طوائفِ المجاهدينَ في البلادِ أو الجماعاتِ الصغيرةِ التي يقلُّ فيها العِلمُ وأهلُه.
وأنتَ إذا نظرتَ وجدتَ الأمرَ فوقَ هذا؛ فإنَّ فيما يكتبُه (المذكورُ) ثلاثةَ معالمٍ ظاهرةً، ينفقُ أعداءُ اللهِ مِن العُلوجِ ملايينَهم ويُجَنِّدُون أولياءَهم لتحقيقِها، وعَمَلُهم هذا وإن خَفِيَ على بعضٍ فإنَّه ظاهِرٌ لِمَن يَرصُدُ ويَنظُرُ ويَتَأَمَّلُ: فَنَظَرُ العَدُوِّ بِما أسَرَّ يَبُوحُ.
و(المذكورُ) وأمثالُه شركاؤهم في ذلك بعلمٍ أو بجهلٍ، وهذه المعالِمُ: هي فصلُ المجاهدين عَن الأمَّةِ بتصويرِهم -للجاهلِ بهم- أنَّهم غلاةٌ يكفِّرون مخالفيهم مِن الحركاتِ والعلماء والدعاة، قَصدَ الأعداءُ إلى هذا لأنَّهم يرون إقبالَ الأمَّةِ على الجهادِ، وانشراحَ صُدُورِ كثيرٍ مِن طوائفِ العلماء والدعاةِ -المخالفين للمجاهدين في مسائل منهجية وقضايا جزئية- لإخوانِهم المجاهدين، وإقبالَهم على النظرِ فيما عِندَ المجاهدين، وموافقتَهم لهم في كثيرٍ مِنه، وإعذارَهم لهم في كثيرٍ مِمَّا لم يَرضَوا به، وإن بقيَت مسائلُ للنِّزاعِ بينهم تُدارُ على غيرِ الوجهِ المحمودِ المرضيِّ، لكنَّ هذا دون ما كان مِن قبلُ بكثيرٍ، وهذا مِن توفيقِ اللهِ للعاملين لدينِه، وهو ظاهرٌ جِدًّا لمَن تأمَّلَ ونظر بعقلٍ وإنصافٍ.

والثاني: نشر الغلو في طوائف المجاهدين في المحالِّ المذكورةِ؛ لتنقلبَ سيوفُهم وتعملَ في الأُمَّةِ، بعد أن أوشك نصرُ اللهِ للمجاهدين أن يقرَّ أعيُنَ المسلمين، وبعد أن رأوا حسنَ إدارة المجاهدين لكثيرٍ مِن أعمالِهم العسكريةِ والدعويةِ؛ فرأى عَدُوُّهُهم أنَّ هذا يَذهبُ إلى فَشَلٍ، بصرفِهم عَن منهجِهم الوسطِ، وما اتَّسَمَ به مِن جْمعٍ للرحمةِ والإعذارِ والحِرصِ على الجماعةِ، مع الشِّدَّةِ في حَملِه والعَضِّ عليه –ثابتين- بالنَّواجِذِ.

والثالث: تهوينُ أمرِ علماء المجاهدين وقادتِهم في أعينِ الناسِ، والطعنُ فيهم بدعوى ضعفِ التحقيقِ أو قلةِ البصيرةِ، ليسهُلَ إثارةُ الخلافِ عليهم، وصرفُ الناسِ عَنهم، وأخُصُّ مِن هؤلاء مَن كان له دورٌ في ضبطِ الجهادِ شرعيًّا ومنهجيًّا، وهذا الأمرُ هو السَّبيلُ إلى ما سَبَقَ، فإنَّه لا سبيلَ للعَدُوِّ الكافرِ إلى ما يريدُ مِن تحريفٍ إلا بصرفِ الأُمَّةِ عَن علمائها وقادتِها إلى جُهَّالِها وأصاغرِها؛ فإنَّه ما رَأَسَ جاهلٌ إلا ضلَّ وأضلَّ، وهَلَكَ وأهلَكَ، والنَّصرُ الذي كان بعملِ الكِبارِ السِّنِينَ الطِّوالَ، يُذهِبُه تَرَأُّسُ الجُهَّالِ ولو لساعةٍ، وفي الصحيحِ مِن حديث النعمان عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ القائمِ عَلَى حُدُودِ الله والواقِعِ فِيها؛ كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفينةٍ؛ فأصابَ بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها إذا استَقَوا مِن الماءِ؛ مَرُّوا عَلَى مَن فوقَهم فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا؛ فإنْ يَترُكُوهُم وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإن أَخَذُوا عَلَى أيدِيهِم؛ نَجَوا، وَنَجَوا جَمِيعًا) ، وإذا كان صاحبُ المنكَرِ –جاهلا أو عامِدًا- يَهلَكُ بفعلِه غيرُه، ولا يَجوزُ تمكينُه مِنه، ولا إقرارُه عَلَيه؛ فكيف باتِّخاذِهِ ربَّانًا يَقُودُ، ورَأْسًا يُتَّبَعُ، ودليلاً يُقتَفى؟ فالنَّجاةَ النَّجاةَ؛ والسُّنَّةَ السُّنَّةَ، وليَطلُبْهما العاقِلُ لنفسِه وأمَّتِه؛ بالدرجاتِ الثلاثِ لإنكارِ المُنكَرِ أيِّها استطاع: باليَدِ والسُّلطانِ، أو باللِّسانِ بحكمةٍ وبيانٍ، أو بقلبٍ صادقٍ وشرطُ صِدقِه: عَجزُه عمَّا هو أعلى، وتجنُّبُه للمنكَرِ فلا يُشارِك فيه.
فالواجبُ على مَن نهض لنصرةِ المجاهدين أن يتحرَّز مِن أن يَضُرَّهم مِن حيثُ لم يشعُرْ، وعَلَى مَن عَلِم؛ أن يأخذ على أيدي السفهاءِ، ويُعَزِّرهم بالتغليظِ عليهم لكفِّ شرِّهم عَن أمَّةِ الإسلامِ، وهذا أقلُّ ما يجبُ صيانةً للدين، ودفاعًا عَن المسلمين، وذبًّا عَن المجاهدين.

وأمَّا مَن لم يتَّضِحْ له الصَّوابُ فيما قيلَ، ولم يُحسنْ فَهمَ ما سِيقَ مِن المِثالِ والدَّليلِ، ولم يَظهَرْ له عظيمُ الفارِقِ بينَ علمائِه و(المذكورِ) ؛ عِلمًا وفَهمًا وسُنَّةً ومَنهجًا؛ ففَرْضُه سؤالُ أهلِ العِلمِ الذينَ عُرِفوا به، وأَولاهُم أهلُ الجِهادِ مِنهم؛ لِمَا جاءَ آخِرًا، وإلاَّ يَكُن مِنه ذلك، فاللهم إنني قد أنكرتُ ولَم أرضَ ولَم أشهَدْ، اللهم وقد بلَّغْتُ؛ اللهم فاشهَدْ، اللهم قد بلَّغْتُ؛ اللهم فاشهَدْ، اللهم قد بلَّغْتُ؛ اللهم فاشهَدْ.
وأُصلِّي وأُسَلِّمُ على المُصْطَفَى خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين، وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين، وآخِرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.




زوروا صفحة نخبة الإعلام في :

منبر التوحيد والجهاد
http://tawhed.ws/c?i=371

الدليل المركزي
مؤسسة البراق الإعلامية
http://up2001.co.cc/central-guide





رد مع اقتباس

  #2  
قديم 29-07-2010
محب الغرباء الإفريقي
أنصاري مجتهد

محب الغرباء الإفريقي غير متواجد حالياً
 


دعاء: 36
تم الدعاء له 59 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات



رد مع اقتباس

  #3  
قديم 29-07-2010
عاشق المدينة
أنصاري مجتهد

عاشق المدينة غير متواجد حالياً
 


دعاء: 47
تم الدعاء له 50 مرة في 39 مشاركة
افتراضي

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات



رد مع اقتباس

  #4  
قديم 29-07-2010
السلفي المجاهد
أنصاري مجتهد

السلفي المجاهد غير متواجد حالياً
 


دعاء: 177
تم الدعاء له 35 مرة في 31 مشاركة
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عاشق المدينة مشاهدة المشاركة
وأمَّا (المذكورُ) وأمثالُه، فلا يحلُّ لهم الكلامُ في دينِ الله، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُمَكِّنَهم مِن ذلك؛ لما في كلامِهم مِن جهلٍ عظيمٍ، ولعبٍ بأحكامِ الشريعةِ، وافتراءٍ على أعراضِ المسلمين؛ بالإثمِ والعدوان، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} وإذا كان الراضي كالفاعلِ في الإثمِ، فإنَّ مَن أعانَ على ذلك أولى بأن يبوءَ بالوِزرِ، وأيضًا فإنَّها مما يترتَّبُ عَليه فسادٌ وضلالٌ وفِتَنٌ


جزى الله الشيخ "عبدالعزيز بن شاكر الرافعي" خيرًا ، والحمد لله الذي أظهر داعية السوء أبو أحمد المصري على حقيقته ...



رد مع اقتباس

  #5  
قديم 29-07-2010
السلفي المجاهد
أنصاري مجتهد

السلفي المجاهد غير متواجد حالياً
 


دعاء: 177
تم الدعاء له 35 مرة في 31 مشاركة
افتراضي

ننتظر شبكتنا الغالية .. ماذا ستفعل ؟



رد مع اقتباس

  #6  
قديم 29-07-2010
عبد الله عبد الواحد
أنصاري

عبد الله عبد الواحد غير متواجد حالياً
 


دعاء: 1
تم الدعاء له 3 مرة في 2 مشاركة
افتراضي

نرجز التثبيت اخوننا في الاداره



رد مع اقتباس

  #7  
قديم 29-07-2010
السلفي المجاهد
أنصاري مجتهد

السلفي المجاهد غير متواجد حالياً
 


دعاء: 177
تم الدعاء له 35 مرة في 31 مشاركة
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الله عبد الواحد مشاهدة المشاركة
نرجز التثبيت اخوننا في الاداره
أؤيِّد التثبيت لأهمية هذا المقال ..



رد مع اقتباس

  #8  
قديم 29-07-2010
عاشق المدينة
أنصاري مجتهد

عاشق المدينة غير متواجد حالياً
 


دعاء: 47
تم الدعاء له 50 مرة في 39 مشاركة
افتراضي

لماذا يصر بعض الإخوة على تصوير الأمر على أنه دفاع عن أخطاء محمد حسان وغيره أو المطالبة بعدم الإنكار والإغلاظ عليهم ؟؟!!
كل ما في الموضوع أن لا تسبوا ولا تكفروا لأنه لم تتحقق الشروط ولم تنتف الموانع

هدى الله الجميع



رد مع اقتباس

  #9  
قديم 30-07-2010
ابو العبادلة
موقوف

ابو العبادلة غير متواجد حالياً
 


دعاء: 43
تم الدعاء له 8 مرة في 8 مشاركة
افتراضي

*******************************
هداك الله ... الإدارة
*******************************



رد مع اقتباس

  #10  
قديم 31-07-2010
فداء
أنصـارية

فداء غير متواجد حالياً
 


دعاء: 7
تم الدعاء له 5 مرة في 2 مشاركة
افتراضي

اقتباس:
اقسم بالله هذا الرافعى الذى لا يفرق بين التكفير و الهجرة و اهل السنة جاهل جهول مخالف للحق
عليك كفارة.

اقتباس:
هو اى رجل يُشكل الحروف يضبح عالم
إن لم تكن قد رأيت في المقال غير التشكيل فهذه مشكلة.

اقتباس:
و ما هى جهوده فى نصرة الدين
يكفيه هذا المقال نصرة للدين, بارك الله فيه وفي علمه.

اقتباس:
و لماذا ظهر الان ؟؟
ظهر لتنزيه إعلام المجاهدين عن عبث الغلاة المفسدين.



رد مع اقتباس

إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقـات بتوقيـت دولـة العـراق الإسـلاميـة - السـاعة الآن »02:05 AM.